هو — من غير شك — دكتاتورنا العظيم صدقي باشا، فقد تستطيع أن تبحث بين المصريين وغير المصريين عن رجل تستطيع أن تصفه بهذا الوصف وأنت مطمئن واثق بأنك لم تخطئ ولم تقصر ولم تسرف، فلن تجد غير هذا الرجل العظيم.

وعظماء الرجال يمتازون في أكثر الأحيان بصفات خاصة تُشخِّص عظمتهم، وتخطر للناس كلما ذُكِرَتْ أسماؤهم؛ فهذا يمتاز بالرحمة، وهذا يمتاز بالشجاعة، وهذا يمتاز بسعة العقل، وهذا يمتاز بسعة الحيلة، وهذا يمتاز بطيبة القلب، وهذا يمتاز بحب التقاليد، وهذا يمتاز بالإقدام يتبعه الإحجام، وبالكر يتبعه الفر، وبالتورط في الكلام …

أما صدقي باشا فيمتاز بالجرأة … بالجرأة التي لا حد لها … لا في الطول، ولا في العرض، ولا في العمق.

فصدقي باشا جريء في أي نحو من الأنحاء، جريء على نفسه، جريء على الناس، جريء على الدستور، جريء على القانون، جريء على الأجانب، جريء على الإنجليز، جريء على ما شئت وما لم تشأ، جريء على من شئت ومن لم تشأ. لا يخاف شيئًا، ولا يحسب لشيء حسابًا، ولا يرجو لشيء وقارًا. ليس هو الرجل الجريء وإنما هي الجرأة تمثلت رجلًا بهذه الصفة.

امتاز صدقي باشا بين عظماء المصريين، بل بين عظماء العالم كله إن شئت، فما ينبغي أن تتكلف مع صدقي باشا تحقيقًا أو تدقيقًا؛ لأن الرجل لا يتكلف مع نفسه ولا مع الناس تحقيقًا ولا تدقيقًا.

كان محاربًا للوفد، يكيد له ويهجم عليه، يتربص به الدوائر، ويصب عليه ما استطاع من المكروه. ثم لم يمنعه ذلك أن يكون صديقًا للوفد مسرفًا في الصداقة، يجهر بتأييده والذود عن مبادئه، جادًّا في ذلك متهالكًا عليه!

ثم دارت الأيام دورة قصيرة غير طويلة، فإذا صدقي باشا حرب على الوفد يجهر بمخاصمته والتأليب عليه جادًّا في ذلك متهالكًا عليه، ثم دارت الأيام دورة قصيرة جدًّا وإذا صدقي باشا يفكر في التقرب إلى الوفد، ويسعى في ذلك ولا يتردد في أن يتحدث به أو يستعين عليه بمن وسعه أن يتحدث إليهم أو يستعين بهم.

ثم دارت الأيام دورة قصيرة وإذا صدقي باشا يؤلف وزارته برغم الوفد وبرلمان الوفد، وإذا هو يلغي الدستور وقد كان من أشد أنصار الدستور، وإذا هو يحل البرلمان.

وأغرب من هذا كله أنه لم يتردد لحظة في أن يجهر بأن الأمة كلها كانت معه حين لم يستطع أن يصل إلى البرلمان وكانت معه بعد أن وصل إلى البرلمان، وكانت معه حين لم يستطع أن ينال الإذن بدخول البرلمان وكانت معه حين حل البرلمان، وكانت معه حين كان حريصًا على دستور سنة ١٩٢٣ وكانت معه حين كان معطلًا لهذا الدستور، وكانت معه حين رجع إلى تأييد هذا الدستور ثم كانت معه حين رضي عن تعطيل الدستور، وظلت معه حين كان يسعى إلى الوفد ليستمتع بنعمة هذا الدستور، ثم ظلت معه حين ألغى الدستور وحين أنشأ الدستور الجديد.

ولما ألف وزارته وأصدر الدستور، ودعا إلى الانتخاب وأجرى هذا الانتخاب لم يَبْقَ شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه؛ لأنها أعطته سبعة وستين وسبعة أثمان من أصوات الناخبين، ولم يكن شك ولا ريب في أن الأمة كانت معه تمنحه التأييد وتخلص له الود، حين كان ما كان في البداري وغير البداري من مواطن الخزي.

