تركنا القراء في الكلمة الأخيرة التي كتبناها عن ذكرى السنة الخمسين للثورة العرابية، عند صدور الأمر بانتخاب مجلس شورى النواب. وقلنا إنه كانت بين الخديوي والضباط ومشايعيهم هدنة عقدها المستشرق الإنكليزي الشهير «بلنت» الذي أقنع الضباط والذين يؤيدونهم بأن يدعوا للمجلس الآتي تقرير الميزانية وإجابة طلبهم بزيادة الجيش؛ ليجد الضباط المحالين إلى الاستيداع عملًا.

وفي إبان هذه الهدنة أخذ المستر بلنت بكتابة بيان ضاف عن مطالب الوطنيين، وزخرف هذا البيان بلون الشعور الإنكليزي والعواطف الإنكليزية، وقد قال في مذكراته إنه كان يفعل ذلك بالاتفاق مع قنصل إنكلترا السير إدوارد مالت.

ولما أتم كتابة ذلك البيان، أو برنامج الوطنيين كما أسماه، عرضه على الشيخ محمد عبده وزعماء الوطنيين، فراجعوه ونقحوه، فأرسله إلى المستر غلادستون رئيس الوزارة الإنكليزية يومئذٍ، وإلى جريدة التيمس التي نشرته في أول يناير ١٨٨٢ مع رد المستر غلادستون عليه. وقبل أن تنشر التيمس ذلك البرنامج السياسي، وقع خلاف بين المستر بلنت والسير مالت؛ لأن السير مالت كان يود تعديل بعض العبارات وتغيير سواها، وتطلَّب ذلك انقضاء بعض الوقت في الأخذ والرد. وهذا هو السبب الذي دعا إلى تأخير نشر البرنامج الذي وُضع في أوائل ديسمبر إلى أوائل شهر يناير.

وبعد التعديل الذي أدخله مالت على البرنامج الذي كتبه بواسطة المستر بلنت، كتب الأول إلى حكومته في لندن يشكره ويقول لها في كتابته: «إن بلنت كان أكبر عون لي»، وإن «باستطاعته أن يؤدي في المستقبل الخدمات المهمة.»

والذي يؤخذ من الكتاب الأزرق الإنكليزي أن السير مالت كان واثقًا كل الوثوق باستحالة إيقاف تيار الحركة، فأخذ يحاول تسييرها في طريق الحكمة والصواب، وأن ذلك هو السر في اعتماده على مساعدة المستر بلنت؛ لما له من الصلات الوثيقة بالوطنيين.

أما الذين يرون أن إنكلترا هي التي خلقت الثورة وسيَّرتها حتى أفضت إلى الاحتلال الإنكليزي، فإنهم يجدون في ذلك البرهان القاطع والحجة الدامغة.

***

انتهت سنة ٨١ وحوادثها التي بسطناها بانتهاء شهر نوفمبر، ولكن بذور تلك السنة نبتت منذ شهر ديسمبر، وكبرت وتمت حتى انتهت بالثورة الدموية وبالاحتلال الإنكليزي في شهر يوليو.

وتلك الثورة — كما قال الوزير الفرنساوي فرسينه — هي ثمرة السياسة التي اتُّبعت في سنين متوالية، وأهمها سنة ١٨٧٦، وهو يريد ضغط أوروبا على مصر من أجل الدَّين وتعيينهم المراقبين والنظار الأوروبيين حتى شلوا الحكومة الوطنية وأغضبوا المصريين لأنفسهم وكرامتهم ومصلحتهم.

