هذا الصيف يريد أن ينصرم، ويهم أن يمضي بقيظه المحرق وحرِّه المرهق وكسله الذي يكف النفوس عن النشاط، ويصد الأجسام عن العمل، ويفرض على الناس في مصر حياة خامدة هامدة، يحيونها كما يستطيعون لا كما يريدون. وهذا الخريف يريد أن يُقبل بنسيمه العذب الذي يردُّ الحياة إلى النفوس، والنشاط إلى الأجسام، ويحبب إلى العقول أن تفكر، وإلى القلوب أن تشعر، ويُتيح للناس أن يبتسموا للحياة، وأن يستقبلوها فَرِحين، بل مبتهجين لها، يصرفونها حسب حاجاتهم وإرادتهم، وحسب منافعهم ومآربهم. وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف؛ تهيأ الصبية والشباب للسعي إلى المدارس والاختلاف إلى الدروس في معاهد العلم على اختلافها متعلمين، وتهيَّأَت الأسر لما يقتضيه ابتداء العام الدراسي إنفاق المال ليُتاح للتلاميذ والطلاب أن يفرغوا للدرس والتحصيل، ومن إنفاق الجهد لكسب هذا المال وتدبيره وتوفير ما يحتاج إليه التلاميذ والطلاب من أداة وملبس وطعام ليكون فراغهم للدرس خصبًا وإقبالهم عليه منتجًا.

وإذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأَ الأساتذة والمعلمون للسعي إلى المدارس والمعاهد، يَلْقَوْنَ فيها هذه الأجيال الناشئة، فَيُلْقُونَ إليها تراث الأجيال الماضية، ويهيئونها لاستقبال الحياة في جِدٍّ وكَدٍّ، وفي ثقة وأمل، وعن بصيرة وخبرة وقدرة على قهر المصاعب واحتمال الخطوب.

إذا أدبر الصيف وأقبل الخريف تهيَّأ الماضي لينقل تراثه إلى المستقبل، وتهيَّأت الأمة لتجدد نفسها، وتهيأ الوطن ليستقبل ربيعًا جديدًا تشيع فيه الحياة، وتنشر فيه الثقة، وتبتسم فيه الآمال.

فهذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر، وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر هي أيام الموسم الرائع في حياة الأمة والوطن جميعًا. أيام الموسم الذي تنعقد به الآمال وتتعلق به الأماني، ويتهيأ فيه الجيل الجديد لتلَقِّي شعلة الحضارة من الجيل القديم على أنها أمانة ما ينبغي أن تحفظ كما هي، وإنما ينبغي أن تزكو وتنمو وتربو وتزداد بهجةً وجمالًا وتألُّقًا وإشراقًا. فمن حق الأمة أن تبتهج بهذه الأيام، وأن تتلقاها بقلوب فرحة ونفوس مرحة وضمائرَ مطمئنَّة إلى أنها قادرة على البقاء والنماء والخلود الذي لا خمول فيه ولا خمود. كذلك أتصور هذه الأيام الأخيرة من شهر سبتمبر وهذه الأيام الأولى من شهر أكتوبر. وكذلك ينبغي أن يتصوَّرَها المصريُّون جميعًا. ولكن أنظر فأرى هذه الأيام تُقبل شاحبة كئيبة، تُثقِلُها الهموم وتنوء بها الأحزان؛ لأننا لا نعرف للعلم حقه، ولا نقدِّر الرُّقِيَّ قدره، وإنما نستقبل فصل التعليم كما نستقبل غيره من فصول الحياة اليومية، لا نمنَحُه حَقَّهُ من الرِّضَى والابتهاج؛ لأننا لا نمنحه حقه من العناية والإكبار. فالكثرة الكثيرة من صبيتنا وشبابنا لا يحفلون بهذا الموسم لأنهم لا يشاركون فيه، قد حال الجهل والعجز بينهم وبين المدارس والمعاهد والجامعات؛ فهم مُقبِلُون على حياة حيوانية غليظة، لا رِقَّةَ فيها ولا لين، على حياة تمَس أجسامهم ولا تمس قلوبهم وعقولهم، على حياة تشبه حياة ما يسومون من الماشية وما يتعهدون من نبت الأرض. فموسم التعليم لا يعنيهم من قريب ولا بعيد، ولأن القلة القليلة من صبيتنا ومن شبابنا يُقبلون على هذا الموسم يريدون أن يبتهجوا به، ولكنه يكتئب لهم، ويريدون أن يتلقوه بالفرح والمرح، ولكنه يتلقاهم بالهَمِّ والحزن والكآبة والضيق. تصدهم المدارس والمعاهد عن أبوابها لأنها أضيق من أن تتسع لهم.

