ستكتب التيمس غدًا أو بعد غدٍ أو في يوم من الأيام القريبة مقالًا رائعًا، تُهْدِي فيه إلى رئيس الوزراء أجمل الحمد وأحسن الثناء؛ لأنه يضبط الأمور في مصر أحسن ضبط، ويقر فيها النظام إقرارًا حازمًا عازمًا، يمنعه من أن يميل إلى يمين أو إلى شمال، ومن أن يتقدَّم إلى أمام أو يرجع إلى وراء، ويلزمه مكانًا بعينه لا يتجاوزه قيد أنملة إلى هذه الناحية أو تلك.

وستقول التيمس فيما تقول إن مما يثبت براعة رئيس الوزراء التي لا يشبهها براعة، ومهارته التي لا تدانيها مهارة، أن المصريين جميعًا يضيقون أشد الضيق بوجود الجنود البريطانيين في مصر، ويتحرَّقون أشد التحرق على أن يصبح الجلاء حقيقة واقعة، ولكنهم لا يستطيعون أن يجهروا بذلك مجتمعين، ولا أن يطلبوه في محفل من المحافل ولا في نادٍ من الأندية؛ لأن رئيس الوزراء يضبط الأمر، ويحفظ الأمن، ويقر النظام، ولا يبيح للمصريين إلَّا أن يطلبوا الجلاء فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، أو أن يطلبوا الجلاء همسًا حين يلقى بعضهم بعضًا، وحين يتحدث بعضهم إلى بعضٍ بشرط ألَّا يجتمعوا اجتماعًا يحظره القانون، وبشرط ألَّا يزيد عددهم عن المقدار الذي يحدده القانون.

وقد يبيح رئيس الوزراء للمصريين أن يطلبوا الجلاء بمقالات يكتبونها في الصحف، ولكن يجب أن تكون هذه المقالات هادئة وادعة معتدلة. وقد أعطاهم رئيس الوزراء درسًا في الكتابة الهادئة الوادعة المعتدلة بهذه المذكرة الرصينة المتينة التي أرسلها إلى وزارة الخارجية يطلب فيها المفاوضات.

فإذا كان المصريون يريدون الجلاء حقًّا، وكل شيء يدل على أنهم يريدونه ويحرصون عليه؛ فهم يستطيعون أن يطلبوا الجلاء في دعاء يُرفَع إلى السماء في أعقاب الصلوات، وهم يستطيعون أن يطلبوه في ضمائرهم ودخائل نفوسهم، وهم يستطيعون أن يطلبوه حين يتناجون فيما بينهم كما يتحدثون في الأشياء التي ينبغي أن يُخافت بها المتحدثون وألَّا يرفعوا بها أصواتهم إيثارًا للعافية واستبقاءً للحياة.

وستقول التيمس إن الوزير الذي يُوفَّق إلى تأديب شعب متحمس، وأخذه بألا يسعى في أمنيته الكبرى إلَّا في رفق، وفي ألَّا يطالب بها إلَّا على استحياء؛ هو الوزير الذي يجب على الإنجليز أن يثقوا به ويعتمدوا عليه، ويطمئنوا إلى أنه سيسلك بالمفاوضات طريقًا مأمونة ليس فيها عوج ولا التواء، طريقًا مأمونة لا تكتنفها المصاعب، ولا تقوم فيها العقاب.

فالمفاوضات إن احتاجت إلى شيء فإنما تحتاج إلى القصد والرفق، وإلى الريث والمهل، وإلى التحفظ والاحتياط. وكل هذه خصال لا سبيل إليها إذا لم يُضبَط الأمر، ولم يُحفَظ الأمن، ولم يستقر النظام، ولم يُكبَت الشعور في أعماق النفوس كبتًا. ولن يستطيع الوزير المصري أن يكون مفاوضًا لبقًا رشيقًا وبارعًا ورفيقًا إلَّا إذا سكتت من حوله الأصوات فلم تزعجه بالصياح، وإلَّا إذا استقرت من حوله الألسنة في الأفواه فلم تنغص عليه بهذا الغلط الذي لا يفيد.

والإنجليز يحبون المفاوضة على هذا النحو الهادئ المطمئن، ويحرصون على أن يكون الذين يفاوضونهم وادعين هادئين، لا تؤيدهم هذه الضمائر المضطربة والقلوب الملتهبة والنفوس المحترقة إلى الاستقلال.

