سيدي مدير الجامعة

أشكر لكم ولزملائكم العلماء من رجال هذه الجامعة دعوتكم إياي للتحدث عن رسالة الجامعة، ويسرني أن يكون هذا الحديث فاتحةً لسلسلة مطردة من الأحاديث والمحاضرات المتصلة بالشئون والمباحث الجامعية، تُلقَى هاهنا في هذا العام والأعوام التي تليه، ثم تكون نواة لمعهد شبيه بالكوليج دفرانس في باريس وبنظائره من المعاهد في غير باريس من مدن العالم الكبرى.

أيها السادة

ألقى سعادة مدير الجامعة محاضرة عن رسالة الجامعة بمدرج الطبيعة في كلية العلوم يوم ٢٩ ديسمبر الماضي، وفي هذه المحاضرة القيِّمة تناول الأستاذ الكبير أغراض الجامعة من نواحٍ مختلفة، فذكر أن الجامعة هي جماعة من العلماء أخلصوا للعلم فوقفوا عليه ملكاتهم ووقتهم، يخدمونه كما يقف الرهبان أنفسهم على عبادة الله، وإلى جانب أولئك العلماء شبان أذكياء يخدمون العلم كما يخدمه أساتذتهم على السواء، عن طريق التعاون من جانب الطلبة والإرشاد من جانب الأساتذة، وأن الجامعة لذلك وحدة اجتماعية متضامنة الأفراد الذين يؤلفونها من الأساتذة والطلبة والمتخرجين، وأن من الخطأ الظن أن أغراض الجامعة تنحصر في شيء واحد هو تحضير موظفين لإدارة الحكومة، وأن الجامعة القديمة التي أنشئت منذ ثلاثين سنة إنما أنشئت لتؤلف بيئة مستقلة فيها يبحث كل عضو من أعضائها عن الوسائل المؤدية لكمال وجوده الخاص، على أساس من حرية التفكير والنقد على وجه الاستقلال لا الحفظ والتصديق لكل ما يقال.

وقد ختم الأستاذ الكبير محاضرته القيمة بالإشارة إلى أن من رسالة الجامعة أن تقوم بالأبحاث العلمية في العلوم والآداب التي تنتج عندنا كما أنتجت عند غيرها الزيادة في النظريات العلمية، فتؤدي بذلك عن مصر واجبها من المشاركة في رقي العلوم والمعارف، كما أن من رسالتها تربية شبيبة الأجيال المتعاقبة لتهيئ للبلاد قادتها في جميع مرافقها، ومن رسالتها كذلك نشر الثقافة العلمية والأدبية في جميع طبقات الأمة، ومساعدة التطور الاجتماعي بكل ما في وسعها من ضروب التجديد. والجامعة بذلك كله مصدر إشعاع يشع منه التضامن القومي؛ ففيها يشب التضامن ويؤتى كل ثمراته، بعد أن يكون قد وُلِد في العائلة ونشأ في المدرسة.

هذا العرض السريع لما احتوته محاضرة مدير الجامعة يدلكم أيها السادة على تشعب الأغراض التي تعمل الجامعة لها، وعلى جسامة الرسالة التي تنهض بأعبائها، والواقع أن هذه الرسالة فسيحة المدى متعددة النواحي، فمن المتعذر الإحاطة بها في محاضرة أو محاضرات. أليست هي رسالة العلم؟ بل أليست هي رسالة المعرفة؟ وضع «رينان» صدر شبابه رسالةً في «مستقبل العلم» استغرقت أربعين وخمسمائة صفحة، ثم لم تتناول مع ذلك إلا ناحية بذاتها مما يطلب إلى العلم أن يقوم به لخير الإنسانية. وما وُضِع من أمثال هذه الرسالة، والرسائل التي وُضِعت عن طرائق التفكير، وعن الإدراك الإنساني للحياة، وعن ترتيب العلوم، وعن المنطق، تعالج كلها إحدى نواحي التفكير العلمي، تلك ناحية تنظيم الإدراك الإنساني لحياة العالم كوحدة متماسكة تتخطى حدود الزمان والمكان، وهذه الرسائل قد استغرقت ألوف الصفحات وعشرات ألوفها، وهي مع ذلك لا تعالج إلا جانبًا من جوانب رسالة الجامعة، أمرٌ ذلك شأنُه لا يمكن أن تحيط به محاضرة أو محاضرات، وطبيعي أن لا يطمع أحدنا إذ يتحدث عن رسالة الجامعة في أكثر من أن يلقي قبسًا من الضياء على نطاق ضيق جدًّا منها، وكل رجائنا أن تلتقي هذه الأضواء وأن تشق طريقها خلال جماهيرنا المتعلمة وغير المتعلمة، ليقدِّروا هذه المؤسسة الكبرى حقَّ قدرها، وليؤمنوا برسالتها وليؤيدوها باعتناق ما تدعو إليه وبإذاعته في الناس.

ويجمل بي قبل أن أعرض عليكم وجهة نظري في رسالة الجامعة، أن أشير إلى الفكرة التي قامت بنفوس آبائنا حين فكروا في إنشاء هذه الجامعة منذ أكثر من ثلاثين سنة خلت. وضع المرحوم قاسم بك أمين — وكان أمين سر اللجنة التي تألفت في سنة ١٩٠٦ لإنشاء الجامعة — بيانًا عن أغراض اللجنة من سعيها، أشار فيه إلى نقص التعليم العالي بمصر في ذلك العهد، وإلى ضرورة إيجاد مؤسسة جامعية تنهض في البلاد بأمر الدراسات العليا. وهذا التصوير الأولي للغرض من إنشاء الجامعة قد رسمه لطفي باشا السيد في محاضرته التي عرضت عليكم خلاصتها بالعبارة الآتية:

إن صورة الجامعة على ما وصفت هي الصورة التي كانت بها الجامعة تتمثل في خواطر الذين أنشئوا الجامعة المصرية منذ أكثر من ثلاثين سنة، كنا ننتظر أن جامعتنا ستؤلف بيئة مستقلة فيها يبحث كل عضو من أعضائها عن الوسائل المؤدية لكمال وجوده الخاص، وأن تحمل عن مصر واجبها في المسئولية العالمية عن تقدُّم العلوم والفنون في مدنيتنا الحاضرة، بل أنشأنا الجامعة القديمة لنعارض بها التعليم العالي في الحكومة، الذي كان كل ما يراد به هو إيجاد موظفين للإدارة الحكومية لا أكثر ولا أقل.

