ولست أريد إلَّا النهضة العقلية، فهي التي أستطيع أن أتحدث عنها مع بعض العلم بشيءٍ من شئونها، وهي فيما أظن قوام غيرها من أنواع النهضات مهما تختلف. فالحضارة الإنسانية الآن أثرٌ من آثار العقل، ومظهر من مظاهر النشاط في الإحساس والشعور والتفكير. ومعنى ذلك أنها تقوم على الثقافة أكثر مما تقوم على شيءٍ آخر، فإذا استقامت الثقافة استقامت الحضارة، وإذا انحرفت الثقافة عن طريقها المعقول انحرفت معها الحضارة أيضًا، وإذا ضعفت الثقافة شاركتها الحضارة في هذا الضعف. وعلى هذا النحو تستطيع أن تقيس حضارة الشعب بثقافته، كما تستطيع أن تقيس ثقافة الشعب بحضارته.

والحضارة بناءٌ تقيمه الشعوب في أوطانها، وتقيمه الإنسانية في الأرض. فإذا كان العمَّال الذين ينهضون بإقامة هذا البناء مثقفين حذاقًا متقنين؛ كان بناؤهم متينًا جميلًا قريبًا إلى الخير والكمال، وإذا كانوا جهالًا غلاظًا مقصرين؛ كان بناؤهم مضطربًا واهنًا سيء الشكل، بعيدًا كل البعد عن أن يلائم جمالًا أو يُذكر بكمال.

هذه أوليات نقولها فلا نقول شيئًا؛ لأن الناس جميعًا يعرفونها، ونجادل فيها فنضيع الوقت في غير طائل؛ لأن الناس جميعًا يؤمنون بها. ولكننا مع ذلك محتاجون إلى أن نعيدها من حين إلى حين؛ لأن الناس ينسونها أحيانًا، ولأن مصر بلد يحب أهله الجدال في الأوليات والمناقشة فيما لا يحتمل مناقشةً ولا خصامًا. وأنت تستطيع أن تنتقل مع الزمن في التاريخ، أو أن تنتقل مع أي شيءٍ آخر في الجغرافيا؛ فسترى دائمًا أن بين الحضارة والثقافة هذه الصلة المطردة التي أشرت إليها كارهًا. فإذا فكرنا في تنظيم النهضة العقلية أو تحدثنا عن هذا التنظيم، فإنما نفكر في ترقية الحضارة المصرية، ونتحدث عن إصلاحها، وأنا أريد أن أُكبر المصريين عن أن يغرهم بأنفسهم الغرور، وتملك عليهم الكبرياء أمرهم، ويخيَّل إليهم أن حضارتهم راقية لا تحتاج إلى ترقية، صالحة لا تحتاج إلى إصلاح، فهم إن قضي الله عليهم بهذه المحنة في تقديرهم لأنفسهم لا يزيدون على أن يقضوا؛ لأنهم قد بلغوا من الحياة أقصى ما يستطيعون أن يبلغوا، ولم يبق لهم إلَّا أن ينتظروا الفناء، ولست أزعم أن المصريين جميعًا معصومون من هذا الغرور أبرياء من هذه الفتنة.

قد يكون في هذا الزعم شطط كثير، فمنَّا — والحمد لله على الخير والشر — قوم يؤمنون بأنهم قد بلغوا الغاية وانتهوا إلى أقصى الأمد، ويؤذيهم كل الإيذاء مثل هذا الحديث الذين نحن فيه، يظنُّون بصاحبه الظنون، ويتهمونه بالإثم في ذات الوطن، ويصمونه بالافتتان بما ليس مصريًّا، والإزدراء لما كان مصريًّا صميمًا.

وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى غضب جماعة من الناس؛ لأني تحدثت في الراديو — أو في المذياع كما يريد المجمع اللغوي منذ حين — بأن لغتنا العربية كانت مثقفة في العصور الأولى؛ لأن أصحابها نقلوا إليها علوم الأمم الأخرى وأدبها، وهي الآن غير مثقفة لأننا لا ننقل إليها ما عند الأمم الأخرى من علوم وآداب. غضبوا من ذلك، ومن أنني قلت إن الذين يكتفون الآن من العلم والأدب بما تشتمل عليه لغتنا العربية لا يبلغون من الثقافة ما ينبغي للرجل في هذا العصر الحديث، فلا بدَّ لهم من أن يلتمسوا حظَّهم من الثقافة في لغة أوروبية حية، أو من أن تنهض الدولة فتترجم لهم هذه الثقافة ترجمة منظمة مطردة إلى اللغة العربية. غضبوا من هذا، وقالوا رمى أمته بالجهل، وعاب نصف المستنيرين فيها بالقصور، وزعم أن كل متعلم لا يحسن لغة أجنبية ليس مثقفًا، وحسبك بهذا إثمًا وحسبك به إسرافًا في النكر والشناع. وقال قائلهم: أقسم لئن دُعيت إلى الاختلاف إلى ما يلقى في الجامعة من دروس، وخيِّرت بين هذا وبين التعرض للشر، لآثرت الثانية على الأولى، ولأبيت أن أذهب إلى معهد فيه رجل يجهل العلماء، ويغض من قيمة أهل الفضل، ويجعل الثقافة رهنًا برطانة الأجانب لا بلغة الضاد.