وقد قال رئيس الوزراء للمصريين إن العناية الإلهية قد ألقت على عاتقه حقوقهم وآمالهم ومطالبها كلها، وإنه حفيٌّ بهذه الحقوق، حريصٌ على هذه الآمال، مُلِحٌّ في تحقيق هذه المطالب؛ فيجب على المصريين أن يصدقوا رئيس وزرائهم إذا قال. وليس المهم أن يثقوا به أو لا يثقوا، وإنما المهم أن يعلموا أن العناية الإلهية قد اختارته لينهض بمهمته، وقد أيَّدته بروح منها وأمدته بشرطة قوية في أيديها عصيٌّ غلاظ، تستطيع أن تهشم الرءوس وأن تحطم الأذرع والسُّوق، وفي أيديها أشياء أخرى قد تتجاوز تهشيم الرءوس وتحطيم الأذرع والسُّوق.

فإذا لم يأخذ المصريون أنفسهم بالهدوء والدعة استبقاءً للحياء واصطناعًا للأدب وتحليًا بما ينبغي أن يتحلى به المتحضرون، ورضا بما كتب القضاء وما أرادته العناية الإلهية؛ فهم سيأخذون أنفسهم بالهدوء والدعة إيثارًا للعافية، ورغبةً في السلامة، وضنًّا بالرءوس والأذرع والسُّوق أن تهشمها العصي الغلاظ، أو أن يصيبها أكثر مما تستطيع أن تنالها به العصي الغلاظ.

وستقول التيمس فيما تقول إن رئيس الوزراء قد أظهر البراعة كل البراعة والمهارة كل المهارة حين ضغط على المصريين حياءهم وأدبهم، فلم يظهرهم مظهر الذين يطالبون بالحق في وقاحة، وحين ضغط على المصريين حلوقهم أن يمزقها الهتاف، وحين ضغط على المصريين أجسامهم أن تهشمها العصيُّ الغلاظ. فهو قد أدى لوطنه خدمة سيسجلها له التاريخ وستعرفها له الأجيال المقبلة إذا لم تعرفه له الأجيال المصرية المعاصرة؛ لأن هذه الأجيال المعاصرة كافرة بالنعمة غامطة للحق منكرة للجميل.

وستقول التيمس فيما تقول إن رئيس الوزراء لم يتجاوز الحق قيد أصبع حين صرَّح في مجلس الشيوخ بأن حكومته تحفظ الأمن حق حفظه، وتضبط الأمر حق ضبطه، وهي إن عجزت عن منع الجرائم من أن تقع، فهي لا تعجز في كثيرٍ من الأحيان عن أخذ المجرمين بعد أن يقترفوا جرائمهم ويلطخوا أيديهم بدماء الأبرياء.

ومن الحق أن أخذ القاتل بعد أن قَتَل لا يرد الحياة إلى المقتول، ولا يرد الأمن والدعة إلى أولياء المقتول، ولكنه على كل حال أخذ للقاتل، ومنع له من أن يقتل مرة أخرى أو مرات. وهو من أجل ذلك حمايةً لبعض النفوس من أن تُزهَق، وصيانةً لبعض الدماء من أن تُراق، وحياطةً لبعض الأسر من أن تفقد عائليها.

ومن الحق أن اللصوص قد يعتدون على القُطُر وهي سائرة، فيغلون حماة البريد ويوسعونهم ضربًا وطعنًا، ويأخذون ما في أيديهم من المال كله أو بعضه.

ومن الحق أن هذا العمل بشع كل البشاعة، خطر كل الخطر، مثير للخوف، خليق أن يملأ قلوب الناس هلعًا، وأن يلقي في روع المسافرين أنهم معرضون للنهب والسلب، معرضون للطعن والضرب، وقد يُعرَّضون لما هو أشدُّ من ذلك خطرًا. كل هذا حق، ولكن في مهارة الشرطة وغرائز الكلاب التي تعين الشرطة على أخذ الجناة ما يملأ القلوب أمنًا واطمئنانًا ويشيع في النفوس ثقةً ورضى.