أيها السادة

لعلكم تريدون أن تستبينوا صورة أكثر وضوحًا عما كان قائمًا بنفوس منشئي الجامعة الأولين من رسالتها، إذن فاسمحوا لي أن أتلو عليكم فقرات من خطابين أساسيين في نشأة الجامعة، أولهما ألقاه المغفور له قاسم بك أمين بمنزل المرحوم حسن باشا زايد بسراوة في ١٥ أبريل سنة ١٩٠٨، وألقى المغفور له عبد الخالق ثروت باشا الخطاب الثاني في حفلة افتتاح الجامعة المصرية بمنتدى مجلس شورى القوانين يوم ٢١ ديسمبر سنة ١٩٠٨، وهذه الفقرات كفيلة بالكشف عن هذه الصورة بوضوح وجلاء، ومن هذه الفقرات تتبينون مدى ما حققت الجامعة من هذه الرسالة، وما لا تزال مطالَبة بتحقيقه منها.

أوقف المرحوم حسن باشا زايد خمسين فدانًا من أجود أرضه بالمنوفية خالصة للجامعة، فانتقلت اللجنة المؤلفة لإنشائها إلى داره بسراوة تقديرًا لعمله، وفي الاجتماع الذي عُقِد هناك ألقى المغفور له قاسم أمين خطابًا جديرًا بأن يحفظه طلاب الجامعة في مصر على تعاقب الأجيال، جاء فيه:

نحن لا يمكننا أن نكتفي الآن بأن يكون طلب العلم في مصر وسيلة لمزاولة صناعة أو للالتحاق بوظيفة، بل نطمع في أن نرى بين أبناء وطننا طائفة تطلب العلم حبًّا للحقيقة وشوقًا إلى اكتشاف المجهول، فئة يكون مبدؤها التعلُّم للتعلُّم. نود أن نرى من أبناء مصر كما نرى في البلاد الأخرى عالمًا يحيط بكل العلم الإنساني، واختصاصيًّا أتقن فرعًا مخصوصًا من العلم ووقف نفسه على الإلمام بجميع ما يتعلق به، وفيلسوفًا اكتسب شهرة عامة، وكاتبًا ذاع صيته في العالم، وعالمًا يُرجَع إليه في حل المشكلات ويُحتَّج برأيه. أمثال هؤلاء هم قادة الرأي العام عند الأمم الأخرى، والمرشدون إلى طرق نجاحها، والمديرون لحركة تقدُّمها، فإذا عدمتهم أمة حل محلهم الناصحون الجاهلون والمرشدون الدجالون.

وبعد أن تحدث قاسم عن المتخرجين في المدارس العالية بمصر، وأنهم يعملون على مبدأ (اكسب كثيرًا واتعب قليلًا)، وعن رأيه في الكمال، ومَن هم أكثر الناس استعدادًا له، وعن التربية المنزلية وأثرها في التعليم، وعن حب المصريين العلم من قديم الزمن، قال:

إن لي لأملًا عظيمًا أن يكون إنشاء الجامعة المصرية سببًا في ظهور شبيبة هذا الجيل وما يليه على أحسن مثال، وما حالة القلق والاضطراب التي نلاحظها فيها الآن إلا إيذان مطمئن يدلنا على أنها مملوءة بقوة عظيمة تطلب ميدانًا تنصرف فيه لتتمتع بالتوازن اللازم لصحتها.

أيها السادة

ذلك الخطاب القيم ألقاه قاسم منذ ثلاث وثلاثين سنة، يمثل رسالة الجامعة كما تصوَّرَها هؤلاء الآباء الذي نفخر اليوم بأبوَّتهم، فلم يكن غرضهم من إنشاء الجامعة تهيئة الشبان لكسب الرزق وكفى، بل تهيئتهم وتهيئة الأمة معهم لحياة إنسانية راقية تصبو إلى الحقيقة وتتوق إلى معرفتها بشوق وشغف يدنيانها منها، وتتصور العالم ونظامه وسننه تصورًا علميًّا يزيدها سلطانًا على القوى الظاهرة والخفية فيه، ويزيدها لذلك صلة به واستمتاعًا بما يحويه، وبذلك تصبح السعادة قريبة منها، ويصبح في مقدورها النهل من وردها.

ولم يكن تصوير المغفور له عبد الخالق ثروت باشا لغرض الجامعة دون تصوير قاسم وضوحًا وسموًّا؛ فقد ورد في خطابه بحفلة افتتاح الجامعة ما يأتي:

نظرت الأمة فإذا التربية العملية في مصر لا تزال ترمي إلى إعداد ناشئة تقوم بحاجات البلاد العملية، وتخرج شبيبة يشتغل كلٌّ في فنه وصناعته، والبلاد خالية من منهل علمي يستقي منه طلاب المزيد من هذا القدر.

رأت أن العلماء في البلاد الأخرى يكادون يأتون في كل فرع من فروع العلم بالمعجزات، فكم من مبتكرات نخالها خلقًا سماويًّا جديدًا جاءنا خبرها من أوروبا وغيرها، ونحن نكتفي من ذلك البحر الزاخر بمصة الوشل، وكم من مخترعات مبدعات وآيات بينات فتح الله بها على أولئك العلماء، وحظنا فيها حظ المتفرج.