وأغرب من هذا أن الأمة كلها كانت معه، حتى خصومه الذين كانوا يحاربونه فهم كانوا يحاربونه في ظاهر الأمر ويؤيدونه من وراء الستار، حتى تلك الأرواح التي أُزْهِقَتْ في ظِلِّ حكمه السعيد فإنها كانت تصعد إلى السماء راضية عنه مثنية عليه، داعية لحكمه بطول البقاء؛ لأنه ضحى بها في سبيل الحرية، وأزهقها في سبيل حماية مصر من الفوضى والخراب!

ثم دارت الأيام دورة كانت قصيرة في حساب الزمان؛ لأنها لم تكن تتجاوز الأعوام الثلاثة، وكانت طويلة في حساب المصريين؛ لأنها كانت مملوءة بالشر والضر، وبالهول والروع …

دارت الأيام هذه الدورة القصيرة الطويلة، وإذا صدقي باشا تزل به قدمه فيهوي عن منصب الحكم، ولكن الأمة في هذا الوقت نفسه كانت معه، كانت تظهر الفرح بسقوطه، وتضمر حزنًا ممضًّا وألمًا لازعًا عميقًا!

واستقال من حزب الشعب فأظهرت الأمة فرحًا بذلك، وأضمرت الأمة حزنًا على ذلك، ورجع إلى حزب الشعب، فلم تبخل الأمة عليه بالتأييد والتشجيع، واستقال من مجلس النواب فجزعت الأمة لهذه الاستقالة فيما بينها وبين نفسها، وفيما بينها وبين الله، وأظهرت الأمة رضا بذلك اتقاء لصولة الرجل الطيب ليس غير، فلما رجع إلى مجلس النواب لم تستطع الأمة أن تخفي ابتهاجها، ولا أن تسر اغتباطها، وإنما اندفعت إلى ذلك اندفاعًا، واستبسلت في ذلك استبسالًا، ولم تحفل بسخط الرجل الطيب ووزارته.

وكان الرجل الطيب طيبًا حقًّا، فلم يؤدبها ولم يعذبها وإنما صبر لها على هذا الجموح، وغفر لها هذه الزلة. وأكبر الظن أنه خاف من صدقي باشا ومن أسئلته في مجلس النواب ومن استجواباته التي لا تثبت لها الوزارات مهما تكن قوية، فكيف إذا كانت وزارة طيبة كوزارة الرجل الطيب؟!

وكان صدقي باشا رجلًا مطمئنًّا كل الاطمئنان أثناء تلك الحرب المنكرة التي أثارها عليه الرجل الطيب، لم يداخله خوف ولم يصل إلى قلبه ذعر، وقد أخطأ من ظن أنه استقال من حزب الشعب أو من مجلس النواب فرارًا أمام الرجل الطيب أو خوفًا من وزارة الرجل الطيب … إنما استقال لعبًا بطيبة الرجل الطيب. واللعب مباح لعظماء الرجال؛ فهم في حاجة إلى أن يرفهوا على أنفسهم، وإلى أن يظفروا بشيء من اللهو البريء الذي يضحكهم ويضحك الناس أيضًا.

وأُثِيرَتْ حول صدقي باشا إشاعات وأنباء تملأ الأرض والسماء فلم يَضِقْ بها ولم يجزع لها، وإنما لقيها باسمًا ساخرًا؛ لأنه جريء لا يخاف شيئًا ولا يحسب لشيء حسابًا ولا يرجو لشيء وقارًا.

أُثِيرَتْ حكاية القطن فابتسم لها وهزأ من الذين أثاروها وتحدَّى وزير المالية أن يتكلم فلم يستطع وزير المالية أن يتكلم.

أُثِيرَتْ قصة الكورنيش؛ فضحك منها وأطمع الناس فيه … دنا من المحققين حتى كادوا يضعون أيديهم عليه، ثم نأى عن المحققين حتى عجزوا عن أن يبلغوه بالأبصار فضلًا عن أن يبلغوه بالأيدي، وهو الآن يذهب ويجيء في القاهرة وفي مصر كلها، وبين داره ومجلس النواب.

ترك حزب الشعب وناديه ارتفاعًا عن حزب الشعب وناديه، ولكنه سينشئ لنفسه ناديًا؛ فهو لا يستطيع أن يعيش من غير أن يكون له نادٍ يتجلى فيه على مريديه، وهو الآن يخطب في مجلس النواب، ويقف أمام الرجل الطيب معتدل القامة، مرفوع الرأس، شامخ الأنف، منطلق اللسان. ثم يخطب فيدفع وزير المالية ووزير الزراعة إلى ما شئت من التورط والاضطراب.

أفتشُكُّ بعد هذا كله في أن عظمة صدقي باشا إذا امتازت بشيء فإنما تمتاز بالجرأة؟!