وستقول التيمس فيما تقول إن الحكمة الشرقية القديمة لم تصدق في يوم من الأيام كما تصدق في مصر الآن، فليس في الإمكان أبدع مما كان. ولم تعرف مصرُ قط منذ عرفت الوزارات في عصرها الحديث وزارةً أشدَّ ملاءمة لها من هذه الوزارة، ولا رئيسًا أقدر على حكمها وأمهر في ضبطها من رئيس الوزراء القائم بالأمر فيها الآن.

ومن الطبيعي أن تكتب التيمس هذا كله — وأكثر من هذا كله — في لفظٍ موجزٍ وأسلوبٍ ملتوٍ وعبارةٍ لولبيةٍ، فللإنجليز مذهبهم في التعبير كما أن لهم مذهبهم في التصور والتصوير. ولكن من المحقق أن هذا النحو من المعاني والخواطر هو الذي يضطرب في نفوس الصحفيين الأجانب الذين يرقبون شئون مصر عن كثب في هذه الأيام. وشئون مصر في هذه الأيام جديرة أن تُرقَب عن كثب؛ فهي غريبة حقًّا، وهي آيةٌ بيِّنةٌ على أن مصر قد كانت وما زالت ولن تزال بلد الأعاجيب. شعبٌ يطالب بالاستقلال الخارجي، ولكنه لا يستطيع أن يجهر بهذه المطالبة إلَّا في الحدود التي يرسمها له رئيس الوزراء. شعب يريد أن يلقي في روع الإنجليز أن لا مقام لهم في مصر، وأنهم إن قاموا فلن يجدوا من المصريين إلَّا عداءً وبغضًا وحقدًا يأكل القلوب ويفني النفوس ويفسد كل شيء، ولكنه لا يستطيع أن يقول لهم ذلك إلَّا في رقة وظُرف وفي عذوبة ولطف، كما يتحدث العاشق المتهالك الولهان إلى الحبيب الظالم المتجني؛ لأن رئيس الوزراء يؤدبه فيحسن تأديبه ويربيه فيحسن تربيته على أحدث مناهج البيداجوجيا.

شعب يريد أن يكون حرًّا بين الشعوب، وأن تكون له دولة مستقلة بين الدول المستقلة، ولكنه لا يكاد يملك من أمر نفسه شيئًا. يُؤمَر فيطيع، ويُدْعَى فيجيب، ويَفْرِض وزراؤه عليه ما لا يحب فيذعن لما يُفْرَض عليه، ويُقال له إنك شعب ديمقراطي فيصدِّق أنه شعب ديمقراطي، وإن لم يكن في حكمه من الديمقراطية شيء.

شعبٌ يُقال له إن العناية الإلهية قد اختارت لك رئيس الوزراء وكلفته أن ينهض بحقك ويتصرف في أمرك؛ فيصدِّق ذلك أو لا يصدِّقه، ولكنه يذعن له ويسكت عليه، ويُخلي بين رئيس الوزراء وبين النهوض بالحق والتصرف في الأمر تحقيقًا لاختيار العناية الإلهية.

شعبٌ تحكمه القلة، ويُقال له إن الكثرة هي التي تحكمك! شعبٌ يؤمن فيما بينه وبين نفسه بأن أمره ليس إليه، ويُقال له إن الذين يحكمونك هم الذين يمثلونك، فأمَّا أنت فلست إلَّا قلة قليلة ضئيلة لا تمثل شيئًا، فإما أن تذعن وإمَّا أن تتعرض لهول العصيِّ الغلاظ!

هذه هي شئون مصر التي يرقبها الصحفيون الأجانب من قريب أو من بعيد، ولكنهم يظهرون من أمرها لصحفهم ما يريدون أن يظهروا، ويخفون من أمرها على صحفهم ما يرون أن يخفوا.

وهذه هي شئون مصر التي يرقبها الصحفيون المصريون من قريب، ولكنهم بين رجلين: رجل يكذب على نفسه وعلى الناس، فلا يظهر من هذه الشئون شيئًا؛ لأنه ناعم في ظل هذا العهد السعيد، فلا يريد أن يُحرَم هذا النعيم، ورجلٌ يمشي على الشوك أو على البَيْض، يُريد أن يقول فلا يستطيع أن يقول؛ لأنه يخشى عواقب القول، وعواقب القول ثقيلة بغيضة مُرَّة في أكثر الأحيان.

