تتكرر عبارة مستوى العيش وضرورة رفعه في البلاد المتخلِّفة اقتصاديًّا في السنوات الأخيرة. ويقصد بعبارة رفع مستوى العيش علاج ما تعانيه الكثرة الكبرى في تلك البلاد من مظاهر الفقر، وكلنا نتمنَّى بطبيعة الحال أن نبلغ من معالجة هذه المشكلة إلى الغاية التي نرضى بها؛ فالفقر يهوي بنفوس كثيرين إلى حال من البؤس، بل من المذلة يجب معاونتهم على التخلص منها بالتخلص من أسبابه.

لكن كثرة الكلام عن مستوى العيش يزيد عبء الفقر والمسغبة ثِقَلًا على كاهل الفقراء، ويدفع إلى نفوس الكثيرين اليأس حين لا يكون لهذا اليأس موضع. والأمر كذلك بخاصة إذا كان الكلام عن معالجة الفقر وعن رفع مستوى العيش أدخلَ في باب الأماني، وكنا ونحن نقوله نعلم أن معالجة المشكلة ليست أمرًا يسيرًا، أو على الأقل ليست مِمَّا يمكن أن يتم في زمن وجيز.

نشرت الصحف أخيرًا ما سَمَّته متوسط دخل الفرد في مصر سنويًّا — وهو الناتج من قسمة الدخل القومي العام على عدد السكان في مجموعهم — فتبيَّن أن متوسط دخل الفرد في مصر لا يزيد على ثمانية وثلاثين جنيهًا في السنة، أي ثلاثة جنيهات وبضعة قروش في الشهر. وقد كان متوسط دخل الفرد السنوي في مصر قبل الحرب العالمية الأولى نحو تسعة جنيهات ذهبًا؛ فإذا قدَّرنا أن الجنيه الذهب يساوي أربعة جنيهات من الورق المتداوَل اليوم، تبيَّن لنا أن متوسط دخل الفرد لا يزال الآن كما كان عليه من أربعين سنة، رغم ما أنشأنا من الصناعات، وما بذلنا من جهد لتحسين الإنتاج الزراعي، وما كان من تقدُّم في كثير من النواحي الاقتصادية والمالية في الدولة.

كيف هذا؟ ذلك سؤال يَرِد بخاطر كثيرين، وأقرب الأجوبة تداوُلًا بين الناس أن اطِّراد الزيادة في السكان هو الذي أدَّى إلى هذه النتيجة؛ فإلى ما قبل الحرب العالمية الأولى كان سكان مصر لا يبلغون الخمسة عشر مليونًا، وهم اليوم قد زاد عددهم على الاثنين وعشرين مليونًا، فما طرأ في هذه الأعوام الأربعين من إنشاء الصناعات، ومن تقدُّم الإنتاج الزراعي، ومن غير ذلك من أسباب الزيادة في الدخل القومي العام قد واجه الزيادة في عدد السكان، ثم بقي متوسط دخل الفرد في المجموع كما كان عليه منذ أربعين سنة، فهل من علاج لمشكلة الزيادة في عدد السكان، أم أنه يجب أن نلتمس مزيدًا في الدخل القومي يغني عن تحديد النسل ممَّا يُعتبر غير طبيعي أو يُعتبر محرَّمًا؟

وقد اطَّلعت في الصحف كذلك على أن مشروع السد العالي سيزيد في الدخل القومي مائة وخمسين مليونًا من الجنيهات، وأن هذه الزيادة سترفع مستوى المعيشة، وطبيعي أن كل زيادة في الدخل القومي تلقى ترحيبًا من كل مُحب لبلاده، لكِنَّا إذا أقررنا رقم الملايين المائة وخمسين، وافترضنا أن عدد السكان لن يزيد على ما هو عليه خلال عشر السنوات المقبلة أو خلال العشرين سنة المقبلة، لما ارتفع متوسط دخل الفرد من الاثنين وعشرين مليونًا على سبعة جنيهات ونصف الجنيه في السنة، أي على ثلاثة أرباع الجنيه في الشهر. وأحسب أن الذين يتكلمون عن رفع مستوى المعيشة في البلاد المتخلِّفة اقتصاديًّا لا يحسبون أن خمسة وأربعين جنيهًا أو خمسين جنيهًا في العام تعتبر متوسطًا كافيًا للإيراد الذي يقدِّرون أن الفرد يعيش به عيشًا إنسانيًّا كريمًا.