سأنسى أشياء كثيرةً قبل أن أنسى هذا الحديث الذي نُقِل إليَّ، وقبل أن أنسى حديثًا آخر ألقاه إليَّ صديق عزيز يلومني فيه لومًا رفيقًا؛ لأني زعمت أن الذين يلتمسون ثقافتهم في اللغة العربية، لا يجدون ما يكفيهم ولا ما يلائم حظَّهم الذي ينبغي لهم في القرن العشرين. ذلك أن طبقات ضخمة من المستنيرين في مصر لا تعرف لغة أجنبية، ولا تستطيع أن تلتمس فيها مزيدًا من علم أو أدب، فهي مضطرة إلى أن تكتفي بما تجده في لغتنا العربية، وما ينبغي لنا أن نصف هذه الطبقات الضخمة التي نحبها ونعطف عليها ونُكبر منها أفذاذًا يستحقون الإجلال والإكبار؛ بقلة الحظ من الثقافة الملائمة لهذا العصر. وإذن فينبغي أن نرضى بما قسم الله لنا، وألَّا نلتمس مزيدًا من خير ولا فضلًا من رقي. ولست أدري ماذا تكون الحال لو أننا سلكنا هذه الطريق نفسها في فروع حياتنا الأخرى، فقلنا إن نظامنا الاقتصادي على نقصه وعلى قعوده بكثيرٍ منَّا عن النهوض بجلائل الأعمال الاقتصادية لا يبتغي أن يُعاب ولا أن يُلتمس إصلاحه؛ لأن في ذلك عيبًا لكثير من المصريين الذين لا يحسنون من الشئون الاقتصادية إلَّا ما بعد العهد وطال عليه القدم، وأصبح غير ملائم لظروف العصر الحديث. وماذا تكون الحال لو قلنا مثل ذلك في حياتنا الاجتماعية، وماذا تكون الحال لو أشفقنا من الإصلاح وكرهنا الدعوة إليه؛ لأن كل دعوة إلى الإصلاح إنما هي إنكار لقديم يجب العدول عنه، وشكوى من نقص تجب البراءة منه. كلَّا إن الذين يضيقون بالدعوة إلى الإصلاح لا يضيقون بالإصلاح نفسه؛ لأنهم يطمحون إليه ويأخذون بأسبابه ويدفعون إليه دفعًا، ولكنهم في الوقت نفسه يحبون أنفسهم ويكبرونها، ويشق عليهم أن يلفتوا إلى ما ينقصهم، أو أن يُذكرهم مُذكِّر بما ينبغي لهم من كمال. وآية ذلك أن الأزهر الشريف مثلًا ينبذ نُظمه القديمة كلها نبذًا، ويستأنف حياة جديدة ليس بينها وبين قديمه القريب فضلًا عن قديمه البعيد صلة. ويُصدق كل ما أنبأناه به منذ أعوام طوال من أن في أوروبا علمًا يُمكن أن يُطلب، وفلسفةً يمكن أن تُدرس، وأدبًا يمكن أن يُحصَّل. وهو لا يكتفي بالتصديق بل يُجيبنا إلى ما دعوناه إليه منذ أعوام طوال، فيأخذ في السعي إلى تحصيل العلم الأوروبي والأدب الأوروبي والفلسفة الأوروبية. يُحصِّل شيئًا من ذلك في مصر، ويرسل جماعة يبتغون له ذلك في فرنسا وإنجلترا وألمانيا، فإذا أبيت عليه ذلك أغضبته وأحفظته لأنك تحاول أن تصده عن الحياة وتبعد به عن الرقي، وإذا قلت له إن علمه القديم لا يكفيه وإن ثقافته العربية الحاضرة لا تغني عنه شيئًا أغضبته وأحفظته لأنك تؤذيه في كبريائه. وإذن فهو يجمع بين هذين النقيضين، يطلب الثقافة الأوروبية ويغلو في طلبها من جهة، ويكره أن يُقال له إن في هذه الثقافة خيرًا أو نفعًا من جهة أخرى. ودار العلوم توشك أن تشبه الأزهر من هذه الناحية، فهي تُرغِّب في الإصلاح وتجهر بهذه الرغبة وتُلح فيها وتستزيد من الثقافة الأوروبية، وتطالب بدرس اللغات الأجنبية فيها، فإذا قيل إن ما هي عليه الآن من اكتفاء بالقديم وقلة حظٍّ من الجديد لا يلائمها ولا يلائم مكانتها ولا يلائم ما يُنتظر منها غضبت وأخذتها الحفيظة؛ لأن هذا القول يؤذي كبرياءها.