رأت أنه من النقص أن تبقى مصر عالة على الأمم بعد أن كانت تغذيها بالعلم والعرفان، وأن تظل في مثل هذا العصر خلوًّا من جامعة تصوغ لها طائفة تمجد ذكرها كما كان ذكرها ممجدًا في ماضي الأيام والعصور الخالية.

رأت كل ذلك وحق لها أن تراه وتتدبره، فلا جرم أن قامت قومة واحدة تدعو إلى إنشاء تلك الجامعة.

أيها السادة

هذا التصوير الذي رسمه لنا المنشئون الأولون لفكرة الجامعة في مصر، يبين لنا أن الأمة شعرت في ذلك الوقت بأن التعليم فيها قاصر عن أن يمدها بأسباب الارتقاء الإنساني إلى الدرجات التي بلغتها الأمم المتمدينة، وأن هذا الشعور دفعها لالتماس الوسيلة إلى هذا الارتقاء، فوجدتها في التعليم الجامعي على ما هو معروف في تلك الأمم، لذلك عملت على إنشاء الجامعة تمهيدًا للغاية التي ترتجيها، وحرصًا على أن ينهض بأمرها علماء يحبون علمهم، ويهبون أنفسهم له، يكون منهم الفيلسوف المحيط بالعلم الإنساني يصور لنا سنن الحياة وأغراضها تصويرًا منطقيًّا كاملًا، والعالِم الأخصائي في علم بذاته، أو في فرع من فروع هذا العلم، يجلو لنا نظرياته، ويكشف عن جديد فيه، والمخترع الذي يتخذ العلم وسيلة لتوجيه قوى الحياة وجهات جديدة، والشاعر والأديب والفنان ممن يلهمهم العلم من صور الشعر والأدب والفن آيات من جمال العالَم وجلاله. نشأت فكرة الجامعة تمهيدًا لهذه الغاية وأملًا في أن تنتشر الروح العلمية في التفكير المصري وأن تمتد إلى الشرق، كما انتشرت في التفكير الغربي وامتدت إلى سائر أنحاء العالم، وأن يعمل انتشار هذا الروح عمله فينهض بمصر وبالشرق إلى المكانة الإنسانية السامية التي تطلَّع إليها هؤلاء الآباء، فدفعتهم وطنيتهم الصادقة الصامتة إلى الجد لبلوغها.

ولقد بلغت هذه الفكرة من الداعين إليها مبلغ الإيمان؛ لما فتحت الجامعة أبوابها وبدأ الناس يؤمونها، قام في وجهها من يناوئها ويحارب جهودها، ثم كانت قوة الفكرة التي أنشأتها، وكان إيمان القائمين بأمرها خير كفيل بالتغلب على كل عقبة نجمت أو مناوأة ظهرت. في سنة ١٩١١ أذاع المغفور له الملك فؤاد الأول — وكان يومئذٍ صاحب الدولة الأمير أحمد باشا رئيس الجامعة المصرية — نداءً وجَّهه إلى أبناء وطنه، جاء فيه:

رغم ما صادف مشروعاتنا من التأويل الباطل، والتعنت الذي أريد به وضع حجر العثرة في نهضة جامعتنا، لم يلبث عملنا الجليل المحبوب أن ثبتت دعائمه، ولا غرابة في ذلك، فإن العامل القوي الذي يأخذ بناصرنا إنما هو سعينا في خير بلادنا، ولا شك أن نفع شبابنا الأعزاء هو فوق كل المقاومات والانتقادات المقصودة، وأن رغبتنا الشديدة في تحقيق هذا النفع وإخلاصنا في إحياء العلم بمصر يكسبنا القوة للثبات والدأب في هذا العمل. وقد أعرت قلبي في سبيل هذه الغاية حتى يتسنى لأبناء وطني أن يأخذوا حظهم من العلم والعرفان، وينصرفوا إلى إحياء نضارة لغتهم وآدابهم وفنونهم العظيمة، ويسهل عليهم تحقيق هذه الأمنية الجليلة حينما يستقون عزيمتهم وعلمهم من مجد أجدادهم وعلومهم التي كادت تكون في عالم النسيان حينًا من الدهر، ولا وسيلة لهم للوقوف على حسبهم وتاريخهم وفهم حقوقهم وقيامهم بواجبهم إلا بالرجوع إلى هذه المصادر الغزيرة، وبذلك يعيدون كنوز العلوم العربية القديمة التي نأخذها الآن عن الغرب. وكما أن ضوء النهار بعد الليلة الحالكة الظلام يتجدد بنور الفجر، كذلك روح النهضة العلمية في مصر بعد أن كانت مستغرقة في سبات عميق حينًا من الدهر، سيكون لها شأن عظيم في إحياء ذكرى ماضينا الذي كان ولا يزال مقرونًا على الدوام بالمجد والعظمة.

وبعد أن أشار رحمه الله إلى ما قامت به الجامعة في السنوات الثلاث التي انقضت منذ افتتاحها، ختم هذا النداء بعبارات أذكر منها قوله:

إن جُلَّ أمانينا والغاية التي نبغي الوصول إليها محصورة في أن نعيد إلى الشبان المصريين استقلالهم العقلي، ونمهد لهم الوسائل المعنوية لرقي مواهبهم … فاكتساب العلوم ونمو الذكاء وانتشار الأفكار ليس امتيازًا خاصًّا بأمة دون أمة، بل هو حق الشعوب على اختلاف أجناسها، ومن واجبها أن تتعاون على تأييد السلم، وتعمل لإيجاد الألفة بينها وتوحيد المصالح المتبادلة، ويجب أن نغرس في نفوس طلابنا هذه المبادئ، وأن نبرهن على ثبات عزيمتنا وإخلاصنا في تربية أبنائنا وأمتنا، ونعلمهم كيف يؤدون الواجب وكيف يتخلقون بالأخلاق التي لا ينفع بدونها علم ولا ذكاء، وبهذه الطريقة يمكننا ترقية آدابنا.