ولا تؤاخَذ بلاد كمصر بهذه الحال من هبوط متوسط دخل الفرد إذا قيس بمثله في إنجلترا أو في أمريكا؛ فمصر من أكثر بلاد العالم اكتظاظًا بالسكان، ولو أن نسبة عدد السكان للكيلومتر الواحد كانت في أمريكا مثلها في مصر لهبط متوسط دخل الفرد هناك هبوطًا كبيرًا، لكن أمريكا بلاد فسيحة الأرجاء يمكن أن تتسع لضعف السكان الذين يعيشون اليوم فيها، ثم لا تكون مكتظة اكتظاظ مصر، ويومئذٍ ينزل مستوى المعيشة في أمريكا إلى حدٍّ يزعج كل أمريكي اليوم لمجرد تصوُّره، ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن القوة الشرائية للنقد أدق تعبيرًا عن متوسط مستوى العيش من قيمة الدخل النقدي للشخص الواحد؛ فأنت إذا كان في جيبك جنيه واحد وذهبت تشتري قمحًا أو ذرة أو غيرهما من حاجيات الحياة — وكان سعر الذرة كما كان قبل الحرب العالمية الأولى، أي أن الإردب كان ثمنه أقل من الجنيه كما كان إردب القمح لا يبلغ الجنيه والنصف — إذا ذهبت إلى السوق وكانت الحاجات بالأسعار الرخيصة شعرت أنك قدير على أن تشتري بما في جيبك ما يكفيك ويكفي ذويك من حاجات الحياة لمدة شهر مثلًا، أما إذا هبطت قوة الجنيه الشرائية فكان ثمن الإردب من الذرة ثلاثة جنيهات مثلًا، فإنك تحتار وترتبك ما تصنع لعيشك وعيش ذويك.

وَثَمَّ عامل آخر يجب أن يدخل في الحساب، ذلك عامل الحاجات الضرورية للعيش. لقد طالما تكررت الشكوى في السنوات الأخيرة من أن الفلاحين في مصر أصبحوا أشد إقبالًا على تناول الشاي الأسود المُضر بالصحة، منهم على اقتناء المأكل والملبس اللازم لهم ولأولادهم، ولم يكن شيء من ذلك قبل الحرب العالمية الأولى. لم يكن الفلاح المصري يعرف الشاي الأسود، وكان رغم قلة الوسائل العامة للعناية بصحته أقوى بدنًا وأصلب عودًا من فلاح اليوم، وكان إذا حصل من عرق جبينه وعرق جبين أهله وأولاده على ما يُقيم حياتهم حمد الله على ما أنعم به عليه، ولو أنه أدمن على شرب الشاي الأسود وما إليه من مثله لما كان في ذلك الوضع الذي كان فيه قبل الحرب العالمية الأولى.

لا أقول هذا لأهوِّن واجب المسئولين في السعي لرفع مستوى العيش للطبقات الفقيرة؛ فذلك واجب مقدس تؤديه كل حكومة تحترم نفسها، ولكني أقوله لأن الشعب يجب أن يفهم الحقائق على وجهها الصحيح حتى لا تخدعه الألفاظ، فإذا لم يجد ثمرة قريبة لما يسمع ظن أنه خُدع فتولَّته مرارة لا خير للبلاد في وجودها.

لما انتهت الحرب العالمية الثانية وأثقلت الديون كاهل إنجلترا، أعلنت استمرار سياسة التقشف التي جرت عليها أثناء الحرب، واستمرت الوزارات تخاطب الناس بلغة (الكالوري) التي تكفي لإقامة أود الحياة، وجعلت تحدِّد لهم حاجاتهم من الأطعمة على أساس ما يقيم هذا الأود؛ واستمرت الحال كذلك إلى سنة ١٩٥٠ حين بدأ الميزان الاقتصادي البريطاني يعتدل، مع ذلك لم ترفع القيود إلا في سنة ١٩٥٣، ولا يزال الشعب البريطاني يشعر بحاجته إلى أن يحرم نفسه من بعض متع الحياة منتظرًا اليوم الذي يعود فيه إلى المتاع الكامل برخائها.