وهذه هي شئون مصر التي تعرفها القلة الحاكمة، ولكنها تخفيها حتى على أنفسها إيثارًا للحكم واستبقاءً للسلطان، والتي تعرفها الكثرة المحكومة، ولكنها تتجرع مرارتها صابرةً خوفًا من العصيِّ الغلاط، أو مما هو شرٌّ من العصي الغلاظ.

ألم يأنِ لضمير هذه القلة أن يستيقظ، وأن يرى في نفسه مرآة نفسه، وأن يعرف أن حياة الأفراد لحظات، وأن حياة الشعوب لا تُعَدُّ بالأعوام وإنما تُعَدُّ بالقرون، وأن من الإثم الثقيل أن ينعم الفرد على حساب الشعب، وأن يقضي النفر القليلون مهما تكن كنايتهم في شئون الشعب، وهو شاهدٌ كالغائب وقريب كالبعيد؟!

ألم يأن لضمير هذه القلة أن يستيقظ، وأن يعلم أن ثناء الصحف الإنجليزية — مهما يكن عذبًا — فإنه لا يزن شيئًا بالقياس إلى أداء الواجب في نفسه، وإلى النهوض بالحق الوطني كما ينبغي النهوض بالحق الوطني.

ألم يأن للذين يريدون أن يفاوضوا الإنجليز أن يشعروا بأنهم ضعاف أمام الإنجليز إلَّا أن يؤيدهم الشعب جهرًا لا سرًّا، وفي الإعلان لا في الخفاء، وأن من حق مصر عليهم أن يرسلوا للشعب حريته ليقول ما يريد أن يقول، وليتصرف في أمره كما يريد أن يتصرف في أمره.

هل يعلم المفاوضون المصريون أن الشعب لا يفهم بحال من الأحوال كيف تكون المفاوضة في الجلاء؛ فإن الجلاء شيءٌ يجب أن يُقبَل أو أن يُرفَض، وإذا قُبِل فيجب أن يُقبَل بغير ثمن؛ لأنه حقٌّ طبيعي لمصر كالماء الذي نشربه والهواء الذي نتنفسه؟!

هل يعلم المفاوضون المصريون أن الشعب يؤمن — فيما بينه وبين نفسه — بأن المفاوضة في الجلاء لن يكون لها معنى إلَّا استبقاء الاحتلال على نحو من الأنحاء، أو النزول عن شيء من الاستقلال في سبيل هذا الجلاء؟!

ثم هل يعلم المفاوضون المصريون أن الشعب المصري لا يؤمن بأن من المحتوم عليه أن تكون بينه وبين البريطانيين معاهدة أو محالفة. لم ينزل بذلك الوحي ولم تفرضه طبيعة الأشياء، فإذا لم يكن بدٌّ من أن نحالف الإنجليز؛ فلنحالفهم أحرارًا بعد أن يخرجوا جنودهم من بلادنا، وبعد أن نثق بأننا نستطيع أن نرفض الحلف دون أن ندفع لهذا الرفض ثمنًا؟!

وأخيرًا، هل يعلم المفاوضون المصريون أن الشعب المصري يؤمن — فيما بينه وبين نفسه — بأن من حقِّه أن يحالف غير الإنجليز من الشعوب إن أراد، وأنه لن يصدِّق أنه ظفر بالاستقلال حقًّا إلَّا إذا استيقن بأنه يستطيع أن يحالف من يشاء متى شاء، إلَّا أن تُملَى عليه المحالفات إملاءً من هذا الشعب أو ذاك، ومن هذه الهيئة أو تلك؟!

كذلك يتصور الشعب استقلاله، وكذلك يتصور الشعب آماله. ولكن من أين لحكومته أن تشعر بما يضطرب في قلبه ويختلط بضميره إذا لم تُتِح له أن يكون حرًّا، يُعرب عما في نفسه دون أن يتعرض لهول العصيِّ الغلاظ، أو ما هو شرٌّ من العصيِّ الغلاظ؟!

ليصدِّقني رئيس الوزراء، إنَّ رضا مصر خيرٌ من رضا الإنجليز، وإن ثناء المصريين خيرٌ من ثناء جريدة التيمس، وإن رضا الضمير خيرٌ وأبقى من كل شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.