أيها السادة

حسبي هذه الفقرات التي تلوت عليكم من كلام رئيس الجامعة ومنشئيها الأولين، ففيها من فيض الشعور بالحاجة إلى الجامعة شوقًا للحقيقة وحرصًا على استعادة المجد التليد لهذه البلاد ما يعبر عن إحساسهم القوي الصادق بحاجة بلادهم إلى نهضة قوامها هذه المؤسسة التي أنهضت الأمم حينما نهضت، والتي كانت وستبقى أبدًا مصدر الإشعاع القوي لضياء العقل الإنساني، والروح الإنساني.

أيها السادة

إن الحاجة التي أدت إلى إنشاء الجامعة المصرية، والتي عبَّر عنها المغفور له الملك فؤاد بالحاجة إلى إعادة الاستقلال العقلي للفكر الإنساني، هي بعينها الحاجة التي أدت في مختلف العصور إلى إنشاء الجامعات في أوروبا وفي غير أوروبا، وهي بعينها الحاجة التي أدت في الأيام السالفة إلى قيام المصلحين والفلاسفة لتحطيم الجمود العقلي، وفك الفكر الإنساني من القيود التي فرضها عليه التعلق بالعاجلة، والخضوع لأحكام الحياة المادية، والإذعان في سبيل هذه الحياة لسلطان البطش، والاستسلام لما يفرضه الأقوياء من هذه القيود، واعتبارها حقائق ثابتة يؤمن الناس بها كأنها بعض سنن الكون التي لا سبيل إلى تحويرها أو تبديلها.

ونحن إذ نرجع إلى دعوة الأنبياء ورسالة الرسل نجدها قائمة على استقلال العقل الإنساني وتحرير الفكر من إسار هذه القيود، وأكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى الدعوة الإسلامية، فقد دعا محمد قومه لينبذوا ما وجدوا عليه آباءهم، ولينظروا إلى الكون فيستبينوا سننه حتى يؤمنوا بالله، وهذا الإيمان لا يكون إيمانًا حقًّا ما لم يهدنا إليه العقل المستقل والفكر الحر. يقول المغفور له الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده: «إن التقليد بغير عقل ولا هداية هو شأن الكافرين، وإن المرء لا يكون مؤمنًا إلا إذا عقل دينه وعرفه بنفسه حتى اقتنع به، فمن رُبِّيَ على التسليم بغير عقل، والعمل — ولو صالحًا — بغير فقه، فهو غير مؤمن، فليس القصد من الإيمان أن يذلل الإنسان للخير كما يذلل الحيوان، بل القصد منه أن يرتقي عقله وترتقي نفسه بالعلم فيعمل الخير لأنه يفقه أنه الخير النافع المرضي لله، ويترك الشر لأنه يفهم سوء عاقبته ودرجة مضرته.»

والحاجة إلى استقلال العقل وتحرير الفكر تثور في الأمم بدافع طبيعي مصدره سنة الاحتفاظ بالحياة الإنسانية، ذلك بأن الحياة والحركة مقترنتان، كما أن الموت والسكون متلازمان، ليس في الحياة حي لا يتحرك، يستوي في ذلك الجماد والنبات والحيوان. ذرات الجماد في حركة متصلة، وحركة الحياة في النبات وفي الحيوان تشهدها أعيننا، وعن حركة الأفلاك والعوالم ينشأ الليل والنهار والظلمة والنور، وينشأ توازن الكون كله، فلو أن هذه الحركة وقفت هنيهة لَتداعى الكونُ وانهدَّ كيانُه. وحركة العقل هي المظهر الأساسي للحياة الإنسانية، فإذا قُيِّد العقل عن الحركة وحيل بينه وبين التفكير الحر شُلَّتِ الحياةُ الإنسانية، فتأخرت الجماعات التي تصاب بهذا الشلل وخمدت حركتها الذاتية، فتولى شئونها غيرها، وفرض عليها ألوان حياتها، واستأثر هو من هذه الحياة بخير الثمرات، عند ذلك تثور إنسانية الأمم فتشعر بالحاجة إلى استقلال العقل وحرية الفكر ينهض بهما الأنبياء والمرشدون، والفلاسفة والمصلحون، وتنهض بهما الجامعات التي تتولى حماية هؤلاء الفلاسفة وغيرهم من العلماء من اضطهاد البطش وفتك الطغيان.

والحاجة إلى استقلال العقل وحرية التفكير ليست نشوةً تنطفئ متى تحققت ثم تتجدد بتجدد الدافع لها، وإنما هي ضرورة جوهرية لحياة الأمم قائمة على وجه الدوام ابتغاءَ غرض لا يلبث الناس — إذ يظنون أنهم اقتربوا منه — أن يروه فر من أيديهم وبعد عنهم، ثم ظلَّ مع ذلك يتراءى لهم في بهاء جلاله وساطع ضيائه، هذا الغرض هو الحق، وهو الكمال، والتماس الحق والكمال هو مثل الإنسانية الأعلى في الحياة، إليهما تتوق كل نفس مهذبة، وكل أمة بلغت من مدارج الرقي الإنساني مقامًا محمودًا، لكن الجهود التي بُذِلت منذ ألوف السنين لمعرفة الحق ولبلوغ الكمال لما تُتوَّج بالنجاح، وإنْ أدركت الإنسانية من سعيها إليهما حظًّا غير قليل، كشفت من أسرار الوجود وسننه عن كثير كان يُظن غيبًا لا سبيل إلى رفع حُجُبه، وأدركت أن الغيب لا يزال يطوي أضعاف أضعاف ما كشفت عنه، فهي شديدة التوق إلى معرفته، دائمة الدأب للكشف عن أسراره ومعرفة سننه، والعقل المستقل والفكر الحر هما الأداة — لا أداة غيرها — لبلوغ ما يستطاع بلوغه من هذا الغرض.

