أما أن وزارتنا مهيبة رهيبة، فهذا شيء لا يحتمل الشك، ولا يأتيه الريب من أي ناحية من نواحيه. وكيف تشك في هيبة الوزارة أو ترتاب في أن الرهبة تصدر عنها كما يصدر الضوء عن الشمس واللهب عن النار؟ وهي قادرة على أن ترفع الجسور المنصوبة، ويقيم من حولها الجنود. فإذا استعصى عليها رفع الجسور حَصَّنَتْهَا تحصينًا، وأقامت عليها السيارات تأخذ عرضها وطولها ولا تدع سبيلًا للسالكين. حَدِّثْنِي كيف تستطيع أن تشك في الهيبة والرهبة إذا استطاعت الوزارة رفع الجسور التي ترفع، ومنع الجسور التي ليس إلى رفعها سبيل؟ ومتى رأيت وزارة ضعيفة ضئيلة الشأن تقوَى على رفع الجسور وأخذ الطرق؟ ومَنْ الذي يستطيع أن يزعُم أن الضعفاء يقدرون على رفع الأثقال؟ فالجسور ثقيلة من غير شك، ولا بد من جهد عنيف وبأس مخيف لتُرْفَعَ من أماكنها، وقوة وزارتنا ليست مقصورة على عضلاتها وأذرعها، وإنما هي قوة بالغة عريضة تتناول العقل، وتتناول الذكاء، وتتناول الحيلة؛ فتتمكن من حل المعضلات وإزالة المشكلات. وقد تَحَدَّثَ الناس أن في طريقٍ من الطُّرُق التي تؤدي إلى القليوبية جسرًا ثابتًا لا يتحول، ولا يتحرك، ولا يمكن أن يرفع، وكان من الممكن أن يتخذ رئيس الوفد وأصحابه هذه الطريق، وأن يعبروا على هذا الجسر الذي لا يمكن تحويله ولا رفعه. والغريب أن الوزارة قد قدرت هذا، وفطنت له وحسبت حسابه، وأقامت لرئيس الوفد وأصحابه الأَدِلَّة على أن الحديد بالحديد يفلح، وعلى أنهم إن كانوا ريحًا فقد لقوا إعصارًا. وعلى أنهم إن فكروا في أخذ هذه الطريق فإن الوزارة قد سبقتهم إلى التفكير وقطعت عليهم الطريق، وعلى أن الذكاء ليس مقصورًا على الشعب، وإنما هو نعمة من نعم الله يشيعها بين الشعب والوزراء، ولعله يختص بها الوزراء ثم يتفضل الوزراء فينزلون منها عن جزء يسير يهَبُونه للشعب؛ ليستطيع أن يعيش ويتصرف في شئون الحياة.

وكذلك أقامت الوزارة للمصريين وللأجانب الذين يرقبون المصريين دليلًا ساطعًا قاطعًا على أنها قوية ذكية، رفعت الجسر في طريق شبرا لأنه كان يرتفع، وأقامت على الجسر الآخر صفوفًا من السيارات أمامها ووراءها صفوف من الجند، ولم يبقَ شك في أن الدول الأوروبية قد عَرَفت أن مصر الآن أبعد منالًا من النجم، وأمنع من عقاب الجو، ولن تفكر منذ الآن دولة في الإغارة على مصر، أو الاعتداء عليها؛ لأن في مصر وزارة تعرف كيف تقطع الطرق على المُغِيرِينَ؛ فترفع الجسور إن كانت قابلة للرفع، وتسد الجسور إن كان رفعها عسيرًا أو مستحيلًا.

وكذلك ذاعت شهرة مصر في الآفاق، واستقرَّت هيبة مصر في القلوب، وتلقَّى الوزراء المفوَّضون درسًا قاسيًا، ولكنه ظريف، يعلمهم أن مصر ليست من هذه البلاد التي يطمع فيها الأجانب فينكروا على قاضي القضاة خُطبته، ويسعوا إلى رئيس الوزراء بالاحتجاج، وأصبح من المُحَقَّقِ أن المحاكم المختلطة سَتُلْغَى غدًا أو بعد غدٍ، وأن الامتيازات ستصبح حديثًا من الأحاديث، ولن يفكر وزير فرنسا في أن يسعى باحتجاج أو إنكار إلى رئيس الوزراء؛ لأن الوزارة ستأخذ عليه الطريق إلى دار الرياسة. ستقيم في كل الطرق التي توصل إلى مكتب الرجل الطيب صفوفًا من السيارات وراءها وأمامها صفوف من الجند. وسيُضطر وزير فرنسا إلى أن يعود محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطِع أن يبلغ الاحتجاج ويلقى رئيس الوزراء. كما عاد رئيس الوفد محزونًا كاسف البال؛ لأنه لم يستطع أن يخرج من القاهرة ولا أن يصل القليوبية. وكيف يخرج من القاهرة وقد رفعت الوزارة له جسرًا، وسدت عليه جسرًا آخر؟! وأكبر الظن أن الوزراء المفوضين سيلزمون القاهرة كلما هموا باحتجاج، وسيمتنعون عن الرياضة في الجزيرة أو أي مكان آخر يضطرهم إلى عبور النيل أو إلى عبور قناة من الأقنية. فمن يدري لعل الوزارة ترفع من دونهم الجسور، أو تسدها فلا يستطيعون إلى دورهم قفولًا؟

