أحد الانتصارات العظيمة التي حققها علم الأحياء في القرن العشرين كان اكتشاف كيفية إنتاج الجينات للبروتينات. فالحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين (الدنا) يحمل شفرة الجينات. ومن أجل تحويل تسلسل الجين إلى بروتين، يلتف حولها عدد من الجزيئات. وبقراءة تسلسل الجين، تُنتِج تلك الجزيئات صورةً أحادية الخيط منه مكونة من الحمض النووي الريبي (الرنا)، يُطلَق عليها نسخة. تُحمَل النسخة إلى تجمُّع من جزيئات أخرى — الريبوسوم — تنتقي العناصر الأساسية اللازمة لبناء البروتين المتوافِق مع الجين، ثم يسبح البروتين بعيدًا ليؤدي وظيفته، سواء أكانت تلك الوظيفة هي التقاط الضوء، أم هضم الطعام، أم المساعدة على تكوُّن فكرة.

لدينا قرابة ٢٠ ألف جين يحمل شفرة بروتين، فإذا أحصيت مقدار ما تشكِّله تلك الجينات من الدنا، ستجد أنه أقل من ٣ في المائة من الجينوم البشري، مما يثير بطبيعة الحال التساؤل عما تحويه السبعة والتسعون في المائة المتبقية.

ليس ذلك السؤال بالجديد، وقد حصل العلماء على فيض من جوائز نوبل على مر الأعوام نظير إجاباتهم عليه.

بعضهم وجد أجزاءً من الدنا غير مشفِّرة للبروتين أساسية لبقائنا. فمنذ أكثر من خمسين عامًا، أدرك فرانسوا جيكوب وزملاؤه أن الدنا غير المشفِّر للبروتين يحتوي على سلاسل — تُسمَّى عناصر منظمة — تعمل عمل مفتاح التشغيل بالنسبة إلى الجينات. فعندما تتشبث البروتينات أو جزيئات الرنا بتلك المفاتيح، يدب النشاط في الجين.

وقد عرف العلماء لعقود من الزمان أيضًا أنه في بعض الأحيان عندما تصنع الخلايا نسخة من الرنا، يمكنها استخدام تلك النسخة لأداء وظيفة مهمة دون أن تبالي بترجمتها إلى بروتين. فالريبوسوم — على سبيل المثال — عبارة عن تجمع من البروتينات وجزيئات الرنا. وقد نشر جورج بالاد ذلك الاكتشاف عام ١٩٥٥.

ومنذ ذلك الحين، تعمَّق العلماء أكثر وأكثر في دراسة أسلوب عمل العناصر المنظِّمة وسلاسل الرنا الفعالة. فكثير من جيناتنا لا يتحكم فيها مفتاح تشغيل واحد، وإنما قفل توافقي فعلي مكون من عناصر منظِّمة مختلفة. ويمكن لسلاسل الرنا أن تؤدي وظائف أكثر بكثير من مجرد العمل داخل الريبوسوم. فيمكنها — على سبيل المثال — كبح جينات أخرى عن طريق حبس النسخ المأخوذة منها.

ويمثل فهم السبعة والتسعين في المائة المتبقية من الجينوم تحديًا بالغًا وعمليًّا من الناحية الطبية في الآن ذاته. وفي وقت سابق من هذا العام، تعرَّف بعض العلماء — على سبيل المثال — على جين يحمل شفرة قطعة طويلة من الرنا يُدعَى PTCSC3 يكبح جماح السرطان في الغدة الدرقية.

ولكن طيلة تلك الفترة، كان العلماء يعرفون أنه ثمة أجزاء من الجينوم لا تؤدي مثل تلك الوظائف الحيوية. فقد اكتشفت باربرا مكلِنتوك في أربعينيات القرن العشرين أنه ثمة أجزاء من الجينوم قادرة على استنساخ نفسها يمكن أن تقحم نفسها بعد ذلك في موضع آخر من الدنا. واتضح أن جينومنا بمنزلة حديقة حيوان حقيقية تضم ما يُسمَّى «عناصر جوالة»، بما في ذلك الفيروسات العتيقة. في بعض الحالات، تستغل عملية التطور تلك العناصر الجوالة في أغراض نافعة. ولكن كثيرًا منها أصابته الطفرات إلى حد أن صار بلا وظيفة. فعلى سبيل المثال: نحو ثمانية في المائة من جينومنا مكون من الأشلاء المبعثرة لفيروسات ميتة.

