وزير التقاليد يعبث بالنظم والقوانين؛ فيعفي من نفقات التعليم قومًا لا ينبغي إعفاؤهم منها، ويفرض هذه النفقات على قوم لا ينبغي أن تفرض عليهم، أولئك أغنياء يملكون الأرض الواسعة التي تغل لهم المال الكثير، أو موظفون يتقاضون المرتبات الضخمة التي تبلغ الألف أو تزيد على الألف، ولكن أبناءهم يتعلمون على حساب الدولة؛ لأنهم أبناء الأغنياء، أو أبناء كبار الموظفين؛ ولأن للوزير أربًا في إرضاء آبائهم، أو التقرب إليهم. وهؤلاء معسرون قد ألحَّ عليهم الفقر، واشتد عليهم الضيق، وسُدَّتْ أمامهم مسالكُ الحياة، فهم لا يجدون ما ينفقون، ولكن الوزير يخيرهم بين التعليم تدفع نفقاته وبين الجهل؛ لأنهم فقراء لا يستطيعون أن يتوسلوا بثروة، ولا أن يستعينوا بوظيفة، ولا أن يعتزوا بجاهٍ.

وهذا كله يقع في عهد كان يقال: إنه عهد دستوري، قوامه احترام القانون والدستور! وهذا كله يقع من وزير كان يقال له: إنه مثقف ثقافة عالية حتى إنه ألف كتابًا في البيع، وكان يقال له: الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يقال له: المثل الأعلى في النزاهة والأخلاق للمتعلمين والمعلمين جميعًا.

وهذا كله لا يقع من الوزير وحده، وإنما يعينه عليه موظفون منهم الكبير ومنهم الصغير، وكلهم يفرض عليه العدل، ويفرض عليه الضمير، ويفرض عليه الواجب الوطني، أن يكون نزيهًا منصفًا، نقي اليد والقلب واللسان، وألا يسرق أموال الفقراء؛ ليعطيها لأبناء الأغنياء. فإذا وقع هذا كله: إذا سُرقت أموال الفقراء المعوزين، ودفعت إلى الأغنياء المترفين، وأشرف على هذه السرقة جماعة من المثقفين، الذين اتخذتهم الدولة حماة لنظمها، أمناء على قوانينها، حراسًا لأموالها، إذا وقعت هذه السرقة، وأشرف عليها هؤلاء المثقفون عالمين بها، راضين عنها وآمنين إليها، ثم أقبل وزير المعارف الجديد، فأراد رد الحق إلى أهله، وأراد إنصاف الفقير المعوذ من عدوان الغني المترف، قيل: إنه غير مجامل، وإن المجاملة كانت تفرض عليه فلا يأتي من ذلك شيئًا، فليس يليق بنجيب الهلالي أن يحرج موقف حلمي عيسى.

كل هذا دليل على فساد في الخلق السياسي عظيم، فساد يدعو إلى العبث بالحق، والاستهانة بالإثم، وإيثار الغني الذي لا يحتاج على الفقير الذي يحتاج، واختلاس أموال الدولة، لإنفاقها في غير وجهها، وفرض الجهل على الفقراء فرضًا. ثم فساد يدعو إلى الرضا بهذا كله، والمضي في هذا كله، وضرب المثل في هذا كله. ثم فساد يدعو إلى لوم الذين يحبون أن يعدلوا، ومعاتبة الذين يريدون أن ينصفوا، وإيثار الأشخاص على الحق والعدل، وأخذ الوزراء بأن يتستروا على الآثمين، في سبيل المجاملة وإرضاء المودة والهوى. لقد أحسن وزير المعارف حين قال لمندوب إحدى الصحف: إنه لا يستطيع أن يجامل بذمته؛ فليست الذمة الإنسانية شيئًا يؤخذ ويعطى، أو يباع ويشرى، أو يتأثر بالمودة والمجاملة، فليت شعري هل يرضى وزير التقاليد؟ بل ليت شعري هل يفهم وزير التقاليد هذا المعنى، وهل يقدر قيمة هذه الحكمة، وهل يعرف أن ذمم الوزراء خاصة، يجب أن تكون فوق كل شيء، حتى المجاملة؟

