دعوة ستذهب مع الريح، كما ذهبت غيرها من الدعوات، وكما ستذهب غيرها من الدعوات أيضًا، وصدق الله: () ومع ذلك فليس بدٌّ من توجيه هذه الدعوة إلى أدبائنا من الشباب، فعلينا أن ندعو إلى الخير، وليس علينا أنْ يستجيب النَّاس لدعائنا، وعلينا أن نقول كلمة الحق، وليس علينا أن يسمع النَّاس لما نقول، وهذه الدَّعوة التي ألححتُ في توجيهها إلى أدبائنا من الشباب حتى ملوها، وملوني معها، وإن كنت أنا لم أملَّها، ولم أملَّ توجيهها، ولن أملَّه ما دمتُ قادرًا عليه.

هذه الدعوة هي أن ينسى أدباؤنا من الشباب أنفسهم شيئًا، ويذكروا أدبهم دائمًا، وأن يخلصوا لهذا الأدب قلوبهم، وعقولهم، وضمائرهم، وجهودهم أكثر مما يُخلصون هذا كله لأنفسهم، وأن ينظروا في الحياة والأحياء، وفيما يُحيط بهم من مظاهر الطبيعة، وفيما يضطرب في قلوبهم وعقولهم من العواطف والآراء، وأن يُؤدوا هذا كله صادقين في الأداء، وأكثر مما ينظرون في المرآة، فهم يُسرفون في تعليق أبصارهم بالمرآة، وفي التفكير فيما تعكس عليهم من صور أنفسهم أكثر مما يعنون بالإنتاج الأدبي وإتقانه والتجويد فيه.

إنَّهم يشغلون أنفسهم أكثر مما ينبغي بألوان من السخف لا تغني عنهم، ولا عن قرَّائهم شيئًا، وإنَّما تضيع عليهم وعلى قرائهم الوقت والجهد، وتملهم من أنفسهم، وتمل قراءهم منهم …

إنَّهم يسألون أنفسهم، ويسألون قراءهم، ويُبدئون ويعيدون في السؤال عن تبعات الأديب؛ ما هي، وما عسى أن تكون؟ ويسألون أنفسهم وقراءهم، ويلحون في السؤال عن السلطة التي يحتمل الأديب أمامها ما يمكن أن يحتمل من تبعات؛ أهي سلطة القانون؟ أهي سلطة الجماعات؟ أهي سلطة الأحزاب السياسية؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي لا تنقضي ولا تغني عن أحد شيئًا، والتي تضيع الوقت، وتستنفد الجهد، وتصرف عن الإنتاج والإتقان والتجويد.

وهم يعلمون حقَّ العلم أنَّ الإنسان العاقل المتحضر مسئول عن كل ما يأتي وما يدع، وأنَّ الأديب إنسان عاقل، فهو إذن مسئول عن أدبه ما في ذلك شك. وما ينبغي أن نضيع الوقت والجهد في السؤال عن الأوليات، وهم يسألون أنفسهم وقراءهم، ويلحون في السؤال عن السلطة التي تُحاسبهم عن تبعاتهم الأدبية، مع أنَّهم يعلمون فيما يعلمون أنَّ كلَّ إنسان رشيدٍ مسئولٌ أمام ضميره أولًا عن كل ما يأتي وما يدع، ثم مسئول أمام القانون العام عن كل ما يُمكن أن يُحاسب عنه القانون العام، ثم مسئول أمام الجماعة عن كل ما يؤثر في هذه الجماعة من أعماله وأقواله، ثم مسئول أمام الإنسانية الخالدة أن أتيح لأعماله أن يتجاوز تأثيرُها عصرَه الذي يعيش فيه، وبيئته التي يضطرب فيها.

وضميره قبل كل شيء هو أشدُّ الرقباء عليه سلطانًا، وأعظمهم بأسًا، وأقواهم قوة.

وإذا كان الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كما يقول المعلم الأول، فهو مسئول أمام البيئة الاجتماعية التي تتأثر بما يعمل وما يقول، سواء أعاصرته أم لم تعاصره. والإنسان العاقل إن أتيح له أن يحيا فردًا في جزيرة نائية لا يتصل بأحد، ولا يحتمل تبعة أمام أحد — كما تصور بعض الفلاسفة — مسئول أمام ضميره دائمًا، فضميره معه حيث كان لا يُفارقه، ولا يعفيه من التبعة طرفة عين.