وقد فرغ صدقي باشا من خصومه الشعبيين وأشباه الشعبيين، والتفت صدقي باشا إلى أصدقائه القدماء … إلى الإنجليز، وهل نَسِيَ صدقي باشا أصدقاءه الإنجليز في يوم من الأيام؟! ولكنه أظهر الالتفات إليهم على كل حال وأخذ يتحدث إلى صحفهم، فبدأ بالإجبشيان جازيت، ولعلَّه أن يُثَنِّي بالديلي تلغراف، وأن يُثلِّث بالتيمس، وأن يغمر الصحف الإنجليزية كلها بأحاديث … يا لها من أحاديث!

وسيعلم الرجل الطيب منذ اليوم كيف تكون السياسة، وكيف تكون الحرب بين أقطاب السياسة، وسيستيقن الرجل الطيب منذ اليوم أن ليله لن ينام، وأن نهاره لن يستريح؛ فقد نشط صدقي باشا وهمَّ بالهجوم، وويل لخصوم صدقي باشا حين ينشط، وحين يهم بالهجوم!

وقد أظهر صدقي باشا في حديثه مع الإجبشيان جازيت أقصى ما يستطيع الرجل الجريء أن يظهره من الجرأة، فأنكر نفسه إنكارًا تامًّا، وكذَّب نفسه تكذيبًا قاطعًا، ومحا شخصية كانت له، واتخذ مكانها شخصية جديدة، ولم يستبدل شخصية بشخصية في السر خلف الأستار، ومن دون الأبواب المغلقة، وإنما خلع ثيابًا ولبس ثيابًا أخرى جهرة أمام الناس جميعًا، لم يتردد في ذلك ولم يشفق منه، ولم يحفل بما سيقوله الناس. ومتى حفل صدقي باشا بما سيقوله الناس؟! فصدقي باشا رجل هو أعظم من الناس جميعًا!

كان صدقي باشا يقول ويقول، ويحمل زملاءه على أن يقولوا ويقولوا أن المفاوضة آتية لا ريب فيها، وأنه منتهٍ برغم خصومه جميعًا إلى المفاوضة ثم إلى إمضاء المعاهدة، ثم إلى إبرام المعاهدة. قد اتفق على ذلك مع الإنجليز في مصر، ثم اتفق على ذلك مع وزير الخارجية الإنجليزية في جنيف، ثم بدأ في ذلك مع المندوب السامي في مصر حتى أخذ خصومه يسألون أنفسهم: كيف يستطيع رجل أن يجرؤ على تقرير الباطل إلى هذا الحد؟!

ولكن صدقي باشا لم يتردد أول أمس في أن يعلن في هدوء لا يشبهه هدوء أن كل ما قال وحَمَل زملاءه على أن يقولوه إنما كان تمويهًا وتهويشًا ولعبًا بالعقول وضحكًا على الذقون وأن الإنجليز لم يفاوضوه، ولم يهموا بمفاوضته، ولم يظهروا ميلًا إلى هذه المفاوضة وإنما أفهموه أنهم لا يريدون أن يفاوضوا إلا حكومة ديموقراطية حقًّا …

وإذن؛ فقد كان صدقي باشا أثناء الحكم يريد أن يضحك على الناس فيضحك على نفسه وعلى زملائه لتجوز الحيلة ويخفى التكلف، وهو الآن يريد أن يضحك على الناس مرة أخرى فيضحك على نفسه وعلى أصدقائه مرة أخرى لتجوز الحيلة وليظن الناس أنه ما زال رجلًا سياسيًّا يستطيع أن يتحدث في السياسة وأن يرسم الخطط ويفسر التاريخ ويتنبأ بالمستقبل.

ولم ينس صدقي باشا إلا شيئًا واحدًا يسيرًا جدًّا، وهو أن جرأته لم تخدع أحدًا في يوم من الأيام، وأن أحدًا لم يصدقه في شيء مما قال قبل أن يلي الحكم، وحين ولي الحكم وبعد أن ترك الحكم، وأن الناس لن يصدقوه اليوم بعد أن أبوا تصديقه أمس.

إنما كان صدقي باشا رجلًا عظيمًا حين واتته الظروف وأمكنته الفرص، فلما خذلته الظروف وتخلت عنه الفرص أصبح رجلًا كأيسر الناس قدرًا وأهونهم شأنًا؛ فهو يستطيع أن يذهب ويجيء، وأن يصول ويجول، ويكتب ويقول؛ فلن يبلغ شيئًا إلا أن تعطف عليه تلك الظروف التي عطفت عليه من قبل، فجعلته رجلًا عظيمًا.

