إلى أمِّ الشعب الحزينة الباسلة، إلى السيدة صفية سعد زغلول أُقدِّم هذه الكلمة باحترام.

مي

في «كلمات» قاسم أمين التي جمعها ونشرها أصحابه بعد وفاته كلمة شائعة بين الكاتبين وهي أنه في ١١ فبراير ١٩٠٨ يوم الاحتفال بجنازة مصطفي كامل هي المرة الثانية التي رأيت فيها قلب مصر يخفق، وكانت المرة الأولى يوم دنشواي.

هذه الكلمة تلخص فيها تاريخ وجيز حصيف، ولو شئنا اليوم أن ندوِّن كلمة من نوعها دون علو ولا استسلام عصبي للحزن الشامل لقلنا إن سعدًا سيطر على قلب مصر ثمانية أعوام متوالية، فكان مولى ذلك القلب يثير فيه ما شاء من انفعال وحماسة، ويبعث فيه ما أراد من رِضًى واستسلام.

ثمانية أعوام هي صفحة تاريخية وهَّاجة وقصيدة حماسية رائعة، وعلواء جليلة باقية في عمر أمة كان سعد شاعرها وبطلها ومنشدها وموقعها، فطرب لها المصري وغير المصري على السواء، وتأثر بها الموالي والمعادي فقال كل قولته وعزز كل فكرته، ضرب سعد على وتر حساس جوهري هو وتر الوطنية والقومية والحرية والاستقلال، فتحركت معه عديد الأوتار وتنبهت في الأمة الاستعدادات والمواهب والمطالب.

ثمانية أعوام كنا نتصفح خير مثيلاتها في تواريخ الأمم السابقة واللاحقة فنغبط أهلها عليها ونتساءل: هل لشرقنا أو لقطر من أقطاره أن يعرفها في أدواره الحديثة؟ فإذا بسعد يخلقها في مصر خلقًا، وإذا بصوته العجيب يشيع في أجوائها فيوجد الروعة رهيبًا، ويبعث الحمية عاصفًا، ويطبع القلوب على اليقين متصلبًا، ويطلق على الشيوخ والشبان حياة واحدة دافقة من كل صوب في تنوعها، إن عمد ذلك الصوت الأخاذ إلى التريث والترفق تمددت منه أصداء تلتصق بقلوب النساء، فتثير فيها مع حب الأوطان ظمأ التَّحنَان وتهتاجها لاستماع كلمات الولع والهيام.

ثمانية أعوام هي أعوام اليقظة، حقًّا إن سعدًا شاعر اليقظة، وبطل اليقظة، وخطيب اليقظة، وزعيم اليقظة، وفي اليقظة جميع عوامل الحياة وآمالها وشعائرها وأسرارها.

أهو الذي حبا مصر بهذا الفيض الحيوي، أم هي التي أمدته به فقوي بقوتها ونطق بلسانها وسَطَا بسلطانها؟

أهو الشاعر يأتي للسامعين بالوحي العجب فيستهويهم، أم هو الجمهور ينفث في الشاعر بما يصبو إليه ويتطلبه ليذوق النشوة ويحلق مع مبدعها؟

لا ريب أن الأمرين مترابطان متفاعلان؛ فللجمهور إرادة صامتة، وأماني راكدة، وحياة تريد أن تنجلي وتتوزع في سبل الخير والنفع والجمال، على أنه في حاجة إلى شخص فرد يدرك مقاصده ويلمس ممكناته، فيحسن تكيفها وينشرها أمامه جلية واضحة، ولذلك الفرد بعدئذٍ أن يظل مستوحيًا تلك الآمال، مستندًا على تلك الإرادة التي هي ميدان تصرفه، وممرح اقتداره، وحذق سعد كل ذلك واعتلى منصة الزعامة فإذا بالفلاح الصغير وقد أصبح معبود الأمة وقائدها، وإذا بمنزل الرجل المصري الواحد وقد انقلب «بيت الأمة» بأسرها.

وسرعان ما تناول العوامل المحيطة به فاستغلها خير استغلال وأرسلها إلى قومه مشاعًا ممتزجًا في حياتهم اليومية، فالعَلَم المصري الذي غرس مصطفى كامل حبه في أبناء جيله صار في عهد سعد شعارًا نابضًا أشركته الأمة في أحزانها وأفراحها، وكان للعَلَم المصري دور خطير مثله في هذه الأعوام.

والقومية المصرية التي كان أحمد لطفي السيد (الذي نتمنى له العمر الطويل والهناء الكثير) أول كاتب مصري دعا إليها وقال بتجردها من الصبغة العثمانية على أن تجمع بين العنصرين المصريين المسلم والقبطي، تلك القومية كانت يد سعد عاملة على توثيقها كما كان صوته خطيبها القدير.

