يُقال إن بطلًا من أبطال الأساطير تورط في بعض الخطايا، فكتب القضاء عليه أن ينفق في دار الموتى دهره السرمدي الذي لا آخر له، معالجًا شيئًا واحدًا لا يكاد يُتِمُّه حتى يضطر إلى ابتدائه؛ لأنه لا ينتهي إلى غايته مهما يبذل هذا البطل من جهد، ومهما يحتمل من عناء.

وهذه المهمة التي كُلِّف البطل أداءها، ولن يستطيع أن يؤديها، هي أن يدفع صخرة من أسفل الجبل؛ ليرفعها إلى قمته، والبطل يدفع هذه الصخرة ويشقى بدفعها ورفعها، ويلقى في جهده هذا أعظم البلاء، وأشق الامتحان، حتى إذا كاد يبلغ القمة ويقر الصخرة في المكان الذي أعد لها، أفلتت منه هذه الصخرة وانحدرت مسرعة لا تلوي على شيء حتى تبلغ القاع، واضطر البطل البائس إلى أن ينحدر معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا؛ ليجدد الدفع والرفع، ويستأنف الجهد والكد، وما يزال كذلك حتى ينقضي الخلود إن كان من الممكن أن ينقضي الخلود.

هذا البطل الشجاع الجريء الصبور يذكرني ببطلنا العظيم صدقي باشا فيما يحاول منذ عنيت مصر في أعقاب الحرب العالمية الأولى بفض ما بينها وبين الإنجليز من الخصومة، وحل ما بينها وبين العالم الخارجي من المشكلات.

فصدقي باشا صابر مصابر، ومجاهد مجالد ما في ذلك شك، ولكن لا أعرف ما هذه الخطيئة التي تورط فيها، والتي قضت عليه ألا يبلغ من جهاده وجلاده، ولا من مصابرته ومثابرته شيئًا؛ فقد جد صدقي باشا واجتهد وصابر وثابر حتى أصبح عضوًا من أعضاء الوفد، وبطلًا من أبطال الجهاد، وعلمًا من أعلام الفوز، وحتى وصل إلى باريس مع سعد وأصحابه، وخيل إليه أنه قد بلغ الغاية، وظفر من المجد بما كان يريد، ولكنه ينظر فإذا صخرته تنحدر مسرعة حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها فينحدر خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى يبلغ القاع، وإذا هو قد عاد إلى مصر وترك أصحابه في باريس، وابتدأ جده وكده ومصابرته ومثابرته من جديد، وأخذ في الدفع والرفع يحتمل في ذلك ما يطاق وما لا يطاق من الأعباء حتى يشارف القمة مرة أخرى، وإذا هو يشارك في وزارة عدلي باشا — رحمه الله — وفيما نهضت به من عبء المفاوضات، ولكنه ينظر ذات يوم فإذا صخرة المفاوضات قد انحدرت مسرعة حتى بلغت القاع، وانحدر هو معها خفيفًا أو ثقيلًا، سريعًا أو بطيئًا حتى بلغ القاع، وأخذ يستأنف الجد والكد، ويصل حياته السياسية بحياة ثروت باشا، ويخيل إليه بعد كثير من العناء أنه قد شارف القمة، وكاد يقر الصخرة في مكانها المهيأ لها، ولكنه ينظر فإذا الصخرة تنحدر حتى تبلغ القاع، وإذا هو يتبعها إلى القاع مرة أخرى.

وما يزال في دفع ورفع ومشارفة للقمة وسقوط إلى القاع يصل حياته السياسية بحياة من شاء الله أن يقيض له من رؤساء الوزارات لا يعرف كلالًا ولا ملالًا ولا يألف يأسًا ولا قنوطًا، حتى تتاح له فرصة لم يشك — ولم يشك كثير من الناس معه — في أنها الفرصة الأخيرة التي ستبلغه فوزًا ليس بعده فوز، فوزًا ليس عليه خوف من فشل أو إخفاق، فقد أزال العقبات كلها أو خيل إليه وإلى كثير من الناس أنه أزال العقبات كلها.

لقد أقصى الوفد عن الحكم، وحل مجلس النواب، وأُتيح لصدقي باشا أن يلغي الدستور، وأن يضع مكانه دستورًا جديدًا يتَّخذُه سلمًا أمينًا يصعد فيه مع صخرته إلى القمة، وأُتيح له الجيش المصري كله، والشرطة المصرية كلها، ومعونة الإنجليز غير مضنون بها، ولا مقتر فيها. فما الذي يمنعه أن يرقى، وأن تتبعه صخرته أو تسبقه حتى يبلغ القمة فيقرها ويستقر عليها سالمًا موفورًا؟ ولكن الصخرة تنحدر كأبشع ما يكون الانحدار، ويتبعها صدقي باشا حتى يبلغ القاع، فيقيم فيه ويطيل المقام.