وفي حين أن أساسيات الجينوم البشري اتضحت منذ عقود من الزمان، فقد ظلت تفاصيله مبهمة. واليوم أصبح العلماء يستخدمون أدوات أفضل في دراسة الجينوم. فصار بإمكانهم الآن التوصل إلى بعض القرائن بشأن أي قطعة بعينها من الدنا بالنظر إلى تسلسلها. وصار من الممكن التعرف على الجينات المشفِّرة للبروتين — على سبيل المثال — كما صار من الممكن معرفة ما إذا كان بها طفرات جعلتها ميتة وظيفيًّا (جين زائف).

ولكن لا مفر من العمل الشاق الذي ينطوي عليه علم الأحياء قديم الطراز: التحديق في الخلايا لمشاهدة ما يحدث داخلها. وعندما يُنعِم العلماء النظر فيها، يحتدم الجدل.

في عام ٢٠٠٨، كتبتُ في صحيفة «نيويورك تايمز» عن مشروع كان حديثًا آنذاك يُدعى «إنكود» (موسوعة عناصر الحمض النووي)، عكف في إطاره جيش صغير من العلماء على إنشاء موسوعة من المعلومات عن الجينوم كله، لا أجزائه المشفِّرة للبروتين فحسب. وفي العام الماضي، كشف فريق المشروع عن تحليلهم لتلك الموسوعة، فمرَّت بمسيرة الأبحاث الشهيرة التي تصل إلى الصحافة وتُلهم مقالات مبهرة ذات عناوين رئيسية مضللة وتعطي انطباعًا في نهاية المطاف بأن العلماء حتى الآن ظنوا أن كل ما يحويه الجينوم عدا الجينات المشفرة للبروتين هو «مهملات»، وأن مشروع إنكود أثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن نحو ثمانين في المائة من الجينوم يؤدي وظيفة ما.

ما أثبته العلماء فعليًّا كان أن الخلايا تنتج نسخًا من الرنا في جزء ضخم من الجينوم، وليس في الأجزاء المشفرة للبروتينات فحسب. ولاحظوا أيضًا أن البروتينات تمكنت من التشبث بتلك المناطق، مما يشير إلى أنها بمنزلة مفتاح تشغيل الجينات بالنسبة إلى الرنا. واختتموا تحليلهم بأن ذلك النوع من الأدلة يثبت أن ثمانين في المائة من الجينوم له «وظيفة كيميائية حيوية» (كتب جون تيمر تحليلًا جيدًا لملحمة إنكود على موقع آرس تكنيكا).

وقد واجه فريق مشروع إنكود عاصفة عاتية من النقد من باحثين آخرين؛ فكانت إحدى الشكاوى التي ترددت طويلًا هي أن مجرد وجود نسخة من الرنا لا يعني على الإطلاق أنها تؤدي أي وظيفة. فالخلايا قد تتسم بالإهمال، ومن ثم تطلق نسخ الرنا من الدنا عديم الجدوى، فتُدمَّر فورًا تلك القطع من الرنا المنسوخة على سبيل الخطأ.

وحتى تتفهموا مدى شدة النقد، تفقَّدوا الجزئية التالية من مقال نشره دان جراور وزملاء له في فبراير في مجلة «مليكيولار بيولوجي آند إيفولوشن»:

هنا نسرد بالتفصيل التجاوزات المنطقية والمنهجية المتعددة التي ينطوي عليها تعيين وظيفة لكل نيوكليوتيدة تقريبًا في الجينوم البشري. فقد تنبأ أحد مؤلفي موسوعة عناصر الحمض النووي بأن النتائج التي توصلت إليها ستستلزم إعادة كتابة الكتب الدراسية. نحن نتفق معه في ذلك، فكثير من الكتب في مجالات التسويق، وضجيج وسائل الإعلام، والعلاقات العامة، قد يلزم إعادة كتابتها فعلًا.

وقد انتابني الفضول حول كيفية سير العلماء بعد تلك النقطة، وكيفية تطور النقاش الدائر بشأن الجينوم. وقد نشر فريق من العلماء بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو بحثًا مثيرًا للاهتمام مؤخرًا يتعلق بتلك القضية في مجلة «بلوس جينيتيكس».