وتحرر المرأة الذي نادى به قاسم أمين فأثار تلك الزوبعة الهوجاء، حقَّقه سعد في إشارة واحدة، وأيده لسانه في خطب كثيرة، كما قدم منه مثالًا مهينًا في شخص المرأة الواحدة التي تعيش في ظله، في شخص حرمه المصون السيدة صفية زغلول.

***

لم يكن هذا الرجل يوم مصرعه بأعظم منه في أي يوم من أيام هذه الأعوام المتلظية، إن قصيدة «اليقظة المصرية» متماسكة متكافئة في جميع مقاطعها، كل مقطع وفقًا لطبيعته وأحواله، فكانت الخاتمة منها خليقة بالمطلع، ومثله زاخرة بالآمال والأحزان والهتاف والعبرات.

ولقد أحسن مجلس الوزراء، بل هو قام بالواجب في ما قرره بالأمس لتخليد ذكرى الفقيد تخليدًا «حكوميًّا» (إن صح الوصف) على الوجوه التي ارتآها، فتمثال سعد يجب أن يكون قائمًا في ميدان عظيم في كلٍّ من القاهرة والإسكندرية، ولا بد أن يقوم كذلك في مسقط رأسه، ويجب أن يُعالَج المرضى في مستشفي سعد، وأن تُسمَّى المدارس والملاجئ باسمه، والبيت الذي ولد فيه «بيت الأمة» يجب أن يكون في عداد الممتلكات العمومية والآثار الغالية، وأن يجمع فيه كل ما تداولته يد سعد في حياته، على أن تبقى كل أداة في موضعها، وأن لا يتغير شيء في مكتبه وغرفته عما كان يوم وفاته.

هذا بعض ما يصنعه المحبون للراحل المحبوب، إذ على يد سعد ظهر من قلب مصر ما هو أنفس من التقدير والاحترام والإكرام؛ ظهر الحب والتعلق والعبادة، إن مصرًا «تحب» زعيمها كما قالت «الأهرام» في افتتاحية الأمس، وسعد هو الرجل المحبوب، ولا يوقظ هذا الحب الحار الطويل العنيد في قلب كبير إلا من كان ذا قلب كبير يملك أن يحب حبًّا طويلًا حارًّا عنيدًا.

إن سعدًا هو فتى مصر المحب المحبوب في حياته وفي مماته.

غدًا يتناول أساطين القلم والتاريخ عمل سعد السياسي والدولي بالتمحيص والتحليل بعد أن شُغِلوا بهذا الموضوع أخذًا وردًّا ثمانية أعوام تترى، أما أنا التي كان لي منها حظ أبناء جيلي، حظ اليقظة، أنا التي لم أكتب عن سعد زغلول جملة واحدة في حياته، أود اليوم أن أذكر له ثلاثة أفضال لا غنى عنها في يقظة شعب يفتح عينيه لنور الحياة، فقُدِّر لها أن تتم بهذه السرعة على يد سعد العظيم.

إني كنت من أول المتأثرين بحمية هذه الأعوام، ففيها نشأتُ أدرك معنى الكلمات الحيوية وأفهم مصاعب الشرق ومصائبه، فيها شعرت باحتياج إلى وطن وتألمت لعاطفة الغربة الوجيعة وإن كنت لا أخشى التكرار، فأذكر اليوم لسعد زغلول هذه الأيدي الثلاث، فلأن في كل منها حرية أعظم من الحرية السياسية وأفعل، ولأن ما في مصر في البلدان العربية الأخرى من ارتباك وسوء تفاهم، ومعالجة هذه المشاكل هنا بإرادة الزعيم الأعظم جعلتها أقل عسرًا في غيره من الأقطار.

الأمر الأول هو الجمع بين عناصر القطر بلا تفريق في العقيدة والطائفة ومزجها في قومية مصرية واحدة، فسعد المسلم المصري الصميم كان أرحب إدراكًا وأشمل تقديرًا لمعنى القومية بمعناها العصري الذي هي صائرة حتمًا إلى إنمائه مع الزمن، وجمع الأمة كتلة واحدة في يقين واحد وأغراض متشابهة للجميع.

الأمر الثاني هو تحريك الطبقات وفتح السبيل لمن كانت السبيل مغلقة في وجوههم، وتمهيد الطريق لبروز الشخصيات التي لولاه لظلَّت مجهولة في المرتبة التي ولدت فيها، ففعله من هذا الجانب فعل نابليون — على ما بينهما من بَون شاسع — الذي حرَّك قوى الفرنسيس وقلب نظام المراتب فخلق الشخصيات الجديدة، ويسَّر الظهور لغير الظاهرين المعروفين.

