لقد ظهرت في عالم المطبوعات العربية من نحو شهر رواية «سيرانو دي برجراك»، التي وضعها للتمثيل شعرًا راقيًا الشاعرُ الفرنسي العصري الكبير «إدمون روستان»، وحوَّلها إلى العربية قصةً نثرية شائقة الأديبُ المصري «مصطفى لطفي المنفلوطي».

وسيرانو بطل هذه القصة — هو كما وصفه العرب — شاعر فرنسي من شعراء القرن السابع عشر، نشأ غريبًا في أطواره وأخلاقه، منفردًا بصفات قل أن تجتمع لأحد من معاصريه، فكان جامعًا بين الشجاعة إلى درجة التهور، والخجل إلى درجة الضعف، وبين القسوة إلى معاقبة أعدائه على أصغر الهفوات، والرقة إلى البكاء على بؤس البائسين من أصدقائه وأبناء حرفته.

وكان كريمًا متلافًا لا يُبقي على شيء مما في يده، وعفيفًا لا يمد يده إلى مخلوق كائنًا من كان، وصريحًا لا يتردد لحظة واحدة في مجابهة صاحب العيب بعيبه، ولم يكن له من الأصدقاء إلا أفراد قلائل جدًّا يفهمون حقيقة نفسه وجوهرها، ويقدرونه قدره. وكان الخلق الغالب عليه بين جميع صفاته خلق العزة والأنفة، فكان شديد الاحتفاظ بكرامته، وكان لا يُرى في أقرب أوقاته إلا مبارزًا أو مناضلًا أو ثائرًا.

وكانت بليته العظمى في حياته ومنبع شقائه وبلائه أنه كان دميم الوجه، كبير الأنف جدًّا إلى درجة تلفت النظر وتستثير الدهشة، وكان يعلم ذلك من نفسه حق العلم، ويتألم بسببه تألمًا كثيرًا؛ لأنه كان عاشقًا لابنة عمه «روكسان» الشهيرة بجمالها النادر وذكائها الخارق. وكان يعتقد أن المرأة مهما سمَتْ أخلاقُها وجلَّت صفاتها لا يمكن أن تقع في أحبولة غرامية غير أحبولة الجمال، ولا تحفل بحسن غير حسن الصورة، فكان وهو أشجعُ الناس وأجرؤُهم وأعظمُهم مخاطرة وإقدامًا لا يجسر أن يفاتح حبيبته هذه في شأن حبِّه حياءً من نفسه وخجلًا.

ولقد أخلص في حبه لابنة عمه «روكسان» إخلاصًا لم يسمع بمثله في تاريخ الحب، فأحبها وهي لا تعلم بحبه، وتألم في سبيل ذلك الحب ألمًا شديدًا، وهي لا تشعر بألمه، وأحبَّت غيره، فلم يحقد، بل كان أكبر عونٍ لها على غرامها الذي اختارته لنفسها، ولم يلبث أن اتخذ حبيبها صديقًا له، وأخلص في مودته إخلاصًا عظيمًا، وأعانه على استمرار صلته بها، وبقاء حبه في قلبها؛ لأنه ما كان يهمه شيء في العالم سوى أن يراها سعيدة في حياتها، مغتبطة بحظها. وهذه كل سعادته في الحياة. ولم يزل هذا شأنه طول حياته حتى خرج من دنياه ولم تعلم «روكسان» سريرة نفسه إلا في الساعة الأخيرة التي لا يعني عندها العلم شيئًا.

هكذا ظل «سيرانو» يعمل بدافع من المروءة وشرف الوعد لإسعاد ابنة عمه ومن أحبته وهو يتهالك بين حبيبها وبين نفسه غمًّا وكمدًا؛ لأنه وهو ظامئ يقدم الكأس للشاربين وهو لا يذوق منها قطرة واحدة، رغم أن الحب الذي كان يسعد به الحبيبان كان من صنع يديه، وتدبير شهامته ومروءته.