ثم هو، إن كان صاحب دين وإيمان، مسئول قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، أمام ربه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور.

كل هذه أوليات فرغ الناس منها منذ تحضروا وعرفوا أنفسهم؛ فلا معنى مطلقًا لأن يبدئ الأدباء فيها ويعيدون، وخير من ذلك أن يستحضروها في أنفسهم لا حين يُنشئون الأدب فحسب، بل حين يعملون أو يقولون دائمًا.

والأديب بعد كل شيء مواطن يعيش في وطن له نظمه الاجتماعية، وله قوانينه، وله آماله، وفيه ما يحتاج إلى الإصلاح، وفيه ما يحتاج إلى أن يُحفظ ويُصان، وتُبذل في سبيله المهج والنفوس، والمواطن المقدر لحقوقه وواجباته يعرف هذا كله ويرعاه حين يعمل، وحين يقول، وحين يكف عن العمل. والقول والبحث عن هذا كله، وإطالة القول فيه، واجب على المعلمين الذين يُنشئون الأجيال، ويُعلِّمون الصبية ما لهم وما عليهم، ويحملون الأجيال الناشئة تراث الأجيال الماضية، ويلقون في قلوبهم آمال أوطانهم وشعوبهم. والأديب يُفرض فيه أن يكون قد تلقَّى من ذلك ما يتلقاه غيره من المواطنين.

فالسؤال عنه إذن، وإكثار القول فيه يُوشك أن يكون أشبه شيء بهذيان المحموم الذي يقول عن غير علم، ويهذي بما ليس وراءه شيء.

وأدباؤنا يسألون أنفسهم وقراءهم، ويلحون في السؤال عن الأدب، ما غايته، أيكون للحياة أم لا يكون؟!

وهذا سؤال أقل ما يُوصف به أنَّه لا يدل على شيء، ولا يسأل عن شيء، فإذا لم يكن الأدب للحياة فَلِمَ يكون إذن؟! أيكون للموت؟!

وما عسى أن يكون معنى هذه الجملة: الأدب للحياة، أو الأدب في سبيل الحياة؟

كل ما تنتجه الحياة فهو لها، هي التي أنشأته، وأنشأته لنفسها لا لغيرها، إنما هو سؤال يُراد به إنكار ما سُمي في وقت من الأوقات بالفن للفن، وهو مع ذلك لا يُنكر هذا؛ فالفن أثر من آثار الحياة، والموت لا يُنشئ فنًّا، والفن للفن معناه أنَّ الفن للحياة، وكل ما في الأمر أنَّ الذين يقولون بهذه المقالة إنَّما يُريدون أن يخلص صاحب الفن لفنه، وألا يشغل نفسه بشيء غيره، وألا يقحم في الفن ما ليس منه، وأن يدع للواعظين وأصحاب الأخلاق وعظهم وحرصهم على تحبيب الفضائل وتبغيض الرذائل، ويُعنى هو بالإنتاج الرفيع الذي يمتع النفوس ويُشعرها بالجمال، ويُحبب إليها ما يُحبه من مظاهر الحياة، ويقبِّح فيها ما يُقبِّح من مظاهر الحياة أيضًا.

وحب الجمال وبغض القبح فطرة في الإنسان، والفن على اختلاف ألوانه ومذاهبه هو وسيلة هذه الفطرة إلى أن توجد وتعرف نفسها، وهذه الفطرة جزء من الحياة، فكل ما يمكنها من الوجود، وكل ما يتيح لها القوة والنمو والازدهار، وسيلة من وسائل الحياة.

فالفن إذن مظهر من مظاهر الحياة، ووسيلة من وسائلها، وأداة من أدواتها، وهو في الوقت نفسه آية من آياتها.

وليس أدلَّ على ذلك من أننا لا نعرف بيئة إنسانية اجتماعية لا نصيب لها من الفن، وإنَّما نعلم أنَّ الجماعة الإنسانية حيث توجد لها حظها من هذا الفن الذي يُحقق فطرتها على حب الجمال والطموح إليه، وبُغض القبح والنفور منه.