فبعضهم يريد أن يتعلم فيرده ضِيق المدارس إلى الجهل. وبعضهم يريد أن يتزيَّد من التعليم فيَضطره ضيق المعاهد إلى أن يقف حيث انتهى به الشوط. وبعضهم يطمح في ارتفاع الذكر ونباهة القدر فيرده ضيق المدارس والمعاهد إلى الخمول والجمود، والرضى بما قُسِم له من هذه الحياة التي لا تغني عن أصحابها شيئًا. والأُسَر تشارك أبناءها في هذا الهم المُمِض، وتحمل معهم همومًا ممضة أخرى، فليس كل الناس قادرًا على أن يوفر لصِبْيَتِه وشبابه ما يحتاجون إليه من المال ليشتروا العلم من حيث يُباع، أو ليتلقَّوْه بالمُجَّان إن أتاحت درجاتهم أن يتلقوه بالمجان.

فهذا الموسم الذي حقُّه أن يكون عيدًا تملؤه البهجة والغبطة والرضى والأمل، يستقبله الصبية والشباب عندنا بالنفوس الكئيبة والقلوب الوَجِلة، ويستقبله الآباء والأمهات بالحزن المبرح والهم الثقيل، وتستقبله وزارة المعارف بهذا النشاط المجدب الذي لا يغني عنها ولا عن الناس شيئًا. ولا يمكن أن يُشَبَّه إلَّا بالقطار الذي يملأ الجو من حوله ضجيجًا وعجيجًا وصفيرًا وزحيرًا، ولكنه لا يتقدم شِبْرًا إلى أمام، وإنما يضطرب مكانه فيكون مصدر إقلاق وإزعاج لا مصدر شيء آخر.

هذه الألوف المؤلَّفة من الشباب الذين ظفِروا بالشهادة الثانوية لا يجدون أماكنَ في الجامعات، وهذه الألوف المؤلَّفة من الصبية الذين ظفروا بالشهادة الابتدائية لا يجدون أماكن في المدارس الثانوية. ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على الديوان ويروحون إلى بيوتهم، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن، ينقُضُون بين ذلك ويبرِمُون، ويختصمون فيما بينهم ثم يصطلحون، يختلفون ثم يأتلفون. والصبية والشباب لا يجِدُون أماكن في المدارس ولا في الجامعات. وهَبْهُم وجدوا الأماكِنَ واستقروا فيها وتهيَّئوا للدرس، واطمأن أباؤهم وأمهاتهم، فإن الوطن لن يطمئن، ولا ينبغي له أن يطمئن؛ لأن هؤلاء الصبية والشباب لن يتعلموا كما ينبغي لهم أن يتعلموا، يحُول بينهم وبين ذلك حائل خطير كل الخطورة، هو أن المعلم ليس منشرح الصدر للتعليم، وليس فارغ البال للعلم، وليس موفور النشاط للدرس، وليس خالص القلب للطلاب والتلاميذ. يشغَلُه عن هذا كله أن له أسرة ينبغي أن تعيش هادئة مطمئنَّة، ولم تُيسَّر لها أسباب الحياة الهادئة المطمئنة. يشغله عن ذلك أن له بنات وبنين يريدون أن يتعلَّموا، وقد تقطعت بهم الأسباب. لم يظفروا بالدرجات التي تُعفِيهم من أجور التعليم، ولم يظفر أبوهم بالمرتب الذي يتيح له أن يؤدي عنهم أجور التعليم، بل لم يظفر بالمرتب الذي يتيح له أن يطعمهم ويكسوهم ويحميهم من آفات المرض والبؤس والجوع. فهو يُقبل على هذا الموسم كارهًا له، ضيقًا به، ساخطًا عليه. وإذا أقبل المعلم على التعليم كارهًا، فلا تنتظر منه خيرًا. وإذا لم تنتظر من المعلم خيرًا، فلا تنتظر من تلاميذه خيرًا. وإذا لم تنتظر خيرًا من المعلمين والمتعلمين، فلا تَشُكَّ في أن الأمة تضيع أجيالها، وتبدد تراثها، وتقضي على نفسها بالخمود والهوان.