وقد اتصل سعي الإنسانية منذ أقدم العصور لتصوير الطريقة التي تكفل استقلال العقل وحرية الفكر ابتغاءَ الوصول إلى الحقيقة، وإلى الكمال، كما اتصل سعيها لتصوير هذه الحقيقة التي نتوق كلنا لمعرفتها، ويبذل العلماء والموهوبون حياتهم لنشر نورها، أفيستطيع العقل بوسائل المعرفة الميسورة للإنسان أن يصل إلى معرفة أسباب الوجود الأولى وغايته الأخرى، أم أن ما لدينا من أسباب المعرفة يقصر دون الأسباب والغايات، وإن استطاع أن يستكشف من طريق الواقع سنن الكون ونظامه؟ وقد احتدمت معركة الجدل حول الطريقة المثلى لمعرفة الحقيقة عصورًا طويلة، ثم ظن الناس في القرن الماضي أن المعركة انتهت إلى غايةٍ، حين تغلَّب التفكير الواقعي على ما سواه، وحين أقرَّ العلماء والفلاسفة في بلاد أوروبا المختلفة بتفوق نظريات أوجست كمت، وبصدق قانونه عن حالات العقل الإنساني الثلاث: الحال الثيولوجية، والحال المتافيزيقية، والحال الواقعية. لكن نظريات جديدة قامت في هذا القرن العشرين كان برجسون وأينشتين بعض دعاتها، وكان مرماها أن الطريقة العلمية المحدودة بحدود الواقع تقصر دون الحقيقة التي يتطلع الكل إلى ضيائها، وأنَّا يجب أن نستوحي الإلهام الإنساني لإدراك هذه الحقيقة، كما يجب أن نقدر النسبية في معارفنا، وأن نحسب لها حسابها في كل علومنا ومباحثنا، وبذلك عادت معركة الجدل على الطريقة إلى احتدامها من جديد.

وطالما اشتبك في معركة الجدل هذه مَن كان قصدهم إلى تعطيل العقل واستقلاله، والفكر وحريته، ليتسنى لهم أن يتحكموا في أقدار الناس ومصائرهم، وما أعظم الجهود التي بذلها دعاة الحرية الإنسانية للقضاء على تلك المآرب. وليس يسع كل محب للحقيقة إلا أن يغتبط حين يعلم أن كل جهد بُذِل للحد من استقلال العقل ومن حرية الفكر كانت نهايته الفشل، وأن النصر الذي أحرزه دعاة الحرية هو الذي أتاح للإنسانية أن تتقدم نحو الحق والكمال خطوات سريعة واسعة.

كفل هذا النصر كذلك أن تظل معركة الجدل حول الطريقة متجهة إلى الغرض منها، ولم يتجه هذا الغرض يومًا إلى الحد من استقلال العقل، بل إلى تنظيم هذا الاستقلال تنظيمًا يكفل للفكر الحر أن يبلغ المثل الأعلى من الحياة الإنسانية، وذلك بتصوير الحقيقة التصوير العلمي الصحيح، وكانت الطريقة الواقعية هي التي كُتِب لها الفوز في القرن الماضي كما سبق القول.

ولا ينكر أحد أن هذه الطريقة الواقعية قد هدتنا إلى كثير من سنن الكون ونظامه، بما يسرت للعلماء والفلاسفة من أسباب الكشف عن كثير مما كان محجوبًا بحُجُب الغيب، وأنها بذلك قد جعلت الإنسان أعظم سلطانًا على قوى العالم الظاهرة والخفية، ثم إنها — إذ وجَّهتِ الباحثين إلى التنقيب في ماضي الإنسانية وحاضرها، وفي ماضي العالم وحاضره لإثبات السنن الكونية إثباتًا علميًّا ينفي عنها كل ريبة، ولإقامة الصلة بين الناس أفرادًا وجماعات، وبين الإنسانية وعوالم الكون المختلفة على أساس من هذه السنن المقطوع بثبوتها — قد أتاحت للفلاسفة أن يقيموا المذاهب الفلسفية الواقعية المعتمدة على ما كشفت عنه العلوم كلها، وغاية هذه المذاهب أن تقربنا في معروف الحياة من الحقيقة، وأن تدنينا من الكمال.

أيها السادة

كان للجامعات في قيامها برسالتها خلال العصور الأخيرة أكبر الفضل في إحراز ذلك النصر، وفي بلوغ هذه الغايات، فقد نشأت الجامعات — أول ما نشأت — معاهد تمنح المتقدمين إليها، بأمر الحاكم حينًا، وبجلال ماضيها حينًا آخَر، درجاتٍ تجيز لهم القيام على تعليم الناس، ثم صارت هذه المعاهد ملاجئ للعلماء تحمي مصالحهم وحريتهم وتحميهم من بطش ذوي البطش بهم، وتيسِّر لهم أسباب البحث ابتغاءَ الحقيقة وحرصًا على بلوغ الكمال. وكان دأبها في جميع العصور أن تضع النظريات التي ينادي بها العلماء من رجالها ومن غير رجالها، موضع التمحيص والنقد، تقر منها ما تراه متفقًا مع طرائق البحث المقرَّرة لديها، وتنكر ما لا يتفق مع هذه الطرائق، ثم لا ترى بأسًا بأن تجعل طرائق البحث نفسها موضع النقد والتمحيص من جديد.

وإنما استطاعت الجامعات أن تكشف عن الحقائق وأن تمحصها بانقطاع رجالها للبحث انقطاع الرهبان للعبادة — على حد تعبير الأستاذ الكبير مدير هذه الجامعة. وعلماء الجامعات أقدر من غيرهم على التمحيص والنقد؛ لأن البيئة الجامعية تجعل وسائل البحث كلها في متناول أيديهم، فالمكتبات والمعامل وما إليها، تجعل آخِر الأبحاث في جميع العلوم حاضرًا في كل وقت لدى مَن شاء منهم أن يقوم بتمحيصه ونقده، وهذه البيئة، وهذا الانقطاع للعلم والتخصص فيه، يتيحان لرجال الجامعة تصوير الحقيقة في عصرهم تصويرًا يدنيها من أفهام المثقفين، ويكفل لها أن تنتشر في الناس وأن توجه مصير الجماعات.