وكم أحب أن نفهم الكبرياء فهمًا أصح وأصوب وأقوم من هذا الفهم، فليس يؤذيني أن يُقال إني أجهل هذا النحو من العلم أو ذاك إذا كنت أجهله، وإنما يؤذيني أن يُقال إني أعلم هذا النحو من العلم أو ذاك وأنا لا أعلم منه شيئًا.

وأؤكد لهؤلاء السادة أني أتأذى حين أسمع محاضرة بالألمانية ولا أفهمها، وحين أجد كتابًا بالألمانية ولا أفهمه إلَّا من طريق المترجم، أتأذى بذلك وآلم له وأشكو منه وأحزن لأني لا أجد من الوقت أو من مواتاة الظروف ما يمكنني من إصلاح هذا النقص، ولا يؤذيني بحال من الأحوال أن يقول عني قائل إني أجهل الألمانية ولا أستطيع أن أصل إلى ما فيها من العلم إلَّا من طريق الترجمة والنقل.

وبعد فإنَّا لا نعيب هؤلاء السادة بما نقصهم، كما لا نعيب أنفسنا بما ينقصنا، وما أكثره، وإنما نريد أن تكون حال الجيل المقبل خيرًا من حال هذا الجيل، وأن يكون نقص الجيل المقبل أقل من نقص هذا الجيل، ونريد أن نفهم أمور النهضة على وجهها، وأن نصلح خطأً شائعًا قبيحًا يتورط فيه كثيرٌ من الذين يشرفون على أمور التعليم ويخوضون فيها. فكثيرٌ من الناس يريدون أن يشيع العلم باللغات الأجنبية في مصر، ويظنُّون أن هذا هو سبيل الثقافة، فنحب أن يعلم هؤلاء الناس أن شيوع اللغات الأجنبية في مصر لا بأس به، ولعل فيه خيرًا كثيرًا، ولكنه ليس سبيل الثقافة، أو ليس هو السبيل المستقيمة المنتجة إلى الثقافة، وإنما السبيل أن تُنقل الثقافة للمصريين في لغتهم، وأن يلتمسوها في هذه اللغة قبل أن يلتمسوها في أي لغة أخرى.

إنما اللغات الأجنبية أدوات للاستزادة من العلم لا لتحصيل الضروري منه. وما دمنا نعتمد على اللغة الأجنبية لنحصِّل من طريقها الضروري من العلم والثقافة، فنحن عالة على الأجنبي، ونحن مقصرون في ذات أنفسنا وفي ذات لغتنا وفي ذات وطننا نفسه. وقد كان الجاحظ رجلًا مثقفًا فيما أظن، ولعله كان من أوسع الناس في عصره وأعمقهم ثقافة، وما أظنه عرف اليونانية أو السريانية، ولكنه عرف ما كان في اليونانية والسريانية من علم؛ لأنه نُقل إلى اللغة العربية، ولأن رجال الحكم في ذلك الوقت كانوا يفهمون الثقافة خيرًا مما نفهمها نحن الآن، ويقدِّرون ما يجب عليهم لتثقيف اللغة والشعب خيرًا مما نقدِّره نحن الآن.

أفئن طالبنا بأن تنقل علوم أوروبا وآدابها إلى اللغة العربية لتكون اللغة في نفسها غنية مثقفة، وليستطيع أبناؤها أن يجدوا فيها العلم دون أن يلتمسوه ضد الأجنبي ومن طريق اللغة الأجنبية، أفئن طالبنا بذلك؛ كنَّا مُجهلين للأمة، مزدرين للعلماء، عائبين للمستنيرين، مقصرين في حق الوطن؟ اللهم إني لا أكره هذا التقصير ولا أتردد في احتمال تبعاته مهما تثقل، ولا أتردد في أن ألح على وزارة المعارف في شيئين لا بدَّ منهما لتنظيم الثقافة في مصر: الأول إنشاء مكتب للترجمة العلمية ينهض بنقل أمهات العلم والأدب والفلسفة إلى هذه اللغة التي كانت غنية قديمًا وما ينبغي أن تكون فقيرة الآن. والثاني أن ترصد في ميزانيتها مقدارًا حسنًا من المال تكافئ به الذين ينهضون بنقل الكتب القيمة في مختلف العلوم والفنون من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.

وأؤكد لوزارة المعارف أن إرصاد عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام لمكتب الترجمة وتشجيع المترجمين أنفع لمصر وأجدى عليها وأنهض بالواجب الوطني من مئات الألوف التي تُنفق في أنواع الترف المادي، الذي قد نستطيع أن نستغني عنه، وقد يكون من الخير ألَّا نفكر فيه قبل زمن طويل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.