هناك على شاطئ نهر المارن، فوق تلك البقعة الخضراء التي تفصلها عن باريس غابة فنسين، أقاموا ضيعة أطلقوا عليها اسم «توجان سيرمارن»، وفي هذه الضيعة الجميلة التي يحجبها ملتف الغياض، ويحفها ذلك النهر الهادئ، قضيت شهرين من حياتي الباريسية، شهرين كاملين مرَّا كما يمر الحلم العذب برأس النائم، شهرين كدت أنسى فيهما نفسي وأُكذِّب حسي، شهرين عاشرت فيهما الطبيعة الساكنة المنعشة بعيدًا عن ضوضاء باريس، ولباريس الشتاء، ولضواحيها الصيف.

ما أجمل تلك الأيام العذبة! وما أجمل تلك الغابة التي كنت أرتاد خلالها مع صديقي المصري يتبعنا كلبه «خرطوش»! وما أجمل ذلك الفضاء الشاسع، وتلك الحقول الخضراء، والزهور اليانعة، والسماء الصافية! وما أجمل المنزل الصغير الذي كنا نسكنه ونرى من نافذته نهر المارن تحفُّ شاطئيه تلك الأشجار الباسقة، والربى المخضلة!

كنا نخرج من المنزل بعد الفطور، ونسير على غير هدًى، ثم نعود لتناول الغذاء، وفي العصر نعيد الكرة، ثم نعود لدارنا الصغيرة وقد دجا جنح الظلام، فنجلس في غرفة الاستقبال مع ربَّة الدار وربِّه نتجاذب أطراف الحديث، فإذا دنا وقت العشاء أكلنا، ثم نأوي إلى غرفنا لننام.

وكان لربة الدار كلب أطلقت عليه اسم «سكر»، كلب قبيح الشكل، مقيت الطلعة، لا أعلم لماذا تحبه وتعطف عليه. كنت كلما نظرت إليه كرهت أن أعيد نظري لوجهه، ولم أر فيه تلك الشهامة التي يدفع بها عن صاحبه أذى اللصوص، ولم يكن من فصيلة معروفة من فصائل الكلاب؛ إذ للكلاب فصائل عديدة يعرفها الخبيرون. فسبحان ربي لماذا تحبه مدام بار؟ ربما كان ذلك لوداعته.

أما كلبنا خرطوش، فكان جميلًا وشجاعًا، وقد أجمع الخبيرون على أنه من فصيلة «البينتر» Pointer، وتلك الفصيلة مشهورة بما تأتي به من المدهشات في الصيد والقنص.

وكم من مرة استهوانا السمر، فكنا نجلس في الحديقة بعد العشاء نتحادث عن أشياء شتى، فإذا سقنا حديثنا إلى أنواع الكلاب هزئنا «بسكر»، وضحكنا ضحكة تتجسم فيها السخرية، فكانت تجيبنا ربة الدار: علام تضحكون؟ سكر هذا كلب أمين طيب الأخلاق، لم نسمع عنه أنه أذى طفلًا، أو تعدى على كلب آخر، إذا رأى أحدًا منكم أقبل عليه يبصبص بذنبه، ويمسح رأسه في يده. تكفيه منكم إشارة الرضى ليلقي بنفسه على الأرض فرحًا مسرورًا.

أما خرطوش هذا الذي تحبونه، فهو أقرب للشر منه للخير، أنا لا أنكر شجاعته، ولكني لا أحب (شرازته) التي تُسوِّل له إيذاء كل كلب ضعيف يلقاه في طريقه. حرام عليكم، يا ساداتي، أن تغضوا أنظاركم عن الكلب الوديع ذي القلب النقي، وتقبلوا بكليتكم على الكلب القوي المدغل.

فكنا نسمع أقوالها ونحن نبتسم، ومرت الأيام في هذه الدار الصغيرة ونحن عائشون في عيش خضل، مستسلمون للراحة والسكون، لا نسمع غير موسيقى الطيور، ولا نرى غير جمال الطبيعة؛ ففي ذات مرة، رأيت صديقي المصري مكفهر الوجه فسألته عن السبب، فقال: أين خرطوش؟ ألم تره اليوم؟

– كلا يا صديقي.

– أفٍّ لهذا الكلب الشقي! إنه حقًّا أظلم من حيَّة. لا أدري أين ذهب.

– لعله يجوب في طرقات الغابة.

– وإذا ضل الطريق؟

فقمت معه إلى الباب، وسرنا في طريق الغابة نبحث عن خرطوش، حتى كدَّنا المطاف، وتملكنا الإنضاء، فرجعنا أدراجنا إلى المنزل، وجلسنا آسفين، وإذا بخرطوش قد عاد إلينا، فقام صديقي إليه وهوى عليه بسوط كان في يده وهو يقول: «وإياك وترك المنزل أيها الكلب الشقي، ألا تخشى أن يسرقك سارق؟»

وانتهت هذه الحادثة، وقضينا بقية اليوم كالعادة، فلما روَّق الليل البهيم جلسنا في الحديقة نتسامر، فإذا بخرطوش قد هبَّ إلى ناحية الباب يريد الهروب إلى الغابة، فقام صاحبي وراءه ولحق به في الطريق، وتبعت صاحبي، فرأيته يُهوي بسوطه على جسد الكلب وهو يقول: «تريد إعادة الكرة يا خرطوش؟ هاك عقابك.» وإذا بسكر قد جاء على مهل ليرى ما حدث، فلما بصر بصديقه خرطوش يئن تحت السوط اقترب منه مبصبصًا بذنبه، وهاله مصاب صديقه فأخرج لسانه ومسح به دموع خرطوش، ولكن خرطوش آلمته شفقة صديقه الضعيف، فهجم عليه وصرعه على الأرض، وما زال يدق عنقه إلى أن قضى عليه، وعبثًا حاولنا فصله عن سكر.

لقد مات سكر، مات شهيد طيبته ووداعته، مات شهيد غدر صاحبه القوي، ذهب ضحية القوة، والحق للقوة في كل زمان ومكان.

وإذا بي أرى ربة الدار تمسح بيدها تلك الجثة الهامدة وهي تبكي وتقول: «لقد كان سكر طيب القلب من فاتحة أمره إلى خاتمة عمره.» وفي الصباح دفنا سكر في الحديقة تحت شجرة كبيرة كان من عادته أن يتفيأ ظلالها في الظهيرة، ونقشنا على ساق الشجرة هذه الكلمات:

هنا يرقد سكر الكلب الطيب شهيد المروءة والإخلاص.

لقد كنا نكره سكر في حياته، فإذا بنا نحبه ونجلُّه بعد مماته، لقد كنا نتغافل عن وداعته وطيبته، ونهزأ بذله وضعفه، ونقول: ليس هذا الكلب من فصيلة معروفة، فهو عديم الأصل، ولكننا نعتقد اليوم بعد أن قضى ذلك الشهيد أن الأصل لا دخل له في الطيبة، وأن مخلوقات الله سواء، ويا ليت شعري أليس الحال كذلك بين الناس؟

فعلام يكون الحق للقوة؟ وعلام تكون الطيبة والوداعة ضحية الظلم؟ ومتى ينقشع عن العالم الإنساني ذلك السحاب الأسود؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.