ونشر الحقيقة في الناس بتوجيه سلوكهم في الحياة أفرادًا وجماعات يتصل برسالة الجامعة، بل هو جوهر هذه الرسالة، فالعلماء لا يبحثون عن الحقيقة لمتاعهم الخاص، وإن كان هذا المتاع عظيمًا لذاته حتى لا يقاس به متاع سواه، وإنما يريدون الحقيقة لخير الإنسانية إيمانًا منهم بأن الحقيقة وحدها هي التي تدني الإنسانية من السعادة، ومن الخير، ومن الكمال.

وكل حقيقة اهتدى العلم إليها قد كان لها في تقدُّم الإنسانية من الآثار ما سبقت الإشارة إليه، لتكن هذه الحقيقة مجردةً قائمةً بذاتها كالحقائق الرياضية، أو متعلقةً بعالَم غير هذا العالَم الذي نعيش فيه كالحقائق الفلكية، أو بغير الإنسان مما في هذا العالم كالجماد والنبات والحيوان. فكل ما كشف عنه البحث العلمي في هذه الشئون وفي شأن الإنسان قد نقل الإنسانية خطوات ارتقت بها، ثم كان انتشاره في الناس مدعاة شعورهم بقيمتهم الإنسانية شعورًا يزداد سموًّا كلما ازدادت الحقائق التي نقف عليها وضوحًا وثبوتًا.

وإنما استطاعتِ الجامعات نشر الحقائق التي اطمأنت إليها في الناس بعد أن ذاع فيهم الإيمان باستقلال العقل وحرية الفكر، وبعد أن أدركوا أن التعصب والعلم لا سبيل إلى اتفاقهما، وأن العقل الجامد الذي يأبى النظر فيما وجد عليه آباءه عدو للعلم بطبعه يزوَر من صور الحقيقة عن كل ما لم يألفه، وينظر بعين البغضاء والحقد إلى كلِّ مَن يخالفه.

وقد يرجع الفضل الأول في إذاعة الاستقلال العقلي بين الناس إلى تفكير الرياضيين والأطباء، وغيرهم من المشتغلين بعلوم الحياة في طرائق البحث أيها أمثل لإدراك الحقائق التي تتناولها هذه العلوم، وبخاصة حينما طوَّعت هذه الطرائق للعلم أن يبسط سلطانه على كثير مما في الكون، بعد أن وقف على سننه وعرف القوى المختلفة فيه، هنالك انفسح المجال أمام العلماء في الجامعات، وأمام تلاميذهم الذين يعلِّمون الناس في مختلف المعاهد، لإذاعة الحقائق ولإقامة المذاهب وللدعوة لها والسعي لتنظيم الحياة على أساسها.

وهنا تشعبت المذاهب وتباينت النتائج في البلاد المختلفة باختلاف طبائعها، فإذا الطريقة الواحدة تؤدي في إنجلترا إلى مذاهب غير التي أدت إليها في فرنسا أو في ألمانيا أو في أمريكا، وإذا الثقافات الجنسية أو القومية يطبعها طابع يستمد كيانه من وجودها الخاص، وإذا الجامعات تعتز بهذا الطابع وتعمل على نشره، مع دأبها على أن تجعل من الثقافات الأخرى موضع عنايتها وبحثها، رجاءَ التوفيق بينها للمصلحة العالمية العامة.

هذه، أيها السادة، هي الرسالة العظمى التي قامت بها الجامعات في البلاد المختلفة، وهي بعينها ما أراده المنشئون الأولون للجامعة المصرية من إنشائها، فماذا حققت هذه الجامعة من رسالة العلم، ومن إعادة الاستقلال العقلي والتفكير الحر لشبابنا؟ وماذا قامت به من واجب مصر العالمي للمشاركة في رقي المعارف الإنسانية؟ ثم ماذا طبعت به ثقافتنا من طابع خاص يميِّزها عما سواها؟

ختم الأستاذ مدير الجامعة محاضرته التي لخَّصتُها لحضراتكم في صدر كلامي بعبارة قيِّمة جاء في صدرها: «جامعتنا حديثة العهد إلى حد أنها لم يتم بعدُ بناؤها، ولم ينشأ بعدُ حي لطلبتها، ولم تستوف بعدُ أساتذتها من المصريين، وإن كانت لا تستغني أبدًا عن الأساتذة الزائرين، ولمَّا تطمئن إلى استقرار التقاليد الجامعية؛ فمطالبتها بتحقيق رسالتها ينبغي أن تكون متناسبة مع حداثة عهدها ومع حالها ووسائلها.»

وهذا تصوير للواقع صوَّره خير مَن يعرفه، على أننا يجب مع ذلك أن نشهد بجسامة المجهود الذي تم خلال السنوات التي انقضت منذ إنشاء الجامعة في سنة ١٩٠٨، ومنذ أن ضُمَّت للحكومة في سنة ١٩٢٥، وما قامت الحكومة به من إنشاء مباني الجامعة ومستشفى فؤاد الأول بعضُ هذا المجهود الضخم الذي استنفد مئات الألوف من الجنيهات، والذي أقام هذا المعبد العلمي الجليل وهيَّأه بكل الأسباب التي تيسِّر للجامعة تحقيق غرضها، وهذه المنشآت قد تمت كلها خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، وفي هذه الأثناء كانت الدراسات العلمية في معاهد هذا المعبد تتقدم تقدُّمًا مطردًا، ولست أريد أن أدلل على ذلك بنتائج عملها في المرحلة الجامعية الأولى، مرحلة الليسانس أو البكالوريوس أو الدبلوم، فالمدارس العليا تمنح مثل هذه الإجازات، وإنما أذكر نتائج الدراسات العليا في الكليات الأربع التي تألفت منها الجامعة أول عهدها: كليات الطب، والعلوم، والآداب، والحقوق، فقد أجازت هذه الكليات اثنين وسبعين دكتورًا، ومائة واثنين أستاذ (ماجستير)، خلا دبلومات المعاهد الخاصة وتبلغ ٥١٩ دبلومًا.