ولكنه يكد ويجد ويحتمل ألوان العناء، ويحاول أن يصعد مع الوفد مرة، ومع خصوم الوفد مرة أخرى، والطريق تؤخذ عليه، والأسباب تتقطع به قبل أن يبلغ القمة، وإذا هو يعود راضيًا أو كارهًا إلى القاع.

وليست هذه المحاولة التي حاولها صدقي باشا في هذا العام إلا حلقة من حلقات هذه السلسلة التي لن تنتهي إلى غاية، ولن تقف عند حد، وقد أُتيح في هذه المرة لصدقي باشا أقل ممَّا أُتيح له في المرة الأولى، فهو قد رأس الوزارة، ورأس هيئة المفاوضات، ولكنه لم يُلغِ الدستور، ولن يستطيع أن يلغيه، ولم يحل مجلس النواب، ولن يستطيع هو أن يُحلَّه، فهو مضطر إذن إلى أن يصانع الدستور، وإلى أن يصانع الأحزاب التي يأتلف منها مجلس النواب. وهذا أول الضعف، ثم لم ينشئ هيئة المفاوضات كما أراد، وإنما فرضت هذه الهيئة عليه فرضًا أتاح له أن يخلص من الوفد في هذه الهيئة، ولكن لم يُتح له أن يخلص من فلان وفلان، كما لم يُتح له أن يسيطر على فلان وفلان، فاضطر إلى أن يُصانع فريقًا من هيئة المفاوضات. وهذا ضعف آخر يضاف إلى ضعفه الأول.

وقد أُتيح له الجيش، وأُتيحت له الشرطة، وأُتيحت له وسائل القوة كلها، ولكنه رأى نفسه أمام شعب شديد حديد لا يعبث به رعب أو رهب، ورأى نفسه أمام رأي عام لا يخيفه البأس والبطش، ولا يروعه السجن ولا غير السجن من ألوان الروع، وإذا هو مضطر إلى أن يصانع الشعب والرأي العام. وهذا ضعف ثالث يضاف إلى غيره من ألوان الضعف، بل هو مضطر إلى أكثر من مصانعة الشعب والرأي العام، مضطر إلى أن يترضاهما بألوان من القول لا تخدع أحدًا، وفنون من العمل لا تغرُّ أحدًا، وينظر الناس فإذا صدقي باشا مضطر إلى أن يحدث حدثًا في التاريخ المصري المعاصر، فيؤجل افتتاح الدراسة في الجامعة والأزهر ومعاهد التعليم كلها شهرًا أو أكثر من شهر، فإذا سأله الصحفيون في ذلك قال: إنه لا يريد أن تحدث في البلاد ثورة أثناء المفاوضات.

فهو إذن لم يدر حول العقبة كما فعل وزير المعارف، ولم يتكلف العلل والمعاذير، وإنما واجه الأمر في صراحة ليس بعدها صراحة، وسجل على نفسه، وعلى حكومته، وعلى مفاوضاته أن الشعب ساخط غير راضٍ، وأن استقرار الأمور رهين بأن يحال بين المصريين وبين الاجتماع حتى في معاهد العلم. وإذن فصدقي باشا يعلم حق العلم أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا مطمئنًّا إليه، ليس راضيًا عن حكمه في شئونه الداخلية، وليس راضيًا عن سياسته في مفاوضة الإنجليز، وهو يريد أن يمنع الشعب من إعلان سخطه، وسبيله إلى ذلك أن يحول بين الشعب وبين الاجتماع من جهة، وأن ينشر القوة والبأس والخوف من جهة أخرى.

وصدقي باشا يعلم حق العلم أن الأجانب المقيمين في مصر، والبعيدين عن مصر يرون من أمورنا مثل ما نرى، ويشهدون منها مثل ما نشهد، ويعرفون من أسرارها ودقائقها مثل ما نعرف. وصدقي باشا يعلم أن في مصر صحفًا أجنبية تترجم ما ينشر وما يقال، وشركات للبرق تذيع في أقطار الأرض ما يصدر عنه من قول أو عمل، وصدقي باشا يعلم أن الإنجليز لا يجهلون من حقائق الأمور في مصر شيئًا، فهم يعلمون حق العلم سخط الشعب عليه، وبغضه لحكمه، وإنكاره لسياسته، وشكه في مساعيه.