ذلك هو ملخص القصة التي خلصها من أصلها الفرنسي التمثيلي الأستاذ لطفي المنفلوطي. ويسرني أن تُتداول بين أيدي الناشئين من القارئين والقارئات تلك الأقاصيص التي تصور أشخاصًا عظامًا، وتلقي في صفحاتها وفصولها المعاني الكبيرة، والمغازي الكبيرة، والقلوب الكبيرة.

وما من كتاب فيه رأي كبير وشعور كبير إلا نموذج صالح لا يلبث أن يخلع على القارئ مما فيه من جمال وكمال، وجدير بالأمم الناهضة أن تتفشاها النماذج الصالحة للأدب والكمال.

أي قارئ زكي القلب لا يتأثر وهو يسمع «سيرانو» يخاطب من أعماق قلبه صديقًا يغريه على ما يصطلحون عليه بحسن السياسة، بل قل — إن شئت —على بعض التفريط في الاستقلال، والتساهل في العزة: «أتريد أن أعتمد في حياتي على غيري، وأن أضع زمام نفسي في يد عظيم من العظماء، أو نبيل من النبلاء يكفيني مئونة عيشي، ويحمل عني هموم الحياة وأثقالها؟ أتريد أن أحمل نفسي على عاتقي كما يحمل الدلال سلعته، وأدور بها في أسواق النفاق والرياء مناديًا عليها: من منكم أيها الأغنياء والوزراء والعظماء وأصحاب السلطان يبتاع نفسًا بذمتها وضميرها؟ أتريد أن يكون لي لسانان: لسان كاذب أمدح به ذلك الذي اصطنعني، ولسان صادق أعدد به عيوبه؟»

عندما تقرأ مثل هذا الأدب الرائق لا تستطيع إلا أن تقول: مرحبًا لمن وضعوه، ولمن أذاعوه ونشروه. على ذلك قد أحسن السيد المنفلوطي في اختياره، واجتهد في عمله الاجتهاد المشكور.

جمعني مجلس ذات يوم مع صديقين أديبين: أحدهما يشتغل بنجاح في تعريب الروايات، والآخر أديب ممن يشتغلون بالنشر الصحفي والسياسي، وله مع السيد المنفلوطي صداقة، ودار بيننا جميعًا حديث بشأن تلك الرواية، فقال صاحباي: إن المُعَرِّب قد اقتحم سبيلًا وعرًا في نقله قصة «سيرانو»؛ إذ في بلاغة الأصل وخصائص الفرنسية وصناعاتها اللفظية واصطلاحاتها ما ليس في الطاقة نقله. وانتهى بهما الرأي إلى أن قصة كالتي نحن بصددها لا تنتقل من لغة إلى لغة إلا مشوهة معيبة النقل، فأشارك في القول بها صاحبي، على أنه لا ينبغي أن تكون صعوبة النقل عقبة في سبيل التعريب، وربما تحمد الجرأة في اقتحام الصعاب، لا سيما وقد أنعم الله على المنفلوطي بقلم بليغ، وأدب موفور، فلو أن تعريبه لا يؤدي لنا صورة كاملة من تلك البلاغة الفائقة إلا أنه يؤدي لنا منها صورة حية بقلم عربي مبين.

ولا تمر مثل هذه الروايات في الجماهير الراقية دون أن تثير حولها أحاديث، ودون أن تجعل من أبطالها موضعًا للسمر. إن الرواية المجيدة يقدمها الكاتب قصة تتلى ومناظر تتردد على المسارح، ولكن ذلك الكاتب يقدم الآراء للتحاجِّ باسم هؤلاء الأشخاص، كأن الكاتب يقول للقارئ: كن عند الفرصة المناسبة شخصًا من الأشخاص المحبوبة! تمثَّل دورك على مسرح الحياة الواسعة! قد يجود علينا كتابنا الوقت بعد الوقت بروايات فكيهة. وإننا نغشى دور التمثيل فنجدها لا تخلو من نسائنا ورجالنا. فهل هم يا ترى يجعلون من مشاهد التمثيل مواضع للحديث الرائق، والتفكير الدقيق، أم هي الأحاديث عندنا لا تدور إلا حول السياسة وخلافات الزعماء؟

شرنقاش

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.