***

وجماعة من الموظفين في المعاهد الدينية يرون إضراب الطلاب الأزهريين، ويعلمون أن المضي في هذا الإضراب مناقض للمصلحة العامة، مسيء إلى ما يريد الشعب من تحقيق آماله في الحرية السياسية الصحيحة، مخالف لما يجب أن يعين رجال العلم عليه من الإخلاد إلى الهدوء والنظام؛ حتى تمضي الأمور على وجهها، وحتى تأخذ الوزارة في الإصلاح. وهم يعلمون أن الوزارة لا ترضى عن المضي في هذا الإضراب، ولا تحبه للطلاب. وهم يعلمون أن الموظفين لن يوضعوا في مناصبهم ليحرضوا على الإضراب، أو ليشيروا به، أو ليؤلبوا الناس على الوزارة، أو ليغروا الناس بتجاوز النظام. ولكن الصحف تنبئنا مع هذا بأنهم كانوا يسعون بين الأزهريين، يغرونهم بالإضراب ويرغبونهم فيه ويدفعونهم إليه، ويحثونهم عليه، ولعل منهم من كان يلوح بألوان الترغيب والترهيب. فهؤلاء الموظفون الذين تحدثت عنهم الأهرام صباح اليوم مرضى بفساد الخلق السياسي، لا يقدرون واجبهم، ولا يقدرون حقهم، وإنما هم قوم قد نزلوا عن إرادتهم، وجعلوا ضمائرهم تجارة لأقدر الناس على الدفع وأنشطهم إلى البذل، وأسخاهم بالأماني والوعود. وهؤلاء الموظفون يعملون في المعاهد الدينية، حيث يجب أن يكون الطهر الشامل والنقاء التام، وحيث يجب أن ترتفع الأخلاق عن الدَّنِيات، وحيث يجب أن تلتمس المثل العليا لسيرة الأفراد والجماعات. والشر لا يقف عند هؤلاء الموظفين، فأمرهم هين؛ لأنهم ضعاف، ولكنه يتجاوزه إلى السادة الذين جبنوا فلا يظهرون وخافوا فلا يبرزون، وعملوا مع ذلك من وراء ستار فاتخذوا هؤلاء الضعفاء أدوات للفساد.

والأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يعلم حق العلم أن الأزهر كله مجمع على الانصراف عنه والزهد فيه، والضيق بمكانه من الرئاسة لهذه المعاهد الدينية؛ لأن العلماء والطلاب يحصون عليه وعلى سياسته أمورًا ينكرونها، وينكرها معهم الناس جميعًا، وينكرها معهم الدين أيضًا. وهو يعلم بعد هذا كله أنه قد ظاهر في العهد البغيض، وأعان على إقامة النظام الزائل، واشترك في بعض آثامه. ويعلم بعد هذا أيضًا أنه قد حمَّل ضميره، وحمَّل الأزهر معه عبئًا ثقيلًا حين فصل هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، وحين فصلهم في غير سؤال ولا تحقيق، ولا التماس للمنفعة، ولا إيثار للعدل، ولا خوف من سخط الله. وهو يعلم بعد هذا كله أن بقاءه في منصبه مناقض كل المناقضة لروح العهد الجديد، وأنه لن يستطيع أن يبقى، وأنه خارج إما غدًا أو بعد غد؛ طبيعة الأشياء تريد هذا، وطبيعة الإصلاح تفرضه فرضًا. ولكنه مع هذا كله لا يستقيل ولا يظهر استعدادًا للاستقالة؛ إما لأنه لا يشعر بشيء من هذا كله ولا يقدره، وإما لأنه لا يحفل بشيء من هذا كله، ولا يريد أن يخرج إلا إذا أُمِرَ بالخروج. ومن الناس من يقول شيئًا غير هذا وذاك، ويزعم أن الشيخ مقيم حيث لا تنبغي له الإقامة؛ لأن هناك خطة مرسومة يجب أن تنفذ، وإقامة الشيخ بعض هذه الخطة. ومهما يكن من شيء فأخلاق الشيخ السياسية في حاجة إلى كثير جدًّا من الاستقامة والاعتدال، فما ينبغي له أن يبقى وهو يعلم أن بقاءه مستحيل، وما ينبغي له أن يبيح للناس ما يقولون فيه من الأقاويل، ولا أن يسمح بأن يكون موقفه غريبًا شاذًّا يذهب الناس في تأويله المذاهب، ويظن الناس به الظنون، ورؤساء الدين يجب أن يكونوا قدوة في الكرامة والزهد والارتفاع عن الظنة وسوء الرأي، ولكن الشيخ لم يرتفع عن الظلم، فليس عليه بأس مما هو فيه.

وأمثال هذه الهَنَّاتِ التي أحصيناها في وزارة المعارف وفي إدارة المعاهد وفي مشيخة الأزهر كثيرة لا تُحْصَى، وهي منبثة في جميع المصالح والوزارات والدواوين؛ فلن تجد مصلحة تخلو من رجل أفسد وهو يعلم أنه مفسد، ومن رجل قبل أن يُسَخَّرَ لغير ما ينبغي أن يعمل فيه الموظفون، ومن رجل يعلم حق العلم أن بقاءه في منصبه شيء غير مرغوب فيه، وأنه إن احتمل اليوم فلن يحتمل غدًا، ولكنه مع ذلك لا يخرج ولا يفكر في الخروج. لن تخلو مصلحة من هؤلاء الناس؛ لأن العهد البغيض قد بَثَّ فساد الخلق السياسي في كل بيئة وفي كل مصلحة وفي كل ديوان. فما أشد حاجة الوزارة القائمة إلى الحزم والعزم! وما أشد حاجتها إلى ألا تقتنع بالنزاهة الهادئة المطمئنة والارتفاع عن المجاملة بالذمم! وما أشد حاجتها إلى أن تأخذ في الإصلاح بقطع أسباب الفساد وقطع دابر المفسدين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.