صديقي ويل موريل الذكيُّ الساخر كان أول شخص عرفتُه في حياتي يكسب عيشه من الكمبيوتر. بعدما تخرَّجنا في الكلية ببضعة أعوام، حصل على وظيفة في نيويورك كمصمِّم رقاقات معالج الإشارة الرقمي لأجهزة لعبة الكرة والدبابيس، وأقام معي شهرين. أثناء إقامته معي، أقنعني بالتخلِّي عن عملي في التمثيل المسرحي مقابل إيجاد سبيل للتكسُّب عبر الإنترنت، واتضح أن تلك المحادثة كانت إحدى أهم المحادثات في حياتي، ولكن لن يتسنَّى لي أبدًا أن أشكره كما ينبغي؛ فقد انتحر منذ بضعة أعوام!

أعملُ بالتدريس في جامعة نيويورك، حيث قرَّر أربعة طلاب في الآونة الأخيرة أن العالَم بحاجة إلى بديل لموقع فيسبوك يكون أكثر احترامًا للخصوصية، وأسفرت جهودهم عن مشروع دياسبورا الذي كان يبدو تحقيقه مُستبعَدًا إلى أقصى حد. فكان المتوقع ألَّا يحظى ذلك المشروع بأدنى فرصة للنجاح، ولكن اتضح أنه تجربة مثيرة للاهتمام، ويُعزَى ذاك النجاح بدرجة كبيرة إلى إيليا زيتومِرسكي الذي وُصِف في صفحته على ويكيبيديا بأنه «أكثر أعضاء المجموعة مثاليةً ووعيًا بضرورة احترام الخصوصية.» وقد انتحر إيليا منذ ما يزيد قليلًا عن العام!

وهناك أيضًا آرون سوارتز.

أثار انتحارُ آرون سخطًا سياسيًّا من النوع الذي اهتمَّ به آرون — كما قالت تارِن ستاينبريكنر-كاوفمان في الكلمة المؤثرة الجميلة التي ألقتها في حفل تأبينه: «كان آرون ليحب أن يكون حاضرًا هنا، وعلى الذين يهتمون بالأمور التي كان آرون مهتمًّا بها أن يجتهدوا أكثر في دعم الثقافة المفتوحة والتدفق الحرِّ للمعلومات، بعد أن رحل عن عالمنا.»

ولكن ثمة شيئًا آخَر علينا القيام به؛ علينا أن نرعى الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب في مجتمعنا.

الانتحار ليس عسيرًا على الفهم، ليس على الصعيد الفكري على أي حال. فهو — مثلما قال جيف آتوود — أقصى حالات الانسحاب الساخط. ولكن بالنسبة إلى معظمنا، يصعب فهم الانتحار على الصعيد العاطفي.

لقد أمضيتُ — لأسباب عِدَّة — وقتًا طويلًا برفقة أشخاص معرَّضين لخطر الانتحار، ومن ثَمَّ صرتُ دارِسًا هاويًا لذلك الخيار. عندما بدأت أقرأ في ذلك الموضوع، كنتُ أخاله المحطة الأخيرة على طريق حافل بالتوترات والاضطرابات؛ أي إنه عندما تسوء الأوضاع يشعر الناس بالمعاناة، وعندما تتردَّى الأوضاع، ينهون حياتهم بأيديهم.

لكني عرفت أن تلك الرؤية خاطئة. فالانتحار ليس ردَّ فعلٍ مبالغًا فيه لمصائب الدهر، تمامًا مثلما أنَّ الاكتئاب ليس مجرد حالة من الحزن المفرط. فمعظمنا لن يُقدِم على قتل نفسه، مهما ساءت الأوضاع. لكن القاسم المشترك بين الأشخاص الذين يُقدِمون على الانتحار هو ميولهم الانتحارية.

قد تُغْرِينا فكرةُ تركيز اهتمامنا على الأسباب المباشرة، منها أن إيليا انتحر بسبب ضغوط إدارة شركة ناشئة، بينما انتحر آرون بسبب هيئة ادعاء جامحة. تلك أسباب مباشِرة «فعلًا»؛ فلولا ملاحقة ستيفن هايمان وكارمن أورتيز لآرون، ما شنق نفسه منذ أسبوعين. كان لديه مُحِبُّون في كل حدب وصوب، ولكن نظرًا للظروف التي كان يمر بها لم يكن ذلك كافيًا.

ولكن الانتحار لا يمكن تفسيره بالأسباب المباشِرة فقط؛ فقد دمَّر بيرني مادوف أصدقاءه وعائلته، وحوَّل اسمه إلى سُبَّة في كل مجموعة كان عضوًا فيها، وها هو جالس — في زنزانة بالسجن يكاد يكون من المؤكَّد أنه سوف يموت بها — يكتب رسائل إلى العالم الخارجي عن حالة النظام المالي. لم يقتل مادوف نفسه لأنه ليس من نوع الأشخاص الذين يمكن أن يقتلوا أنفسهم.

