في مثل هذا الشهر من العام الماضي رأينا الأجواق التمثيلية تكد وتعمل، شاهدنا جوق أبيض في مسرحه الجديد، وجوق رشدي يعد الروايات، وجوق عزيز عيد يمشي إلى الكوميدي المصرية بأقدام ثابتة. ورأينا في مسارحنا العربية شبانًا أذكياء هجروا بيئتهم العلمية الأدبية إلى البيئة التمثيلية الفنية، فاطمأنَّ خاطرنا، وسكنت لوعة قلوبنا وقلنا: لقد آنَ للتمثيل أن يرقى إلى ذروة المجد بعد أن لبث حينًا من الدهر خامل الذكر لا يعبأ به أحد. لقد كان في عالم آخر ودنيا جديدة لم ترها النواظر قديمًا إلا في المنام. واليوم قد انقضى الحَوْلُ وانقضت بانقضائه حياة تلك الأجواق، لقد مات جوق عزيز عيد وأصبح أثرًا بعد عين، ولم يجد الرجل سبيلًا مصريًّا يسير فيه، فهجر المسرح المصري إلى المسرح الإفرنسي، ومات جوق رشدي، وعاد ممثلنا الكبير — أو كاد يعود — إلى المحاماة بعد أن خدم التمثيل عدة سنين قام فيها بواجبه، وسافر جوق أبيض إلى سوريا أو هو على أبواب السفر إليها، بعد أن تنحى عن سبيله القديم، واعتنق دين الأبريت بعد الدرام والكوميدي دراماتيك، وابتدأ ﺑ «صلاح الدين ومملكة أورشليم» تلك الرواية الكبيرة التي أصبحت اليوم أوبريت تحمل اسم «فتح بيت المقدس»، وهجر عبد القدوس وطليمات التمثيل، ووظف الأول في وزارة الأشغال، والثاني في مصلحة وقاية الحيوانات، وعمد بشارة يواكيم إلى الاشتغال بالريفو في الإسكندرية. إنه واللهِ لشديدٌ على نفوسنا أن نفقد في شهر واحد أبيض ورشدي وعيد وعبد القدوس وطليمات ويواكيم. إنه واللهِ لَشديدٌ على نفوسنا أن نغلق بأيدينا باب الروايات الفنية، ونهرع إلى ساحة ما يشابه قهاوي الرقص في الأزبكية. إنه واللهِ لَشديدٌ على نفوسنا أن يموت التمثيل في بلادنا، أستغفر الله بل أن نذبح التمثيل بيدنا بسكين حادة لا ينجو منها أحد.

نحن المخطئين، نحن الذين جنينا على الفن، فوداعًا للفن إلى الأبد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.