وهذا الفن يُلائم الجماعة الإنسانية، ويلائم ما يُتاح لها من قوة أو ضعف، ومن رُقِيٍّ أو انحطاط.

فالأدب للحياة والفن للحياة، كلامٌ لا يحتاج إلى أن يكثر فيه الأخذ والرد، ويطول فيه النزاع والجدال؛ لأنَّه يدل على بعض الأوليات التي لا ينبغي أن يختلف فيها الراشدون من النَّاس.

إنَّما السؤال الذي يُلقى في هذه الأيام، ويختلف النَّاس فيه اختلافًا شديدًا، هو الغاية التي ينبغي أن تكون للأدب وللفن ولكل شيء في الحياة الاجتماعية بوجه عام، أهي الإصلاح الاجتماعي بالمعنى الذي ترسمه سلطة معينة لا بالمعنى الذي يرسمه الفرد لنفسه؟

فالذي يُسميه شبابنا من الأدباء بهذا الاسم الذي لا أحبه، بل أضيق به أشد الضيق، وهو الأدب الهادف أو الفن الهادف، هو موضوع هذا السؤال …

أيكون الفن — وفيه الأدب — أداة للإصلاح الاجتماعي كما تريده الدولة أم لا يكون؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُلقى في صراحة وإخلاص وصدق، وألا ندور حوله دون أن نواجهه مواجهة لا مُواربة فيها.

والجواب على هذا السؤال يسير بالقياس إلى الفن، كما أنَّه يسير بالقياس إلى غيره من مظاهر الحياة الإنسانية. فإن كنتَ من الذين يؤمنون بأن الأدب يجب أن يكون حرًّا لا ينبغي للدولة أن تستذله، أو تستغله، أو توجهه كما تريد هي لا كما يُريد الأديب، فأنت من الذين يُنكرون هذا النوع من الأدب الذي يُسمونه الهادف.

وأقول هذا النوع، وأنا أريد ما أقول؛ لأنَّ أصحاب هذا النوع من الأدب هم الذين يسخِّرون الفرد للجماعة، ويفنونه فيها إفناء، ويجحدون حريته الفردية الخاصَّة جُحودًا، ويرون الفرد وسيلة للجماعة، ثم يُخضعون الجماعة كلها لسلطان الدولة التي تقوم عليها، وسلطان الحزب الذي يسيطر على الدولة، وإلا فالأدب الذي لا هدف له لا معنى له!

ولكل أدب غاية فردية أحيانًا، واجتماعية أحيانًا أخرى، إن كنت من المؤمنين بالفرد وحريته. وإنْ تكن من الذين لا يؤمنون بالفرد، ولا بحريته، ولا بأنَّه في نفسه غاية، وإنَّما هو وسيلة والجماعة وحدها هي الغاية، والدولة هي القائمة على الجماعة، والحزب المنشئ للدولة هو القَيِّم عليها وعلى الجماعة وعلى الفرد جميعًا، فالأدب الهادف هو الذي لا يكون إلا وسيلة للإصلاح الاجتماعي الذي يرسمه الحزب، وتُقرُّه الدولة.

وليس هذا مقصورًا على الفن، بل هو يتناول العلم، فليس العلم وسيلة لتحقيق المعرفة من حيث هي معرفة، وإنَّما هو وسيلة إلى منفعة الجماعة في حياتها المادية، والدولة هي التي تُوجِّهه وتسخِّره على النحو الذي يرسمه الحزب بين حين وحين، والسياسة ليست وسيلة إلى تمكين الإنسان من أن يحيا كريمًا ويضطرب في شئونه كما يحب هو دون أن يؤذي أحدًا، أو يُؤذيه أحد، ودون أن يضار أحدًا في شئونه أو أن يُضاره في شئونه أحد، وإنما هي وسيلة إلى أن يحيا الإنسان للجماعة، وللجماعة وحدها، كما تريد الدولة لهذه الجماعة أن تحيا، وكما رسم الحزب لهذه الجماعة من خطط الحياة.

وقل مثل ذلك بالقياس إلى كل مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية كائنة ما تكون، ومعنى ذلك أنَّ الخصومة في هذا الموضوع ليست خصومة أدبية، ولا فنية خالصة، وإنما هي خصومة اجتماعية سياسية، وأنت تعلم أنَّ للإنسانية الآن مذهبين في السياسة والاجتماع؛ مذهب الفردية ومذهب الاجتماعية، قوم يريدون أن يعيش الفرد لنفسه وللجماعة، وقوم يريدون أن يعيش الفرد للجماعة ليس غير.

