… ولكن ما قولكم في جنون البطء؟ وما قولكم في «جنون» الثقل بكل معانيه، إنْ صحَّ أن الثقل يُبتَلى بالجنون وهو أقل من الجنون؟

أعلنتم الحرب على جنون السرعة أيدكم الله بروح من عنده، وأيدكم — مع الله — كل ماشٍ وراكب وواقف في الطريق ليرقب الماشين والراكبين.

إن السرعة المهلكة جنون متفق عليه، وقلَّما ينجو المصابون به من عاقبة عدُوِّهم وعدوانهم بأيديهم أو بأيدي القانون وأيدي شركات التأمين.

ولكن الجنون الذي يستكثر عليه الناس اسم الجنون هو تعطيل الطريق بالجمود لا بالحركة، وبالبطء لا بالسرعة، وبالثقل لا بالخفة، وبالأقدام لا بالعجلات والدواليب …

فما قولكم في هذا الجنون؟ ومتى تعلنون الحرب عليه؟ بل متى تلحقونه بقائمة الإصابات العقلية بأي اسم من الأسماء؟

هذا السائر «المُكَتَّف بغير كتاف» والمُوَثَّق بغير وثاق، ماذا تسمونه وهو يَعْبُر الطريق في غير الموضع المخصص للمشاة أو يَعْبُره في الموضع المخصص لهم كأنه في حجرة نومه يتمطى ليرقد على الفراش؟ …

أمثال هذا كثيرون، يُخيَّل إليهم أنهم يرتكبون وزرًا إذا كلفوا أنفسهم لفتة إلى اليمين واليسار أو خطوة سريعة تُيسِّر الحركة على المتحركين، وفي رأيهم أن الناس وحدهم مطالبون بتدبير حركتهم في طريقهم، وأن تعطيل هذه الحركة من حق كل معطل يستطيع أن يسابق السلحفاة في البطء والجمود.

ولا يُفهَم هذا «التحدي» الأحمق على وجه من الوجوه إلا أنه ضرب من الجنون البليد تمييزًا له من الجنون العنيف؛ إذ ليس من اللازم أن تكون للجنون صفة واحدة وهو هو الموصوف بأنه «فنون».

نعم؛ إنه «التحدي» الذي لا يُفهَم على وجه من الوجوه غير الإصابة العقلية لأنه لا يُعقَل أن يكون حسدًا من المشاة للراكبين أو من الفقراء للأغنياء … فإن سبعين في المائة من سائقي السيارات فقراء، سواء منهم مَنْ يسوقون سيارات الأجرة أو السيارات الخاصة أو السيارات العامة.

وإذا أُصِيبَ أحد من المارَّة الآمنين من جراء هذا التعطيل فقد يكون الفقراء من المصابين أضعاف الأغنياء وذوي اليسار.

ولا بد من الإصابة مع تلك البلادة؛ لأن السيارة التي يعترضها مجنون من مجانين البطء تضطر إلى الوقوف فجأة أو إلى الانحراف يمنة ويسرة، فتصدم من يليها ومن يحاذيها. وليس من المستطاع دائمًا أن تصنع المعجزات لاتقاء المفاجآت.

إن الناس قد تعوَّدوا عندنا أن ينظروا إلى «العلة الشخصية» وراء كل نصيحة عامة، فمن كان من هؤلاء يقرأ هذه الكلمة فليعلم أنني لا أملك سيارة خاصة، وأنني من أكثر خلق الله سيرًا على القدمين … فليست هناك علة شخصية وراء هذه الحملة الصغيرة على جنون البطء البليد، وإنما هو الإنصاف بين فنون الجنون يقضي علينا بالتسوية بينها، فلا نجري وراء الجنون السريع لنتهمه ونَسُوقه إلى قفص الاتهام، ثم ندع الجنون البليد على مهله لأننا لا نصير على الدخول معه في ميدان سباق …

أدركوه هو أيضًا يرحمكم الله، وأدركوا المصابين بشرِّه بإسعاف واحد بين هذه الإسعافات التي تُعَدُّ بالمئات.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.