أوتحسب الشعب البريطاني شعر بأن مستوى معيشته انحط بسبب هذا التقشف وهذه القيود؟ لقد انحط هذا المستوى من الناحية المادية لا ريب، ولكنه ارتفع من الناحية المعنوية ارتفاعًا عظيمًا؛ فهذا التقشف وهذه القيود وقبول الشعب إياها في غير تذمر ولا مرارة نوع من الشجاعة، لا يقاس مع ذلك بشجاعة الجندي الذاهب إلى ميدان القتال دفاعًا عن وطنه وهو يعلم أنه قد يلقى الموت في ميدان الشرف، وهذا السمو المعنوي في مستوى المعيشة رغم القيود المادية المفروضة لا يزيد على أنه تضحية يؤديها الفرد لوطنه لقاء الحماية والرعاية التي يسبغها عليه الوطن طول حياته.

يجب إذا أردنا لوطننا الخير أن يكون لدينا هذا السمو في المستوى المعنوي لمعيشتنا، وإلى أن نبلغ هذا المستوى سنظل نشكو ضعف الإنتاج، وسيظل عيشنا المادي منخفضًا بانخفاض حياتنا المعنوية. سنظل نشكو قلة إنتاج الموظفين لأن مرتباتهم لا ترضيهم، وسنظل نعيب عليهم أنهم يقضون من وقتهم في الكلام عن الدرجات والعلاوات أكثر ممَّا يقضون منه في عملهم وإتقانه، وسنظل نشكو جشع التجار وحرصهم على أن يجنوا من الأرباح ما يجاوز المعقول ولو على حساب القُوت الضروري اللازم لغيرهم، وسنظل نشكو مبالغة أرباب المهن الحرة في تحديد أتعابهم ولو على حساب ما يلقاه المحتاجون إليهم من مشقة وإرهاق، وسيظل ذلك دأبنا إزاء جميع الطوائف القادرة على كسب مستوًى رفيع للعيش، وسيترتب على ذلك أن تسريَ إلى نفوس الطبقات العاملة والطبقات الفقيرة آراء فجة ضارة نحسب أنَّا نقاومها بالكلام عن رفع مستوى العيش، مع أن ترديدنا المتواصل لهذا الكلام يترك في نفوسها أثرًا لا يطمئن إليه أحد.

وإنني إذ أتحدث عن مستوى العيش المعنوي أوجِّه القول إلى الطبقات التي أنعم الله عليها بسعة في الرزق أكثر ممَّا أوجِّهه إلى غيرها، فهذه الطبقة هي المسئولة عن رخاء المجتمع كله، وإن كانت الطبقات الكادحة العاملة هي مصدر هذا الرخاء للجميع. وهذه الطبقة التي أوجِّه إليها القول أقدَر من غيرها — بحكم ثقافتها وتعليمها — على أن تدرك معانيَ التضامن الاجتماعي وما يقتضيه من تربية وطنية سليمة؛ فالتضامن الاجتماعي هو الذي يفرض على الناس أن يقتسموا أنعُم الحياة ومتاعبها بالعدل والقسط، وأنعُم الحياة ومتاعها ليسا في مادياتها؛ فكم من غني مترع بالمال يخيم عليه شبح البؤس والشقاء! وكم من أسرة متوسطة تشعر بالسعادة وإن لم تُيسِّر لها الوسائل المادية متاعًا ماديًّا باقيًا! ولو أننا عرفنا معانيَ التضامن وتعاوُنِنَا كأمة متماسكة على أن ينعم الفقير بما وهب الله الجميع من طيبات ما في الحياة، لما جعلنا المستوى المادي للعيش كل شيء.

ومن أسف أنَّا متأثرون في الطور الحاضر من حياتنا بالآراء الاقتصادية السائدة في الغرب، والتي قسمت العالم إلى معسكرَين متخاصمَين، مع أن لنا في حكمة هذا الشرق وفي أديانه وفلسفته ما يخفف الكثير من هموم الحياة ومتاعبها، ولو أننا أذعنا هذه الحكمة بين أبناء شعبنا لَأرضَينا نفوسًا ظامئة إلى هذه المبادئ المعنوية السامية.

ثم لن يعفيَنا هذا مرة أخرى من السعي متضامنين لرفع مستوى المعيشة المادية للشعب كله كما نرفع مستوى حياته المعنوية، ولو أننا اتجهنا هذه الوجهة بإخلاص، لاطمأنَّت نفوسنا ورضيت ضمائرنا، وعرفنا من معاني النعمة في الحياة ما يكاد الناس ينكرونه اليوم، لا في مصر وحدها بل في أمم كثيرة غيرها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.