توصل الباحثون من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو إلى نتيجة مشابهة إلى حد كبير للنتيجة التي توصل إليها فريق مشروع إنكود. فقد حللوا قواعد بيانات مجمَّعة حديثًا للرنا الذي يُنتَج داخل خلايا من أنسجة مختلفة، ثم حددوا مقاطع الدنا التي تشفِّر الرنا، فوجدوا أن نحو ٨٥٪ من الجينوم يُنتِج نسخة واحدة على الأقل من الرنا في إحدي قواعد البيانات. وقال باحثو جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو إن تلك النتائج تؤيد نتيجة عمل مشروع إنكود.

ثم درس العلماء تلك النسخ بدقة ليعرفوا ما إذا كانت مجرد أخطاء ناتجة عن إهمال أم أنها تؤدي وظيفة ما، فركَّزوا على فئة واحدة من النسخ، تُعرَف بسلاسل الرنا الطويلة غير المشفرة بين الجينية، سنسميها هنا السلاسل الطويلة غير المشفرة للاختصار. ثمة عدد من العلماء عاكف على فهرسة تلك السلاسل الطويلة غير المشفرة منذ بضعة أعوام، ولكنهم لم يحددوا سوى بضعة آلاف بدا أنها تؤدي وظيفة ما. ففحص فريق جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو قواعد البيانات الجديدة المتاحة لهم بحثًا عن مزيد من السلاسل الطويلة غير المشفرة. فحددوا أولًا النسخ الطويلة، ثم نقَّحوا القائمة المتكونة بغية التخلص من الإيجابيات الخاطئة. فاستبعدوا السلاسل التي قد تكون جزءًا من جينات مشفِّرة للبروتين تمكنت من التسلل إلى قاعدة البيانات، على سبيل المثال. ومزجوا أيضًا مقاطع الدنا المتداخلة على نحو يشير إلى أنها أتت من جين واحد ضمن سلسلة الرنا الطويلة غير المشفرة بين الجينية.

ومن خلال عدِّ السلاسل الطويلة غير المشفرة المكتشَفة سلفًا، أحصى الباحثون في نهاية الأمر ٥٥ ألف جين غير مشفِّر محتمل. ثم نظر العلماء إلى كل من تلك الجينات المرشحة بحثًا عن قرائن تفيد أداءها لوظيفة معينة. فتمثلت إحدى القرائن في أن النسخ تنزع إلى الظهور في نوع واحد من الأنسجة. فتلك هي القاعدة بالنسبة إلى بروتينات عديدة، فالهيموجلوبين مفيد جدًّا للدم ولكنه غير مفيد للعيون.

وقد وجد العلماء أيضًا أن تلك السلاسل تحمل علامات مميزة تشير إلى أنها تعرضت للتشغيل ثم إيقاف التشغيل. فالدنا يكون ملتفًّا حول بكرات تُدعى الهستونات، وثمة بروتينات عالقة بالجينات التي تنتج عنها السلاسل الطويلة غير المشفرة المرشحة قادرة على فكِّ الدنا بحيث يمكن نسخه.

وجاءت قرينة أخرى عن طريق مقارنة جينات السلاسل الطويلة غير المشفرة لدى الإنسان بنظيرتها لدى أنواع الكائنات الأخرى. فإذا كان ثمة قطعة من الدنا لا تؤدي وظيفة معينة، فستكون عُرضةً لالتقاط الطفرات. ولمَّا كان الدنا لا يشفر شيئًا ذا أهمية، فلن تضره الطفرات.

أما في المقابل، فالطفرات التي تصيب الأجزاء الفعالة من الدنا يمكن أن تكون ذات آثار مدمرة. ففي تلك الحالات، ينبغي أن يمحوها الانتخاب الطبيعي على مدى ملايين السنين. وإن جينات السلاسل الطويلة غير المشفرة التي عثر عليها علماء جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو تشبه إلى حد كبير الصور الموجودة منها لدى الثدييات الأخرى. فيشير ذلك إلى أن عملية التطور حافظت على تلك الجينات، وإلى أنها تؤدي وظيفة ما.

فإذا اتضح فعلًا أن المرشحين الخمسة والخمسين ألفًا هم جينات حقيقية لسلاسل طويلة غير مشفرة، فإنها تفوق الجينات المشفرة للبروتين التقليدية عددًا بمُعامِل خمسة إلى واحد أو أكثر. إلا أن العلماء لا يدَّعون أنهم أثبتوا أنها جينات بصورة قاطعة؛ فهم ينظرون إلى الفهرس الذي وضعوه على أنه مجموعة من المرشحين الجديرين بالاختبار، فكتبوا: «آن أوان دخول تلك المادة المعتمة الخاصة بالجينوم البشري دائرة الضوء أكثر.»