فهناك عاملان من عوامل الخراب والدمار سارا معًا ووصَّلا مصر إلى تلك النتيجة؛ الأول: مغالاة الأجانب وإغراقهم بالتدخل بشئون مصر وإدارة حكومتها، حتى أثاروا حفيظة الوطنيين وأمدوا الثوار بالحجة التي لا تُرد. والثاني: سلطة الخديوي التي ضعفت من وراء نزول الخديوي إسماعيل عن عرشه، وضاعف في ضعفها ضعف الخديوي توفيق. ولم يكن هناك من دواء ناجح غير الاتفاق التام بين الدول الكبيرة وإعلانها إرادتها الواحدة، ولكنهم بدلًا من ذلك تركوا الأمر لدولتين فقط؛ أي فرنسا وإنكلترا، ولم تكن هاتان الدولتان على اتفاق في نياتهما. وقد عرف الثوار ذلك، فاعتمدوا في تمردهم وثورتهم على هذا الخلاف، واستهانوا بسلطة حكومتهم بعد أن فعلوا ما فعلوا، ولم يحل بأحد منهم عقاب ولم يُطلب منه حساب. لهذه الأسباب كلها كانت الدول تتوقع تفاقم الحالة حتى يعجز الخديوي من معالجتها، وكان يخطر لبعضهم انتداب دولة تتولى الأمر في مصر بإخماد ثورتها كما فعلت فرنسا في سوريا في سنة ١٨٦٠.

لذلك أرسلت حكومة إيطاليا إلى سفيرها في لندن السنيور ماتشيني كتابًا تقول فيه: «إنها على اتفاق تام مع إنكلترا فيما جاء في مذكرتها إلى قنصلها في مصر بتاريخ ٤ نوفمبر — راجع الأهرام بعنوان ٥٠ سنة — والمنشورة في الوقائع المصرية في ١٥ نوفمبر، وقد تضمنت «أن حكومة إنكلترا لا تود إلا نجاح مصر الحرة ورقيها كما نظمتها الفرمانات السلطانية، وأنها تعتبر العلاقة التي تربطها بالباب العالي حرزًا كمينًا واقيًا من كل تدخُّل غريب. وهي لا تود أن نؤيد في منصب الوزارة وزراء يميلون إليها، ولكن الأمر الوحيد الذي يضطرها إلى التدخل بالشئون المصرية هو سقوط مصر في حالة الفوضى.»

ذلك ما وافقت عليه إيطاليا من مذكرة إنكلترا، ولكنها لاحظت أن الواقع الآن في مصر هو نتيجة الخلل في نظام الرقابة، وأن مشروع الإصلاح ينمو غدًا بسرعة أكبر على أساس أكثر توطيدًا إذا أشركوا به إيطاليا؛ لأنهم بذلك يصبغون العمل بصبغة التنزه عن المآرب والغايات.

وفي ٣ ديسمبر قدَّم هذا السفير مذكرة أخرى إلى الحكومة الإنكليزية، كرر فيها الطلب بأن تشترك إيطاليا مع فرنسا وإنكلترا؛ لأنها لا ترى نفسها أقل حقًّا «من فرنسا»، فتهربت إنكلترا من هذا الطلب.

***

وفي ٤ نوفمبر صدر الأمر الخديوي بانتخاب أعضاء مجلس شورى النواب طبقًا لأحكام النظام الذي وُضع في سنة ١٨٦٦، وفي البند السابع من القانون أنَّ عُمد البلاد ومشايخها يجتمعون في عاصمة المديرية لانتخاب النواب. أما في القاهرة والإسكندرية ودمياط، فإن الأعيان هم الذين ينتخبونهم. وكانت للأزهر الذي انضم شيوخه إلى الوطنيين اليد الطولى في نتيجة الانتخاب، فكان الفوز فيها مضمونًا للمرشحين الوطنيين لأسباب عديدة؛ أولها: أن الطبقة الوسطى من الأهالي — أي العمد والمشايخ — كانوا ساخطين لإلغاء المقابلة على نحو ما قلنا في كلمة سابقة.