قد لا يكون هذا العدد كبيرًا بالقياس إلى عدد السنين التي انقضت منذ إنشاء الجامعة، أو منذ ضمها إلى الحكومة، وقد يبدو كذلك بنوع خاص عند مقارنته بمثله مما حصل عليه أبناؤنا في جامعات أوروبا المختلفة، فأعضاء بعثات الحكومة وحدهم قد حصل مائة وست وأربعون منهم على إجازة الدكتوراه، وسبع وأربعون على إجازة الأستاذية، وثمانية عشر على الزمالة، ولعل مَن حصلوا على مثل هذه الدرجات العلمية العليا ممن تعلموا على نفقتهم في أوروبا لا يقلون عددًا عن أعضاء البعثات، لكن مع ذلك يجب أن نذكر أن جامعتنا لم تمنح الإجازات العلمية العليا في السنوات الأولى لنشأتها ولا لضمها للحكومة؛ لأن هذه الأقسام العليا إنما انشقت شيئًا فشيئًا بعد استكمال الجامعة وجودها العام في سنة ١٩٢٥، فلم تمنح واحدةٌ من الكليات الأربع أية إجازة للدكتوراه إلى سنة ١٩٣٠، وفي تلك السنة منحت كلية الطب وحدها هذه الإجازة لأربعة من أبنائها. وفي سنة ١٩٣١ منحت هذه الإجازة لاثنين في كلية الطب ولواحد في كلية الحقوق. وفي سنة ١٩٣٣ منحت كلية العلوم أول إجازة للدكتوراه فيها. وأما أول إجازة للدكتوراه في كلية الآداب فلم تُمنَح إلا سنة ١٩٣٧، ولا يزال عدد هذه الإجازات العليا قليلًا، قلما زاد في العام على ثلاثة أو أربعة، اللهم إلا استثناءً إذ منحت كلية الحقوق ست إجازات للدكتوراه في سنة ١٩٣٨، ومنحت كلية العلوم عشر إجازات للدكتوراه في العام الماضي.

ولم يقف الأثر المترتب على حداثة الجامعة عند هذا الحد في أمر الدراسات العليا، فقد استعرضتُ عناوين الرسائل التي قُدِّمت لإجازة الدكتوراه في الكليات المختلفة لمصر، وقارنتُها بعناوين الرسائل التي وضعها المصريون الذين حصلوا على الدكتوراه من جامعات أوروبا، فاستوقفني من هذا الاستعراض اقتحامُ طائفة من الرسائل التي قُدِّمت للجامعات الأوروبية للمذاهب العامة في العلوم المختلف، واقتصار أكثر الرسائل التي قُدِّمت إلى جامعتنا على بحوث تفصيلية — دقيقة لا ريب — في مسألة بذاتها، ومرجع ذلك إلى أن البيئة الجامعية الأوروبية قد بلغت من الاستقلال بذاتها أن أقامت صرحًا من النظريات والمذاهب المختلفة في شتى الفنون والعلوم، أما بيئتنا الجامعية فلا تزال بحكم حداثة عهدها، وبحكم المستوى العقلي العام المتأثر بماضينا المدرسي، بحاجة إلى أن تقيم بناءها الذاتي، وأن تقيم على أساسه مثل هذا الصرح العظيم من النظريات والمذاهب، ليستطيع أبناؤنا اقتحام هذه المذاهب والنظريات، ينقدونها أو يعدلونها أو يؤيدونها بما يتفق مع تصورهم للحق، ولما يدني الحق من الكمال.

لسنا نطمع، وهذه حالنا، في مطالبة أبنائنا أو مطالبة علمائنا، بأن يبدعوا جديدًا في طرائق البحث العلمي، فهذه الطرائق بطبيعتها هي ثمرة التطور العلمي، وامتثال العقل لمجموع هذا التطور في مختلف العلوم، وعدم اطمئنانه إلى كفاية الطريقة المقررة لبلوغ الغاية من الحقيقة، أو وقوف هذه الطريقة في سبيل تلك الغاية، ولا شك في أنَّا نريد أن تبلغ جامعتنا هذا المبلغ، لكننا لا نزال بحاجة إلى تطبيق الطرائق التي سبقتنا الجامعات الأخرى إليها حتى نستنفد هذه الطرائق في ميادين العلم والفن المختلفة، ويومئذٍ ينفسح المجال أمام العالِم الممتاز، والمفكِّر الممتاز، ليبدع في طريقة البحث العلمي جديدًا.