والأمر الثالث هو تحرير المرأة، فباسم سعد اجترأت المرأة المصرية على رفع صوتها، وتحت لوائه سارت مواكب النساء في الشوارع وهتفت بحياة الوطن والحرية والاستقلال، وفي ظل سطوته تلقَّى الجمهور اسم المرأة وهتافها وتعوَّد أن يستمع لمطالبتها في تهيب واحترام، ولولا ذلك لكان زاريًا واجمًا، وهل من عامل أقدر على تقدير المرأة من أن الزعيم العائد من المنفى — تلك العودة الفخمة المنصورة — يستهل خطابه في فندق سميراميس شكرًا على احتفاء عظماء قومه به فيقول: «سادتي، وأرجو أن أبدأ خطابي في محفل قريب بقولي «سيداتي وسادتي»؛ لأن للمرأة المصرية قسطًا من الفخر في جهاد الأمة ...» فيُقابَل هذا الكلام بالتصفيق الحاد المتواصل.

وهل من عامل أقدر على السفور من أن يدخل الزعيم سرادق السيدات بعد عودته من المنفى فيأبى البقاء فيه إلا إذا أسفرت السيدات المجتمعات لاستقباله، وسابقت يده لسانه في ما أراد فمد يده ضاحكًا يرفع الحجاب عن وجه أقرب السيدات إليه؛ فكان ضحك، وكان تصفيق، وكان تهليل، وأسفرت الحاضرات بعد ذلك التحجب، فكان ذلك اليوم عنوان تحرير المرأة، وفهمنا منه قول قاسم أمين في تقديم كتابه «المرأة الجديدة» إلى صديقه سعد زغلول.

«منك وجدت قلبًا يحب وعقلًا يفتكر وإرادة تعمل، أنت الذي مثَّلت إليَّ المودة في أكمل أشكالها، فأدركت أن الحياة ليست كلها شقاء، وأن فيها ساعات حلوة لمن يعرف قيمتها.»

وكانت حرم سعد أولى من تجمع حولها قلب الجمهور، فألف تقدير المرأة في هذه الأعوام فخرجت فيه غير مرة خطيبة، وأعلنت عليه البيانات موقعة باسمها، وكان يوم سفرها للاجتماع بزوجها المنفي لا يقل حماسة عن أي يوم من أعظم أيام الانتصار لمصر في أيامها المشهودة، وسفرت في صورتها فرأينا مثالًا من السفور الكريم والجلال الذي لا يلجأ إلى تظاهر أو تنطُّع أو دعوى.

***

اليوم يوم النفي، يا زوجة سعد، اليوم يوم الوحشة، اليوم يوم الاغتراب الطويل، هجع الجبار العذب القاسي، هجع جبار الوادي، وبقيتِ أنتِ قيِّمة على اللهيب الذي أذكاه، وتلقيت أنت من ذكره ذلك المغناطيس الذي كان وسيظل مستوليًا على القلوب، فعَّالًا في النفوس، كل هذه الأعوام كانت فجرًا وسيعقبها نهار وهَّاج محتوم، فكوني أنت المرأة التي نعهد، تضم إلى قدرتها الشخصية قدرة القدير الهاجع، وارفعي في هذه الأمة صوتك لتذكريها أنها سائرة إلى الحياة رغم الخطوب الجسام والخسارات الفوادح.

الشعب يتيم يبكي أباه، ولا يخفف الجوى إلا صوت الأم الحنون، فاستبسلي يا أم الشعب الباسلة، وهمهمي في مصابك بكلمات حلوة رقيقة، كلمة العزاء يجب أن تأتي من المرأة وأنتِ اليوم تلك المرأة لأنك أنت أنت؛ لأنك زوجة الفلاح العظيم والمصري الصميم، لأنك سيدة بيت الأمة، لأنك في قلب مصر الجريح القلب المتفطر الدامي.

ألقي في النفوس بسحر الجبار الهاجع، وأرسلي على الجماهير روعة صوته، وقولي لأبنائك إن سعدًا واحد منهم ليس غير، فعليهم أن ينشطوا ليكون كل منهم في الطليعة، قولي كلمة المواساة، أنت التي تتهافت القلوب لمواساتك، أنت التي فَقَدْتِ فيه الأب والأخ والزوج والولد جميعا! تكلمي من صميم تفجعك لتشحذي الهمم وتشددي عزائم الرجال وتقوي قلوب النساء، قولي بوجوب العمل وقولي باتحاد العناصر، وتآلف الأحزاب، قولي إن الوقت خطير يحتاج إلى الشخصيات القوية والحب والإقدام والجهاد، وقولي إن الوادي يجب أن ينجب ألف ألف سعد على كَرِّ العصور، وأخيرًا قولي هذه الكلمة العظيمة التي ستجيء منك أوقع ما تكون:

ليس كل مجد الأمم قائمًا بعظمائها الأحياء، ولا بد لها مع جهاد هؤلاء من قبور عظمائها الهاجعين لتستمد من جوانبها النور والعزم والشجاعة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.