والفرق بين هذين المذهبين فيما يتصل بالأدب واضح كل الوضوح؛ فأصحاب المذهب الفردي لا يحظرون على الأدب أن يتخذ الإصلاح الاجتماعي له غايةً إنْ أراد؛ لأنَّ الأدب عندهم حر يعرض لما شاء من حقائق الحياة وصورها، لا يُقيده في ذلك شيء إلا قوانينه الخاصة، وقوانينه الخاصة تُستمد من أصول الجمال الفني، فهو حر حين يعرض لحياة الجماعة، وهو حر حين يعرض لحياة الفرد، وهو حر حين يتوخَّى الإصلاح الاجتماعي، حر كذلك حين يعرب عن ذات النفوس الفردية والاجتماعية، وهو حر أيضًا حين يتخذ الطبيعة موضوعًا له، وحين يخلق لنفسه موضوعات يبتكرها خياله ابتكارًا لا يريد بها إلا مجرد الفن.

وأصحاب هذا المذهب يقبلون من خصومهم في الرأي السياسي والاجتماعي أدبهم ما دام يلائم أصول الفن، وما أكثر الأدب الرائع عند هؤلاء الخصوم!

أما أصحاب المذهب الآخر فقد رفضوا إلى الآن ما يُخالف مناهجهم ومذاهبهم من الإنتاج، ولم يقبلوا إلا الأدب الذي هو وسيلة اجتماعية خالصة، ولعلَّهم أن يُغيروا من آرائهم في الأدب شيئًا بعد أن أخذوا يغيرون آراءهم في كثير من مناهجهم منذ أيام. ويجنحون إلى شيء من الرفق والإسماح في السياسة ووسائل الإصلاح الاجتماعي.

ويجب أن ننصفهم، وألا نقول فيهم غير الحق، فهم ينكرون مذاهب خصومهم من الفرديين، ويأخذون أدباءهم بتجنبها، ولكنَّهم لم يجحدوا في يوم من الأيام ما أنتجه الكُتَّاب والشعراء من قبلهم، فلم يُمثِّل شكسبير وراسين وغيرهما من أصحاب التمثيل القدماء، ولم تُقرأ آثارهم كما تُمثَّل وتُقرأ عندهم.

وهم يحفلون بالتراث الأدبي الإنساني على اختلاف عصوره وأجناس قائليه، كما لا يحفل به غيرهم من النَّاس، وهم ينظرون إلى اليوم وغد، ولكنَّهم لا يرفضون أمس، ولا ما قبل أمس.

والمهم هو أنَّ هذه الخصومة سياسية اجتماعية كما قلت آنفًا، ومن حق الأدب أن يقحم نفسه في السياسة إن شاء، ولكنِّي أكره أن تُقحم السياسة نفسها في الأدب، وأتمنى على الأدباء ألا يجعلوا للسياسة — وللسياسة العملية خاصة — على أدبهم سبيلًا.

أما بعد؛ فهذا حديث ضقت بإملائه أشدَّ الضيق، ومن حق القارئ أن يضيق بقراءته أشدَّ الضيق أيضًا، فهو كلام يكثر فيه ذكر الأدب، وليس هو من الأدب في شيء، وإنَّما دُفعت إليه دفعًا لما أرى من اضطراب شبابنا وحيرتهم بإزاء هذه الأسئلة التي تُلقى عليهم، والتي يُلقونها على أنفسهم، فتشغلهم عن أن يخلصوا قلوبهم وعقولهم للأدب، وتضطرهم إلى أن ينفقوا جهودهم وأوقاتهم في جدال مُتَّصل عقيم.

ولم أفرغ بعدُ من هذه الأحاديث التي أضيق بها، والتي تثقل على قرائها، فليس لي بدٌّ من حديث آخر حول هذه المحنة التي يُمتحن بها شبابنا من الأدباء في هذه الأيام، وهي محنة الواقعية في الأدب.

ولكنِّي أُرجئ القول في هذا الموضوع إلى وقت آخر، أرجو أن يكون قريبًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.