ورجال التعليم في وزارة المعارف يفِدون على ديوانهم إذا أصبحوا ويروحون إلى بيوتهم إذا أمسَوْا، يأمُرُون بين ذلك وينهَوْن ويختصمُون ويصطلحُون ويختلفُون ويأتلفُون، ولا يُغْنُونَ عن أنفسهم ولا عن الناس شيئًا. ولو قد قدَّرت وزارة المعارف التعليم حق قدره، وعرَفت لمستقبل الشعب ما ينبغي من العناية به والرعاية له؛ لاستقبل المعلمون والمتعلمون هذا الموسم الوطني العظيم بقلوبٍ يملؤها الرضا، ونفوسٍ تملؤها الغبطة، وضمائرَ يملؤها الاطمئنان، ونشاطٍ خصب ينبئ الشعب بأن مستقبله سيكون خيرًا من ماضيه، وبأن أبناءه سيكونون خيرًا من آبائهم، وبأن الوطن سيزداد على مر الزمن قوة وعزة ورقيًّا وازدهارًا.

إن أخبار مصر لتصل إليَّ في هذه القرية المنقطعة النائية التي أَوَيْتُ إليها في قمة من قمم الألب، فتملأ نفسي حزنًا وكآبةً، وتمزِّق قلبي لوعةً وحسرةً. وزير المعارف مشغول بحماية التقاليد عن حماية التعليم، ووكلاء يختصمون فيما بينهم أيُّهم تكون له الكلمة النافذة والأمر المطاع، والصِّبْية والشباب لا يجدون الأماكن في المدارس، والجامعات والمعلمون لا يجدون ما ينفقون، وهم يجأرون بالشكاة، ولا يجدون لشكاتهم سميعًا. والأحزاب المؤتلفة تختصم في توزيع الدوائر، وفي أجَل مجلس النوَّاب أيقصر أم يطول.

ليصدِّقني رئيس الوزراء — وهو الرجل الذي أعرف فيه الوطنية الصادقة والإخلاص الصحيح — أن أمته تتعرض لخطر أشد هولًا من اختلاف الأحزاب بعد ائتلافها، وهذا الخطر يأتي من عجز وزارة المعارف عن النهوض بما ينبغي للتعليم من العناية والرعاية والاحتفال. لن يغني عن مصر شيئًا ألَّا يسافر الفتيات إلى أوروبا، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تُلغى في المدارس دروس الموسيقى والرقص التوقيعي، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تنفَّذ كلمة هذا الوكيل من وكلاء الوزارة أو ذاك، ولن يغني عن مصر شيئًا أن تأتلف الأحزاب أو تختلف إذا تعرضت أجيالها الناشئة لهذا الشر المستطير، فدُفِعت إلى الجهل من حيث تسعى إلى العلم.

ليصدِّقني رئيس الوزراء وزملاؤه المؤتلفون أن من الحق عليهم جميعًا أن يمنحوا التعليم والمعلمين والمتعلمين شيئًا من عنايتهم واحتفالهم. فليس منهم من يرضى إذا خلا إلى نفسه أن تكون مصر لُقْمَةً سائغة لكل جائع من الأمم المستعمِرة. وإذا مضَيْنا في إهمال شئون التعليم على النحو الذي مضينا عليه إلى الآن؛ فلن يكون لمصر بدٌّ من هذا المصير.

وقى الله مصر كل مكروه، وجنَّبها شر العاديات، وأتاح لها مواسم تعليمية يتفوق فيها الابتسام على العبوس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.