لم يتحدَّث أحد عن خزي الفرنسيين في أعقاب الحرب العالمية الثانية كما تحدَّث عنه الكتاب الفرنسيون أنفسهم في هذه الكتب الكثيرة التي لا تكاد تُحصى، والتي ظهرت أثناء الحرب في أجزاء مختلفة من الأرض، فَرَّ إليها بعض الكُتَّاب الفرنسيين وفي فرنسا نفسها بعد أن وضعت الحرب أوزارها. ولا نعرف هيئة فرنسية برِئت من التعاون مع العدو أثناء الاحتلال الألماني. وقد أظهرت المحاكمات التي لم تنقضِ بعدُ أن هذا الخزي كان متغلغلًا في طبقات مختلفة من الشعب الفرنسي، شارك فيه ضباط كثيرون من أصحاب المراتب المختلفة في الجيش، وكان أحدهم يُحاكَم منذ أسبوعين اثنين، ووصمته المحكمة بإثم الخيانة ثم أعفته من العقوبة في نفس الحكم لسبب ما. وشارك فيه علماء ممتازون، كان من بينهم مدير لجامعة باريس أشفق من عواقب المحاكمة فقتل نفسه. وشارك فيه أعضاء من المجمع اللغوي أُخرِجوا منه بعد التحرير، وأعضاء آخرون من المجامع العلمية الأخرى، وكثير من رجال السياسة والحكم ومن زعماء الصناعة والتجارة ورءوس الأموال، ومن الكُتَّاب الصحفيين والكتاب والأدباء ومن الطبقات الشعبية الوسطى والطبقات الشعبية الدُّنْيَا. وقد لقي كثير من هؤلاء جزاءهم؛ فمنهم من حُكم عليه بالموت، ومنهم من أُهدرت شخصيته فحُرِمَ حقوقه السياسية والمدنية جميعًا، ومنهم من تلقَّى عقوبات أيسر من هذا قليلًا أو كثيرًا، وآخرون عاقبهم الشعب نفسه بغير محاكمة. قُتِلَ بعضهم ومُثِّلَ ببعضهم، وحُلقت رءوس كثير من النساء جهرة. وقد صُوِّرَ هذا كله في الكتب الفرنسية والأجنبية أيضًا. فما أكثر ما كتب الألمان من المذكرات التي سجلوا فيها ما رأوا من الأحداث أثناء إقامتهم في فرنسا أعوام الاحتلال! وسجلوا بين ذلك صورًا مخزية لألوان من التعاون وفنون من تملُّق المنهزمين للمتضررين، والتقرب إليهم من طرق مختلقة أقل ما توصف به أني لا أستطيع أن أذكرها في هذا الحديث.

وما أنسَ فلن أنسى ما قرأت في بعض هذه الكتب، من وصف حفلة عشاء أُقيمت في دور بعض الأغنياء من أهل باريس، دُعي إليها كثير من أعلام الباريسيين في الصناعة والتجارة والعلم والمال، وأقبلوا جميعًا مبتهجين لأنهم كانوا سيلقون في هذا العشاء قائدًا ألمانيًّا عظيمًا. وقد تأخر هذا القائد عن موعد العشاء شيئًا، فقالت ربة البيت وعلى ثغرها ابتسامة الرضا وعلى وجهها غشاوة من الفرح والمرح، يشيع فيها شيء من القلق اليسير، قالت: لا ننتظر الآن إلا قاهرنا الجميل. وأقبل القائد بعد قليل فحدث احتفال الناس له وإحاطتهم به وإقبالهم عليه وابتغاء الوسائل إلى أن يُلقي إليهم كلمة أو يسمع من بعضهم حديثًا.

كل ذلك قد كان، بل أكثر من ذلك وأشد منه خزيًا ونكرًا. وليس من شك في أن من الفرنسيين من أبى الهزيمة وقاوم الخزي، ولكن آخر من ينبغي أن يتحدث عن الهزيمة والاستسلام واستقبال العدو وتقديم المعونة له وابتغاء الوسيلة إليه، هم الفرنسيون الذين أنشأ هذا الخزي في نفوسهم عُقَدًا منكرة لا يستطيعون أن يخلصوا منها، وإلى هذه العقد التي أنشأها الخزي في نفوس الفرنسيين ترجع الحماقات الكثيرة التي تورطت فيها جمهوريتهم الرابعة.

فحرب الهند الصينية ليست إلا أثرًا من آثار هذه العقد، حاول الفرنسيون بها أن يكسبوا نصرًا يحررهم من خزي نفوسهم؛ فلم يكسبوا في تلك الحرب إلا خزيًا جديدًا أُضِيفَ إلى خزي قديم. وهذه الآثام البشعة التي اقترفوها — وما زالوا يقترفونها في شمال أفريقيا — ليست إلا أثرًا من آثار هذا الخزي. حاول الفرنسيون أن يجدوا في آثامهم هذه ما يحرِّر نفوسهم من خزي الضمائر، ويُشعروا أنفسهم أنهم ما زالوا كبارًا؛ فلم يكسبوا من هذه الآثام إلا خزيًا وعارًا يُضافان إلى ما عندهم من رأس مال ضخم من الخزي والعار. فهذه مراكش قد تحررت. وهذه تونس قد تحررت أيضًا بعد أن ذاق الفرنسيون فيها ألوان الضعة والهوان. وهذه الجزائر توشك أن تتحرر، ولا بد لها من أن تتحرر ومن أن تضيف إلى رأس المال الفرنسي من الخزي والعار. وهذه الجريمة التي اقترفتها فرنسا مع زميلتها في الإثم بريطانيا العظمى حين أقدمتا على غزو مصر ليست إلا أثرًا من آثار ذلك الخزي. حاول بها الفرنسيون أن يُشعروا أنفسهم بأنهم ما زالوا قادرين على أن يفتحوا الأرض ويقهروا الأمم ويتحكموا في الشعوب، فلم يجنوا منه إلا الهزيمة والخوف الذي يروع نفوسهم ويجري مع دمائهم ويضع أيديهم على قلوبهم؛ مخافة أن يصير لعبهم إلى جِدٍّ، وأن ينظروا ذات يوم فإذا هم متورِّطون في حرب أخرى مع أمة أقوى منهم قوة وأشد منهم بأسًا، وأقدر من الألمان على أن تحتل باريس وتفعل بها الأفاعيل ويُدعَى قادتها إلى الحفلات التي تُقام عند أصحاب رءوس الأموال. وهم لم يجنوا هذا كله فحسب، وإنما جنوا من جريمتهم هذه انحرافَ العالم عنهم، وازدراء الأمم المتحضرة لهم، وحكم هيئة الأمم المتحدة عليهم.

فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقوم رئيس وزرائهم مقامه ذاك في الحفل الذي دعاه إليه اتحاد الصحافة الإقليمية الفرنسية؛ فهذا بهذا الهذيان الذي تحدَّثت عنه الجمهورية أمس، وزعم فيه أن المصريين لم يطيقوا لقاء جنده وإنما فروا من هذا اللقاء.

فرَّ الضباط أولًا، وفرَّ الجنود ثانية، وأذعن شعب بورسعيد أخيرًا، وانتهى الأمر عند ذلك بسلام.

وإذن فما بال القناة لم تخلُص له ولشركائه في الإثم! وما بال مصر كلها لم تُقدِّم إليه الطاعة ولم تلتمس منه العفو والرضا! وما بال رئيس الجمهورية جمال عبد الناصر ما زال ثابتًا يسخر منه ومن شركائه ويتهيَّأ للقائه إن همَّ جيشه أن يتجاوز مكانه، وأطال المقام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.