والمقابلة هي إعفاء الأملاك العقارية من الضرائب والرسوم إلى الأبد، بعد أن دفع أصحابها مبلغًا كبيرًا، حتى قدَّروا الأموال التي دفعها أصحاب الأطيان ﺑ ١٧ مليونًا، فلم يُبقِ لهم منها قانون التصفية سوى ١٥٠ ألف جنيه في السنة لمدة ٥٠ سنة أولها ٦ يناير ١٨٨٠.

والثاني فوز الوطنيين بمظاهرة أول فبراير، وخلاصتها أن ناظر الجهادية عزل الميرالاي عبد الغفار قائد السواري، فذهب فريق من الضباط إلى رياض باشا رئيس النظار، وطلب عزل ناظر الجهادية فأحالهم على المحاكمة، ولكن ألايين من الجيش اقتحما قصر النيل وأنقذاهم، وطلب الضباط عزل ناظر الجهادية وتعيين محمود باشا سامي البارودي ناظرًا بدلًا منه، فعُين. ثم فوزهم بمظاهرة ٩ سبتمبر وقد حشدوا الجيش أمام سراي عابدين، وطلبوا عزل رياض باشا ودعوة مجلس النواب للاجتماع وزيادة عدد الجيش، ففازوا بما طلبوا، وذلك بعد أن أحالوا ثلاثة من الضباط للمحاكمة كما ذكرنا تفصيلًا في عدد سابق.

أضف إلى ما تقدم ميل المديرين إلى الوطنيين الذين ظهرت قوتهم ونفوذهم، فمالوا مع القوة والنفوذ.

وفي ديسمبر صدر أمر الخديوي بتعيين سلطان باشا رئيسًا للمجلس وسليمان باشا أباظة نائب رئيس.

ولما ظهرت نتيجة الانتخاب أرسل عرابي إلى محمود سامي باشا يطلب سقوط الوزارة؛ لتكون الوزارة من الغالبية كما هم يفعلون في أوروبا، فاستمهلوه إلى أن ينعقد المجلس.

***

انعقدت الجلسة الأولى في ٢٦ ديسمبر؛ أي بعد ثلاثة أيام من الموعد المضروب لعقدها، وكانت جلسات هذا المجلس سرية، فاطلع الناس على محاضرها بالجريدة الرسمية، وتلك المحاضر لم تكن تذاع كثيرًا بين الجمهور، ولا هي تصور الحالة تصويرًا صحيحًا. وقد جاء في خطاب العرش حث النواب على الاعتدال واحترام العهود الدولية التي قطعتها مصر، مؤكدًا في خطابه أنه كان يود عقد المجلس منذ تبوئه أريكة البلاد.

وفي الجلسة الأولى بعد جلسة الافتتاح ألقى شريف باشا خطابًا ضافيًا، وقدَّم للهيئة مشروع القانون النظامي: وهو الدستور، ولكن هذا المشروع لم يُرضِ الوطنيين؛ لأنه أعطى مجلس النظار حق وضع القوانين تاركًا للمجلس حق رفضها أو قبولها. أما المسئولية الوزارية، فلا تكون إلا عند مساس الحكومة بحقوق المجلس الذي له مقابل ذلك رقابة الموظفين ودرس الميزانية، إلا ما كان يتناول الاتفاقات الخاصة وقانون التصفية وسيادة الباب العالي والجزية، وإذا وقع خلاف بين المجلس والوزارة يحل الخديوي المجلس ويدعو المجلس الجديد للاجتماع بعد أربعة أشهر. وكل ما يقرره المجلس الجديد يكون نافذًا، ودورة العمل ثلاثة شهور مع جواز دعوة المجلس للانعقاد، ومدة النيابة أربع سنين، ومكافأة النائب مائة جنيه.

ووعد شريف باشا المجلس بتقديم مشروعين آخرين؛ أحدهما لإنشاء مجلس شورى للدولة، والثاني للانتخاب.

وسنرى غدًا كيف قوبل ذلك كله، ولكننا نقول إن عقد المجلس كان الشرارة الأولى لتطاير نار الثورة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.