إن أسباب انتحار شخص ما في لحظة بعينها ليست هي مجمل الأسباب التي أدَّتْ إلى انتحاره، وفي كثير من الأحيان لا تكون تلك هي أهم الأسباب من الأساس. لا أحد يروق له هذا الجزء من التفسير؛ فهو يزيد بشاعةَ حدثٍ فائقِ البشاعة أصلًا؛ لأنه يجعله غير قابل للتفسير. معظمنا — حتى مع رغبتنا في أن تنشقَّ الأرض وتبتلعنا من حين لآخَر — يمكنه أن يتعاطف مع الناس، ولكننا لا نشعر أبدًا بمعاناتهم فعليًّا.

ثمة ثقافة سائدة بين بعض مرتادي موقع فور تشان مفادها الاحتفاء بالأشخاص المنتحرين، ولكن ثمة رسالة كثيرًا ما تُنسَخ وتُلصَق على تلك الصفحات، مفاد فقرتها الرئيسية الآتي:

فبدلًا من أن تُنهِي حياتك، لماذا لا تغادر بحق السماء؟ غادر القبو، غادر منزلك، غادر هذا البلد اللعين. اذهب في مغامرة. أمضِ وقتك في فعل شيء رائع، مثل تعقُّب بعض الإرهابيين. لتكن جيمس بوند. فَلْتصطَد سمكة قرش برمح صيد. خطر؟! سحقًا للخطر! كان احتمال موتك يعادل ١٠٠٪ من قبلُ، أتؤثر السلامة الآن؟! فَلْيذهب «كل شيء» إلى الجحيم، يا رجل، فالعالم بين يديك.

تلك رسالة مفعمة بالحماس وكذلك الجهل! فهي كمعظم أجزاء الموقع، نسخة مراهقة من مقولة: «الحرية ما هي إلا مرادف لعدم وجود شيء تخسره.» حيث تكون اللامبالاة مقدِّمَةً لخوض مغامرات ممتازة.

ولكن اللامبالاة ليس معناها الاستسلام للأشياء التي تعطِّل تقدُّمك. فاللامبالاة — اليأس الحقيقي — معناها الاستسلام، ولا شيء آخَر.

والعلامات التحذيرية معروفة، منها: الانطواء المستمر، والتقلبات المزاجية، ومحاولات الانتحار السابقة أو حدوث حالات انتحار في محيط الأسرة، والحديث عن الانتحار، ومحو الذات. الجمعية الأمريكية لعلم الانتحار لديها موجز جيد لتلك العلامات. ليس ثمة قائمة مرجعية تامة، ولكننا نُحسِن التعرُّفَ على العلامات بصفة عامة أكثر مما نُحسِن التصرف بشأنها في حالات بعينها. اسأل نفسك: «مَن يمكن أن يحزنني نبأ انتحاره، لكنه لن يفاجئني؟»

والاستجابات المفيدة معروفة أيضًا. مُدَّ إليهم يدَ العون، واسأل عنهم، واستمع إليهم، وخذ الذكر العابر للانتحار من جانبهم على محمل الجد. كُنْ مثابرًا في السؤال عنهم. لا تحاول أن تعالج أحدًا أو تصلحه؛ فهذا يتجاوز حدود مقدرتك. قل لهم إنك مهتمٌّ بهم فحسب، وأَرْشِدْهم إلى الجهات المتخصصة؛ فموقع ويكيبيديا به قائمة بخطوط الاتصال المباشرة المختصة بالوقاية من الانتحار، والتي يتم التحدث فيها بالإنجليزية. وموقع هيلب جايد يقدِّم نظرة عامة مفيدة على ما نعرفه عن الوقاية بصفة عامة، وكيفية مساعدة الأشخاص الذين يُحتمَل أن يكونوا ذوي ميول انتحارية.

علينا أن نخلِّد ذكرى آرون بدعم الثقافة الحرة، والحد من تجاوزات الادعاء في المحاكمات. إلا أنه علينا أن نخلِّد ذكرى آرون برعاية بعضنا البعض أيضًا، فمجتمعنا يرحب بشكل غير عادي بمساعدة الأشخاص المعرَّضين للخطر بشكل مفرط، ونحن لدينا القدرة على العمل معًا حتى دون وجود علاقات اجتماعية وثيقة تربطنا. فموقع جيت هاب ممتاز لتوزيع المشاركة بين الناس، لكنه لا يصلح لمتابعة كيف يعيش كلٌّ منهم حياته.

علينا أن نخلِّد ذكرى آرون بالتفكير في الأشخاص المعرَّضين لخطر الموت مثله من بيننا، فمعظمهم لن يكونوا شهداء، معظمهم سيكونون مثل إيليا وويل، إلا أن موتهم لن يقل عن موته بشاعةً. وإننا — كما في كل قضية دافَعَ عنها آرون — نعلم كيف نعالج تلك المشكلة، فما يلزمنا هو إرادة العمل.

Remembering Aaron by Taking Care of Each Other by Clay Shirky. Clay Shirky’s Weblog. January 23, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.