أيها السادة

أشرت إلى أن من جوهر رسالة الجامعة نشر التفكير الجامعي وإذاعته في الناس، والبيئة الجامعية المشتغلة بالدراسات العليا لا يمكن أن تكون بذاتها أداة هذا النشر، فلا بد لها من وسائل تصل بينها وبين التفكير العام. ومن هذه الوسائل طرق النشر العام بالكتب والمجلات والصحف والإذاعة، لكن الوسيلة الناجعة التي تمهد لنجاح هذه الوسائل جميعها هي التعليم؛ لذلك كان من أهم ما اقترحه الخبيران العالميان اللذان استقدمتهما الحكومة المصرية عام ١٩٢٨ لبحث وسائل التربية والتعليم في مصر — وهما المستر مان والمسيو كلاباريد — إنشاء معهد التربية العالي وتغذيته بخريجي الجامعة، وجعل إجازاته وحدها المؤهل الضروري لتولي شئون التعليم في المدارس، وتلك هي الوسيلة المتَّبَعة في جميع الأمم لإتمام الدورة العلمية الجامعية في مختلف أجيال الأمة، من الطفولة إلى الصبا إلى الشباب، ثم إلى الكهولة والشيخوخة في البيئة الجامعية نفسها. وقد أنشئ هذا المعهد بالفعل منذ سنة ١٩٢١، على أنني آسف إذ أقول إن المتخرجين فيه قصر عددهم، ولا يزال قاصرًا عن أن يمد المدارس في وزارة المعارف وحدها بحاجاتها الملحة للمدرسين، وأنها كثيرًا ما تضطر إلى تعيين مدرسين في مواد كثيرة لم يتخرجوا في المعهد، وأن دورة التفكير الجامعية لا تزال لذلك منقطعة، من ثَمَّ لا تزال المدارس المصرية تجمع ألوانًا متباينة من عقليات شتى يشعر القائمون على التعليم بما لتباينها من أثر في تكوين ناشئتنا من ناحية تربيتهم، ومن ناحية ثقافتهم العامة، ومن ناحية تعليمهم.

أيها السادة

هذه وجوه من النقص نطمع كلنا في تلافيها، ويجمل للحق أن أقول إن حداثة عهدنا بالجامعة ليست وحدها السبب في هذه الوجوه، فقد انفسحت ميادين حياتنا القومية في ربع القرن الأخير، فلم يكن بدٌّ من أن ينهض شبابنا المتعلمون في أوروبا وفي مصر بالتبعات الجسام التي ترتبت على هذا التطور السريع، ومن هؤلاء الشبان من أوفدتهم الجامعة منذ عهدها الأول ليكونوا أساتذتها والقائمين برسالتها، ومنهم مَن تخرَّجوا في هذه الجامعة وكانت ترجوهم للغرض نفسه.

واطراد هذه النهضة، وتوثب البلاد جميعًا إلى مكان المجد الواجب لها بين الأمم، وتطلُّع الأمم العربية والأمم الشرقية إلى مصر، واعتبارهم إياها الشقيقة الكبرى والرأس المفكرة فيما يجب لهذا الجانب الفسيح من العالم في العصر الحاضر — هذا كله قد جعلنا أكثر احتياجًا إلى الشبان المتعلمين، وأكثر من ثَمَّ احتياجًا إلى فتح أبواب الدراسات العليا في التعليم الجامعي لعدد أكبر من العدد الذي يشتغل بها في الوقت الحاضر.

أمَا وذلك حالنا، وتلك حاجاتنا، فما أحرانا بأن نضاعف الجهد في معاونة الجامعة على النهوض برسالتها كاملة في إعادة الاستقلال العقلي لشبابنا، وفي الكشف عن الحقائق العلمية، وفي إذاعة هذه الحقائق بين الناس.

وصور المعاونة الواجبة للتعليم الجامعي كثيرةٌ جديرةٌ بالتفكير في أيهما أحرى بالتقديم، وأول ما يجب علينا أن نعدد جامعاتنا ليكفل تنافسها في شتى ميادين العلم دقة إدراكنا للحقائق، وليكون هذا التنافس لذاته سببًا في ذيوع الحقائق العلمية وانتشارها وعناية الناس بها. وإذا ذكرنا أن في اليابان اليوم عشرين جامعة يدفع تنافسها نهضة اليابان إلى الأمام دفعًا قويًّا سريعًا، أيقنَّا أن إنشاء جامعات عدة في بلادنا فيه من الخير للعلم وللحقيقة ولهذا الوطن ما لا يجوز الإغضاء أو التغافل عنه.

ومن وجوه المعاونة تقريرُ مبدأ يقضي استقلال الجامعة بتقريره، ذلك مبدأ عدم قابلية أساتذتها للعزل أو للنقل على النحو المقرَّر عندنا لرجال القضاء الأعلى، فتقرير هذا المبدأ يكفل استقلال الأساتذة من الناحية العلمية، ويجب أن يكفل بقاءهم بالسلك الجامعي للنهوض بالعلم وبرسالة الجامعة.

وثمة ألوان شتى من المعاونة على نهوض الجامعة برسالتها جديرةٌ بأن تكون موضع درس خاص، ولعل رجال الجامعة لا يضنون علينا بمحاضرات فيها، فإذا تحققت أزالت عنا ما لا يزال قائمًا بنفوسنا من التردد العقلي، وجعل الجرأة العلمية في طبيعة شبابنا، وفتحت أمامنا من أبواب التقدم ما طمع منشئو الجامعة فيه، وما لا نزال نطمع نحن في إدراكه.

أيها السادة

أطلت في القول، وإنما دعاني إلى هذه الإطالة إيماني بجلال رسالة الجامعة، وبأن اضطلاعنا بعبء هذه الرسالة، حرصًا على معرفة الحق وإذاعته في وطننا، هو الذي يُدنِينا من المكانة الواجبة لنا، فلمصر ماضٍ مجيد طويل أضاءت العالم خلاله بنور العلم، والعالَم أشد ما يكون اليوم احتياجًا إلى هذا النور ينقذه مما تورط فيه، والجامعات هي التي تذكي هذا النور وتضيء به جوانب العالم المظلمة، أفأطمع في أن ننهض بجامعتنا لتحقق هذا الحلم العظيم، إنني لَعظيم الرجاء، وعلماؤنا وشبابنا الأذكياء قادرون بذكائهم وبصيرتهم، وبإخلاصهم للحقيقة، على أن يحملوا هذه الأمانة، وأن ينهضوا بهذه الرسالة، وأن يُعِيدوا لوطننا العزيز وللشرق كله مجدًا طالما توَّج سناه هام أجدادنا، وما أجدره أن يتوِّج هام أبنائنا وحفدتنا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.