وعلى هذا النحو أراد الله أن تكون حياتنا لهوًا ولعبًا، وضحكًا وإغراقًا في الضحك، ولِمَ لا؟ أليس الناس على دين وزرائهم، فإذا لعب الحاكمون وَجَبَ أن يلعب المحكومون. وما دامت وزارتنا ترفع الجسور وتُحسِن رفعها؛ فلنضحك نحن للجسور المرفوعة، ولنُحسِن الضحك، وما دامت وزارتنا ترى أن أقصى ما تستطيع أن تصل إليه من القوة هو أن تأخذ الطريق على الناس حين يغدون ويروحون، ليعلم الناس أنها قوية وأنها ذكية؛ فلنؤمِّن نحن لها بالقوة والذكاء ولنُبَاهِ نحن بها الأمم والشعوب.

لا تكره الوزارة منا ذلك، ولا تكره منا أن نجربها فيه من حين إلى حين، فنحن حِراصٌ على أن تظل قوية ذكية وعلى ألا تنسى قوتها وذكاءها؛ وإذن فلا بد من أن تُقام الولائم، ويُدْعَىْ إليها الوفد والوفديون لتمنعها الوزارة، ولترفع في سبيلها جسورًا وتسد جسورًا أخرى.

وإذا كان من الحق أن نُشْعِرَ الأجانب بهيبة مصر؛ فإن من الحق أن نُضحك الأجانب ونسليهم بعض الشيء. وقد نضحكهم ونسليهم في الأوبرا إذا كان الليل، فلنضحكهم ولنسلِّهم في طريق شبرا وطريق المطرية إذا كان النهار. ذلك شيء تفرضه علينا الضيافة، وما امتزنا به من الكرم والجود. وإذا أَبَتِ الوزارة على المصريين أن يكرم بعضهم بعضًا، أو يضيف بعضهم بعضًا؛ فليس ينبغي لها أن تأبى على المصريين أن يُكرموا الأجانب ويضيفوهم، ويؤدوا إليهم واجب التسلية والتلهية؛ حتى تَحسُن سمعتنا، ويعلم الناس أننا أصحاب بأس، وأننا أصحاب رفق ولين، وأننا نخيف العدو، وأننا مع ذلك نضحكه ونلهيه.

وبعد، فهل نستطيع أن نفهم من تصرُّفات الوزارة منذ كان هذا العيد أنها قوية كما قال الرجل الطيب، وهل نستطيع أن نفهم من هذه التصرفات أنها ضعيفة كما نقول نحن. أما أنا فواثق بأن الوزارة قوية كما قال الرجل الطيب، وبأنها ضعيفة كما نقول.

قوية ما دامت تستطيع رفع الجسور وحشد الجند، وضعيفة ما دامت تحتاج إلى هذا لتمنع رجلًا أو رجالًا من أن يزوروا قرية من القرى، أو مدينة من المدن، أو إقليمًا من الأقاليم.

قوية لأنها تستطيع أن تخالف الدستور وتخرج على القانون، دون أن تُقَالَ وتوقَف أمام القضاء، وضعيفة لأنها لا تستطيع البقاء في مناصبها إلا بمخالفة القانون، والاعتداء على الحقوق والخروج على الدستور، والأمن من العقاب.

قوية لأنها تقول إنها قوية، وضعيفة لأنها لا تستطيع أن تثبت قوتها إلا إذا عاملت العاصمة معاملة المدن المحصورة، وأرغمت المصريين على أن يعيشوا عِيشة الأسرى لا ينتقلون إلا بمقدار، ولا يتحركون إلا في أماكن تُعَيَّنُ لهم تعيينًا.

وزارتنا قوية جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية. وزارتنا ضعيفة جدًّا، وآية ذلك أنها ردت رئيس الوفد عن القليوبية؛ لأنها لم تستطع ولن تستطيع أن ترد قلوب أهل القليوبية عن رئيس الوفد.

وزارتنا قوية جدًّا لأنها ما زالت تختلف إلى مكاتبها وإلى البرلمان. ووزارتنا ضعيفة جدًّا لأنها مُضطرة إلى الظلم والجور لتستطيع الاختلاف إلى مكاتبها وإلى البرلمان.

نعم وزارتنا قوية، ووزارتنا ضعيفة، والنظام الحاضر ثابت، والنظام الحاضر قَلِقٌ، والإنجليز يَرَوْنَ هذا كله ويعجبون بهذا كله، ويضحكون لهذا كله.

وما الذي يمنع الإنجليز من أن يضحكوا إذا أرادوا الضحك، وفي مصر قوم يأبون إلا أن يكونوا عندما يريد الإنجليز؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.