وقد سألتُ بعض النقاد الصريحين لمشروع إنكود عن ذلك البحث الجديد، كي أعرف إن كان قد غيَّر رأيهم بشأن السبعة والتسعين في المائة المتبقية من الجينوم.

أظهر شون إدي — عالم الأحياء في مجمع بحوث جانيليا فارم — تشككًا عظيمًا في كل فهرس واسع النطاق من ذلك القبيل. فعندما ينظر إلى مثل ذلك الفهرس عن كثب، يجد كثيرًا من الإيجابيات الخاطئة؛ فيرى إدي أن العلماء — عوضًا عن الاكتفاء بإعداد قائمة بالجينات المحتملة — ينبغي أن يطبقوا بعض معايير مراقبة الجودة. فحري بهم أن يكونوا كمفتشي المصانع، وأن ينتقوا مجموعة عشوائية من المرشحين لاختبارهم. ولا يمكنهم أن يثقوا في الفهرس الذي وضعوه إلا إذا أثبتت التجارب المحكَّمة أن عناصره تسلك فعلًا مسلك الجينات الفعالة.

وبينما كان إدي يصب لنفسه القهوة ذات صباح، خطر له تشبيه لذلك النوع من الأبحاث؛ تشبيه كتب لي أنه «قد يكون الغرض منه التوضيح لا الحماقة»:

إن تناولت قطعة كبيرة من نص باللغة الإنجليزية وفرزتها بحثًا عن «مادة معتمة» مستحدثة (ميلاد كلمات جديدة!) باستبعاد أي كلمة ظهرت في القواميس، فستجد كلمات «مستحدثة» كثيرة فعلًا في عملية «الفرز فائق الإنتاجية»، وقد تشعر بالإثارة. ولكنك ما إن تنظر فعليًّا إلى عينة من النتيجة التي توصلت إليها، حتى تجد أنها كلها تقريبًا أشياء كانت بديهية عند التفكير فيها بأثر رجعي. فستقول: «آه نعم، هذه أرقام! آه نعم، تلك اختصارات! آه نعم، تلك ألفاظ أجنبية! آه نعم، ذاك اسم علم! آه نعم، أخطاء هجائية!» وستجد خمس فرضيات باطلة جديدة، أو تفسيرات بديلة «للكلمات المستحدثة» التي وجدتها؛ ومن ثم تعود وتراجع عملية الفرز حتى تستبعد تلك الفرضيات. وفي رأيي، كثير من الأبحاث المعنية بالسلاسل الطويلة غير المشفرة تفشل في القيام بدورها فيما يتعلق بالتدقيق (يدويًّا) في نتائج الفرز، ومن ثم تفشل في تطوير حدسها بشأن ضروب الفشل المتنوعة التي قد يقع فيها الفرز الحاسوبي فائق الإنتاجية.

وقد أتى لاري موران — أخصائي الكيمياء الحيوية بجامعة تورونتو والناقد الشرس لمشروع إنكود — بردٍّ مشابه، فكتب إليَّ قائلًا: «لنفترض أن سلاسل الرنا الخمسة والخمسين ألفًا تؤدي وظيفة ما؛ فإذا كان ذلك صحيحًا، فسيلزم إعادة كتابة كثير من الكتب الدراسية؛ لأنه ما من مختبر ضمن آلاف المختبرات التي درست التعبير الجيني طيلة العقود الخمسة الماضية وجد أي بادرة تشير إلى وجود ذلك القدر الهائل من التحكم والتنظيم من جانب سلاسل الرنا.»

وأشار موران أيضًا إلى أنه في حالات كثيرة، لم تنتج الجينات المفترضة سوى سلسلة واحدة طويلة غير مشفرة لكل خلية. فهو يرى أنه من قبيل الخيال الجامح أن يتصور اضطلاع سلسلة واحدة طويلة غير مشفرة بأي دور مهم في وجود الخلية. فالاحتمال الأكبر بكثير هو أنه مجرد مقطع من الدنا نَسَخته الخلية على سبيل الخطأ. فكتب موران الآتي: «إذا كان لا بد من وجود أكثر من ١٠ نسخ في الخلية فسينخفض عدد النسخ إلى ٤ آلاف. وإذا كان لا بد من وجود أكثر من ٣٠ نسخة في الخلية فلن يتبقى سوى ٩٥٠ سلسلة رنا فعالة مفترضة.»