وصدقي باشا جريء؛ فهو يدور حول هذه الظروف لعلها تعطف عليه، ولعلها تجعله رجلًا عظيمًا مرة أخرى، ولعلها ترفعه إلى الحكم، وتديل له من الرجل الطيب … ولكن الجرأة شيء والفطنة شيء آخر، وكثيرًا ما يكون الرجل جريئًا وتخطئه الفطنة برغم جرأته.

والظاهر أن صدقي باشا لم يفقد جرأته ولكن المرض قد ترك في فطنته ندوًبا وآثارًا، فهو يطمع في غير مطمع، ويدور حول ما لا سبيل إلى الوصول إليه، وأقصى ما يبلغه صدقي باشا بهذه الأحاديث إنما هو تنبيه الرجل الطيب إلى حربه، ولفت الرجل الطيب إلى أنه لم يُلْقِ السلاح بعد، وإلى أنه ما زال قادرًا على أن يعرض به ويكيد له ويتقرب على حسابه إلى الإنجليز، وقد يخاف الرجل الطيب ذلك وقد لا يخافه …

ولكن أحدًا غير الرجل الطيب وأصدقائه لا يستطيع أن يحسب لشيء من هذا حسابًا ولا أن يناقش صدقي باشا فيما يقول مناقشة الجد، إنما أمر صدقي باشا هزل في هزل منذ الآن، وأظرف ما فيه أن صحيفته القديمة وصحيفة الرجل الطيب الآن صامتة مفحمة أمام هذا الحديث لا تنكره؛ لأنها لم تبلغ من الجرأة ما بلغه صدقي باشا؛ فتنكر نفسها كما أنكر نفسه، ولا تقره؛ لأنها لا تستطيع أن تحارب الرجل الطيب وقد أصبحت سلاحًا في يد الرجل الطيب.

وقد كان من الخير أن تتحدث إلينا صحيفة صدقي باشا أمس وصحيفة الرجل الطيب اليوم برأيها في تقرُّب صدقي باشا إلى الإنجليز، والحاجة في هذا التقرب، وكيده للوزارة القائمة، وإغرائه الإنجليز بها، فقد طالما أنكرت ذلك على قوم لم يفعلوه، فما لها لا تنكر ذلك على رجل يفعله ويغرق فيه إلى أذنيه؟! أراضية هي عما يقول مولاها القديم أم ساخطة هي عليه؟!

وشيء آخر ظريف نحب أن نعرف فيه رأي صدقي باشا؛ فهو يرى أن المندوب السامي لا ينبغي له أن يتدخل في شئون الحكم إلا إذا أساءت الحكومة المصرية إلى هذه الشئون، وتعرَّض الحق والعدل والديمقراطية للخطر. هذا رأيه، فقد نحب أن نعلم أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل في موقفه هو من قصة الكورنيش، وفي موقف الحكومة المصرية منه الآن، وفي تقصير الحكومة المصرية أو قصورها عن سؤاله حتى أمام البرلمان.

فليس من شك في أن هذا كله إفساد للحق والعدل والديمقراطية، ودليل واضح على أن أساس الديمقراطية في مصر ضائع أو معرض لخطر عظيم. فما رأي صدقي باشا؛ أيجوز للمندوب السامي أن يتدخل فيسأل الحكومة المصرية: ما بالها تسأل فلانًا وفلانًا من الموظفين، ولا تفكر، أو لا تريد أن تفكر في سؤال صدقي باشا عن قصة الكورنيش؟

أما نحن فنكره أن يتدخل الإنجليز حتى في هذا، ونؤثر أن يمتاز صدقي باشا، وإن عجزت الحكومة عن سؤاله أو قصَّرت الحكومة في سؤاله؛ لأن امتياز صدقي باشا وإشفاق الحكومة منه أو محاباة الحكومة له إن كانت له نتيجة فإنما هي إقناع الشعب المصري بما هو مقتنع به من أن هذا العهد السعيد، عهد صدقي باشا ليس عهد ديمقراطية، ولا احترام لدستور أو قانون، وإنما هو عهد أزمة من هذه الأزمات التي تعرض للشعوب ثم لا تلبث أن تزول، وهي إنما تزول بتقليم أظافر صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وقطع ما بينهم وبين الحكم أو الطموح إليه من الوسائل والأسباب.

ما أجدر صدقي باشا أن يستريح! فإن استقامة الصحة البدنية ليست كل شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.