• أليس من الاستهتار بالواقع الأليم أن نتكلم عن الحرية والمساواة والإخاء، في حين إلى أيِّ البلدان نظرنا رأينا القلاقل والرزايا، وسمعنا الأصوات ترتفع بالظلم والشكوى؟
  • ولكن، يا ترى أيطلب المرء الصحة في غير حالة المرض؟ وهل يصبو إلى إحصاء الملايين إلا الفقير المعدم؟ وهل يشوق الإنسان إلى الفرح والغبطة والسعادة إلا ساعة يكون في الحزن غريقًا؟
  • يا فرنسا الجميلة، يا فرنسا المتحمسة، يا فرنسا الرشيقة، لقد ابتكرتْ أثينا من قبلك مُثُل الجمال والحكمة والكمال وبثتها في العالم كالشعاع الجوال؛ فبات ينشدها ويستشهد بها كل قلب، كائنة صغارته ونقائصه وزلاته ما كانت، وانبريتِ أنتِ تنادين بالحرية والمساواة والإخاء؛ فشاعت كلماتك ممتزجة بالهواء الذي نستنشق، والماء الذي نشرب، والحياة التي نحيا.
  • أكنتِ خبيرة ساعة دونتِ «حقوق الإنسان» وأعلنتِها للبرايا؟ أكنتِ عليمة بالغريزة البشرية، مكتنهة الممكن عندها والمستحيل؟ أم كنتِ أعلنتِ ما أعلنتِ في يوم حماسة نبيلة وأردتِ أن تؤدي إلى العالم الرسالة المدنية المُثْلى؟
  • ومن ذا الذي عنيتِه يا ترى بشعارك الثلاثي الأبي؟ أعنيتِ به جميع المراتب وجميع الأفراد وجميع الشعوب؟ أم أنتِ سُقتِه نظرية مغرية لأفرادك ومراتبك وشعبك، متكلة فيما عدا ذلك على القول المأثور في لغتك: ما يكون صوابًا في الداخل قد يكون خطأً في الخارج؟
  • منذ مائة وأربعين عامًا جئتِ بشعارك الثلاثي الخالد فوجدتْ له الإنسانية بين جوانحها فراغًا ما كان ليملأه سواه. ولكن، ترى متى كان الواقع محققًا لما يملأ الجوانح نارًا ونورًا؟ ومتى كانت الحياة تفي بالوعود التي يتعلل بها الصبور الجلود؟
  • على وفق قصف المدفع، وهتاف الثوار، وهدم الحصون، ولعلعة النيران، وتدفق الدماء، وأنين الصرعى أعلنتِ — يا فرنسا — حقوق الإنسان؛ وها قد كرت الأعوام والإنسان يجاهد في اقتناص ما هو حقه وما يحسبه حقه على وفق هتاف الثوار، وهدم الحصون، ولعلعة النيران، وتدفق الدماء، وأنين الصرعى، وقصف المدافع! وعلى مثال ذلك ستتوالى العصور والإنسان يجاهد في سبيل الحق والحرية جهاده في سبيل الحكمة والجمال!
  • منذ أربعة أجيال أو تزيد سجلتِ شعاركِ، وها اليوم تنبري أختك اللاتينية فتعارضه بشعار ثلاثي آخر: «السلطة، النظام، العدل» على أن ما أرادت به إيطاليا معارضة لم يكن لشعارك إلا تفسيرًا، وهل تتم الحرية إلا في دائرة السلطة؟ وهل تُنفذ المساواة أمام القانون إلا بواسطة النظام؟ أوليس الإخاء المستطاع في الدنيا أسمى وأحق مطالب العدل؟
  • هل التاريخ أبدًا في ارتجاج وقلق كالتاريخ الذي نرى؟ أم الاضطراب يأتي عرضًا، الوقت بعد الوقت، شأن العواصف والزعازع؟ أم تكون حقبات التاريخ كهذه الأمواج التي تعج دوامًا على صفحة البحر؛ فتأتي مرة هادئة منسجمة تلثم الشاطئ في نعومة ورقة، ومرة أخرى تهجم كالشيطان ذي العضلات العديدة الشفافة، حاملة نذيرًا خطيرًا ومهددة بالكراهية الحاسمة والشر المستطير؟
  • إن التاريخ اليوم وجع رهيب، وتزيده ارتباكًا هذه المُثُل العليا التي تغلغلت في كل قلب وجرَت على كل لسان، فإذا كان النبل والعزة والرقي وسائل لإرهاف الشقاء، فعلامَ وُجد الرقي والعزة والنبل؟ أم غاية الحياة أن يتغلب المرء على المصاعب بما يخلقه لنفسه من عسير الواجبات؟ وهل قُدِّر له كلما دحر عقبة أن تعترضه عقبة أعسر؟ شأن المتسلق الجبل ما إن ارتفع فوق القمة خطوة إلا وتكشفت له قمم أمنع جبهة وأبعد صعودًا؟
  • الليلة تشرق أنواركِ يا فرنسا، وتصطفق ألويتكِ بأجنحة الهواء لتضرب الأنوار والرايات هالة فخمة بهية حول شعاركِ الفخم البهي، الليلة تعيدين للحرية في حين تتساءل الشعوب «أين الحرية؟» وفي حين تلج الأقوام في طلب الحرية؛ أفلا تسفر هذه الإلهة المتحجبة في هذا العصر الذي كشفت فيه المحجبات القناع؟
  • تحية، يا فرنسا التي رفعتِ صوتكِ في الأمس بهتاف الحرية! وسلامًا يا من تدْعين الأمم اليوم إلى التفاهم والسلام والوئام! ولكن، هل من حرية وسلام حيث داء العظمة ينخر في عظام الأمم، وحيث كلٌّ يريد أن يتضخم على حساب الآخرين؟
  • سلامًا يا ذات الاسم الجميل، والشعار الجميل، والبيان الجميل! ليس عسيرًا علينا أن نُنشد نشيدك الحماسي؛ نحن الذين تعلمنا الحماسة والحمية في لغتك. ليس عسيرًا علينا أن نسمو إلى أعلى العواطف والمطالب والأفكار؛ نحن الذين تغذينا بما أمدنا به شعراؤك وعلماؤك وخطباؤك وعباقرتك، غير أن ما تلقته في كتبك الشعوب — كبيرة كانت أم صغيرة — تريد أن تطبقه على نفسها، وذلك باسم حقوق الإنسان!
  • تحية يا فرنسا، يا من علمتِ الإنسان بأن له اسمًا وأن له حقًّا! ولكنكِ في نفس الوقت أوحيتِ إليه بأمثولة الألم والجهاد العنيد!
  • تحية في عيدكِ عيد الحرية! لقد جعلتِ الحرية حقًّا للإنسان، وخلقتِ بها في قلبه نبضة جديدة!
  • باسم هذه النبضة أحييكِ، وأتناسى كل ما في العالم من اضطراب وعذاب لأرى الأقوام الليلة فرِحة راقصة منشدة. وهناك في أوسع ميادين عاصمتك العظيمة؛ حيث تدحرجت رءوس الكبراء والمنسيين — هناك — أرى المسلة المصرية التي أهداكِها محمد علي الكبير، تتعالى الليلة فوق جموعك كإشارة بركة وسلام!
في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.