صدقي باشا يعرف هذا كله كما يعرف نفسه، وهو لا يكتفي بهذه المعرفة، وإنما يريد أن يقيم الأدلة جميعًا على أن الشعب ليس راضيًا عنه، ولا واثقًا به، ولا مطمئنًا إليه، فهو يحاول أن يخطب يوم الخميس في مدينة من مدن مصر، فيحشد فيها الجيش والشرطة الظاهرة والخفية، ويقيم حولها الأرصاد ليرد عنها ما يرى أن وصوله إليها غير مرغوب فيه، ثم يلقي خطبته على قوم اختارهم اختيارًا، أو اختارتهم له الإدارة اختيارًا ليتحدثوا إليه ويسمعوا منه. والغريب أنه وهو الرجل الذكي الفطن الذي لا يخفى عليه من دقائق هذا كله وأسراره شيء، الغريب أنه يقدم على هذا كله بأعين الشعب، وبأعين الإنجليز، ويزعم أو يخيل إلى نفسه أنه يزعم أن الشعب واثق به، وأن الإنجليز مطمئنون إليه.

ولست أدري كيف يكون لقاء المستر بيفن لصدقي باشا إن أُتيح له أن يلقاه في آخر الأسبوع المقبل، أو في أول الأسبوع الذي يليه، وكيف يدار الحديث بين هذين الرجلين؛ فمستر بيفن لا يجهل من الحقائق المصرية شيئًا، وصدقي باشا يعلم أن مستر بيفن خبير بما هنالك، وإذن فماذا عسى أن يقول أحد الرجلين لصاحبه. لقد كان صدقي باشا يتهم صديقه الكبير النقراشي باشا، حين كان هذا الصديق الكبير رئيسًا للوزارة بأنه يدبر مع المستر بيفن مؤامرة الصمت حول المطالب المصرية العليا. فبماذا تسمي التقاء بيفن وصدقي باشا على رغم ما هو معلوم لا أقول للرجلين وحدهما، بل أقول للناس جميعًا في مصر وفي خارج مصر، من أن صدقي باشا لا يمثل أحدًا من المصريين، فالشعب ساخط عليه، وزملاؤه الوزراء منكرون لمكان وزارته من الدستور، وزملاؤه المفاوضون مرتابون بكل ما يعمل، وبكل ما يقول.

بماذا نستطيع أن نسمي التقاء هذين الرجلين وما يمكن أن يدور بينهما من حديث؟! أمؤامرة صمت هي أم مؤامرة كلام؟ ولمصلحة مَن تُدبَّر هذه المؤامرة؛ لمصلحة مصر التي لا تريد ذلة، ولا تريد هوانًا، ولا تقبل مخالفة ولا احتلالًا، ولا ترضى مساومة في شأن السودان، والتي تعلن هذا كله بما أُتيح لها من وسائل الإعلان؛ حتى يضطر صدقي باشا إلى أن يمنع شبابها من الاجتماع في معاهد العلم، ويؤجل الدراسة فيها شهرًا كاملًا أو أكثر من شهر؟

أم لمصلحة الإنجليز الذين يريدون — فيما يقولون — معاهدة تقوم على الرضى لا على السخط، وعلى القبول الحر لا على الإكراه الذي تفرضه النار والحديد؟ وكيف يستطيع صدقي باشا أن يلقى وزير الخارجية البريطانية، محتفظًا بما ينبغي لرؤساء الوزارات من المهابة والوقار، ومستر بيفن يعلم وصدقي باشا يعلم أن الحكومة المصرية القائمة قد أجَّلت الدراسة لأنها مشفقة من الثورة؟

فما قيمة الحكومة التي تخاف من اجتماع الطلاب، لا في الجامعة والأزهر وحدهما، بل في المدارس الثانوية والابتدائية؟ أو باسم من تستطيع هذه الحكومة أن تتكلم إلى الدول الأجنبية؟ وبأي سلطان تستطيع هذه الحكومة أن تلزم شعبًا بأسره وهي عاجزة عن أن تأخذ الشباب بالمحافظة على النظام في معاهد العلم؟

لقد خطب صدقي باشا يوم الخميس فأطال الخطبة، وشق على نفسه بإعدادها وإلقائها، ومن قبل ذلك ألقى صدقي باشا خطبًا طوالًا، وخطبًا قصارًا لا يكاد يبلغها الإحصاء. فهل يأذن لي صدقي باشا بأن أختم هذا الحديث كما بدأته بقصة من قصص الأساطير.

يُقال إن في دار الموتى فتيات تورطن في خطيئة من الخطايا، فكتب عليهن القضاء أن يملأن جرة ليس لها قاع، فهن يصببن الماء فيها منذ أول الدهر إلى أن ينتهي الخلود، إن أمكن أن ينتهي الخلود.

فليخطب صدقي باشا مطولًا أو مقصرًا؛ فلن يستقر شيء من خطبه في قلوب المصريين كما أن الماء لن يستقر في تلك الجرة التي ليس لها قاع.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.