ويشير كل من موران وإدي إلى أنه حتى إن كان باحثو جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو مصيبين، وكانت مقاطع الدنا الخمسة والخمسون ألفًا جينات حقيقية لسلاسل طويلة غير مشفرة مهمة، ففي الواقع لن يزيل ذلك الاكتشاف الكثير من الغموض الذي يكتنف الجينوم ككل. وقد عبَّر إدي عن ذلك الرأي كما يلي:

حتى إن افترضنا أن الخمسة والخمسين ألفًا كلهم نسخ رنا فعالة ومهمة حقًّا؛ فإن ٥٥٠٠٠ × ٢٠٠٠ متوسط صافي طول سلاسل الرنا الطويلة غير المشفرة بين الجينية المنسوخة = ١١٠ ميجا قاعدة؛ أي أقل من ٤٪ من الجينوم البشري. لذا فأنا أظن أن التساؤلات المتعلقة بتلك النُّسخ لا بد من فصلها عن مفهوم الدنا المهمَل؛ فإذا أثبت شخص ما فعلًا أن ثمة ٤٪ إضافية فعالة في الجينوم، فسيكون ذلك رائعًا، ولكن لا علاقة له بالتساؤلات المثارة حول الدنا المهمل، الذي يشكِّل معظم الجينوم.

وقد اتصلت باثنين من المشاركين في بحث جامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو طلبًا لردهم على تلك الانتقادات، ولكني لم أتلقَّ منهم ردًّا بعد. فما إن أتلقاه، حتى أضيف ردهم وأنشر إشعارًا على المدونة بأني أدخلت تحديثات على هذه المقالة. ويسرني أيضًا أن أسمع آراءً من الطرفين في خانة التعليقات أدناه.

تحديث بتاريخ ٢٢ / ٦: هذا ما قاله مايكل مكمانوس — أحد مؤلفي البحث الجديد المعني بالسلاسل الطويلة غير المشفرة — ردًّا على تساؤلاتي:

زيمر: حتى إن كانت النُّسخ الخمسة والخمسون ألفًا التي تعرفتم عليها كلها فعالة، فإنها لن تمثل سوى نسبة قليلة من الجينوم البشري. ولن يتطرق ذلك إلى المسألة الأكبر المتعلقة بما إذا كان «الدنا المهمل» النشط في عملية النَّسْخ ليس مهملًا.مكمانوس: نوافقك الرأي. وثمة نُسخ معبَّر عنها أكثر بكثير من تلك التي أدرجناها في الفهرس. فعندما لاحظنا أن الجينوم كله تقريبًا منسوخ، قررنا كخطوة أولى أن نركز على السلاسل الطويلة غير المشفرة فحسب، إلا أنه ثمة نسخ أخرى كثيرة لم نركز عليها في هذا البحث. بل إنه ثمة دراسة أدرجناها ضمن مراجع بحثنا تعمَّقت بشدة في تناول مناطق ضيقة للغاية بين الجينات يُعتقد أنها لا تضطلع بدور نشط في عملية النسخ، ولكنها وجدت كمًّا مربكًا من النسخ المعقدة المنظَّمة على مستويات بالغة الانخفاض في تلك المناطق. يثبت ذلك بوضوح أن ما وجدناه هو مجرد نقطة في بحر. إلا أنه ليس في وسعنا أن نميز بين النسخ الفعالة والنسخ غير الفعالة دون إجراء تجارب وظيفية، وتلك هي الجبهة التالية بداهةً من أجل تحديد مقدار المهمل أو غير المهمل ضمن ذلك «الدنا المهمل» النشط في عملية النسخ.زيمر: هل يمكن أن يكون ثمة تفسيرات بديلة لوجود تلك السلاسل؟ وهل يمكن أن تكون تلك الجينات المفترضة للسلاسل الطويلة غير المشفرة قِطعًا من جينات عادية مشفِّرة للبروتين في الواقع، أو إيجابيات خاطئة ناتجة عن طريقة تصميم التجربة؟مكمانوس: هذان مصدران محتملان لمؤشرات التعبير الخادعة، وقد عملنا بالفعل على تخفيف أثر الاحتمالين. فقد لاحظنا أن كثيرًا من الجينات المشروحة حاليًّا يمكن أن تمتد فعليًّا خارج مناطقها المشروحة عند استخدام بيانات تسلسل الرنا بغية تحليل مستويات التعبير، ومن ثم فقد أزلنا أي سلاسل طويلة غير مشفرة مفترضة تتجاوز أيًّا من تلك الهياكل الجينية الممتدة تجريبيًّا. وعقب ذلك التنقيح، وجدنا أن معظم السلاسل الطويلة غير المشفرة الواردة في فهرسنا بعيدة نسبيًّا (>٣٠ كيلو قاعدة) عن أقرب جين مشفر للبروتين. «ونشدد على أن فهرسنا لم يبلغ حد الكمال على الإطلاق ولكنه يمثل بالفعل مجموعة بيانات أكثر تنقيحًا يمكن أن يُخضعها الباحثون إلى مزيد من التقييم.» وفيما يتعلق بمصدر الخداع الثاني، فقد اتخذنا عدة خطوات بالفعل بغية الحد من احتمال تلوث الدنا الجينومي، وذلك منصوص عليه في جزء «الأساليب» من البحث. مرة أخرى، من الإنصاف أن نقول إنه في بعض الحالات النادرة، قد تكون بعض السلاسل الطويلة غير المشفرة التي اكتشفناها خادعة، وتستدعي الحاجة جمع مزيد من البيانات (قراءات أطول، ومزيد من التعمق في تحديد تسلسل الحمض النووي) من أجل تحقيق مزيد من الثقة في جميع السلاسل الطويلة غير المشفرة. ولهذا السبب، فإننا نعرِّف السلاسل الطويلة غير المشفرة في البحث على أنها «افتراضية»؛ إذ إنه يجب التأكد من صحتها بإجراء التجارب عليها يدويًّا بعناية فائقة. ويسري ذلك المسمى أيضًا على العدد الكبير من الجينات المشفرة للبروتين التي وردت في التقارير ولم تثبت صحتها.زيمر: هل يمكنك اختبار عشرين مرشحًا من السلاسل الطويلة غير المشفرة لمعرفة ما إذا كانت ليست مجرد ضوضاء؟مكمانوس: هذا صحيح من حيث المبدأ. فالتحقق يدويًّا من صحة السلاسل الطويلة غير المشفرة اتجاه مستقبلي مهم، وهو شرط أساسي لإجراء دراسات المتابعة الوظيفية. إلا أن البيانات المستمدة من عملية تحديد تسلسل الرنا صارت نهجًا مقبولًا على نطاق واسع لدراسة النُّسخ منخفضة التعبير كما أثبت العدد الكبير من الإصدارات التي استخدمت تلك التكنولوجيا.زيمر: يرى المعلقون أنه من المستبعد أن تتمكن السلاسل الطويلة غير المشفرة الموجودة بواقع بضع نسخ فحسب داخل الخلية من أن يكون لها وظيفة. فإذا استخدمت قَطْعًا مكونًا من ٣٠ نسخة في الخلية، لا يتبقى سوى ٩٥٠ سلسلة طويلة غير مشفرة.مكمانوس: نحن لم نؤكد فعالية السلاسل الطويلة غير المشفرة الموصوفة في الدراسة بأي قدر من التعميم، «بل إنه من الجائز تمامًا أن تكون السلاسل الطويلة غير المشفرة التي سجلناها، كلها تقريبًا غير فعالة.» (علامات التنصيص إضافة زيمر) وإضافةً إلى ذلك، فإننا مترددون حيال الدفع بادعاءات قوية تربط بين مستوى التعبير المنخفض والفعالية، مع اعتبار التقارير المفيدة بأن نُسخ السلاسل الطويلة غير المشفرة منخفضة المستوى فعالة (الأمثلة على ذلك هي: الرنا غير المشفر من قبيل HOTTIP وCCND1 وغيرهما). لذا فإن الخطوة الأولى المهمة من أجل تحديد أي السلاسل الطويلة غير المشفرة فعال هي وضع فهرس يتضمن السلاسل الطويلة غير المشفرة المفترضة من أجل إجراء دراسات المتابعة القائمة على الوظائف.

Listening to the Genome: Music or Noise? By Carl Zimmer. The Loom. June 21, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.