«ليس بالعسير تفسير هذا الرواج الإذاعي في مصيفنا الأكبر؛ لأن المصطافين يقضون ساعاتٍ في النهار والليل بعيدين عن بيوتهم، وليس لديهم وسيلة للتسلية أيسر محملًا وأطول وقتًا من جهاز الإذاعة الصغير.»

بدا لي في رحلات الشتاء إلى الصعيد أن القرية الريفية تستوفي من الإذاعة نصيبًا أطولَ أمدًا وأوفر عددًا من نصيب المدن الكبرى، ولا سيما القاهرة.

والقوية من قديم الزمن لم تخلُ من المذيع المتطوع، والسامع المتطوِّع، والناقل المتطوِّع، سواء باتفاق أبناء القرية أو بالتفاهم الذي يشبه الاتفاق؛ لأن عزلة القرية عن مراكز العمران الحافلة بسكانها وقُصَّادها خليق أن يجعل «الخبر» بضاعةً حيوية لا غنى عنها، ولا مناصَ للفضوليين وغير الفضوليين من التعويل عليها.

فلما وصلت الإذاعة إلى القرية لا جَرَمَ يستنفد القرويون كلَّ قطرة من قطراتها، بعد أن وصلت إلى عقر الدار وسكنت في كلِّ جوار. ويوشك أن ترى هنالك صاحبَ الفضول ومن لا فضول عنده ينبئك باسم القارئ قبل أن ينتهي من البسملة، أو ينبئك باسم المذيع الذي لا تعرفه وأنت في القاهرة، أو ينبئك بأخبار مسموعة من المحطات التي لا تفكِّر في البحث عنها.

ولم أزل أعتقد هذا الاعتقاد في القرية الريفية حتى رحلت رحلة الصيف هذا العام إلى الإسكندرية، فهي — بغير منازع — معسكر الإذاعة الأول بين المدن الكبرى والقرى الصغيرة على السواء، وهي في لغة المباراة تسجِّل الرقمَ القياسي في مجال الإذاعة بغير منازع.

حيثما سرت بين شارع سعد زغلول أو طريق الحرية أو شاطئ البحر صادفتك أصوات الإذاعة من أجهزتها الصغيرة على اختلاف النماذج والأشكال يَعرِضها الباعة على زبائنهم وعلى عابري الطريق، ويجتهدون في إدارتها على مصادرَ مختلفةٍ من محطاتنا المحلية، ومن المحطات الخارجية بعضَ الأحيان.

وليس بالعسير تفسير هذا الرواج الإذاعي في مصيفنا الأكبر؛ لأن المصطافين يَقضُون ساعات من النهار والليل بعيدين عن بيوتهم، وليست لديهم من وسيلة للتسلية أيسر محملًا وأطول وقتًا من جهاز الإذاعة الصغيرة؛ فهو أداةٌ لازمةٌ لضيف الشاطئ ولو كان من أبناء البلد المقيمين فيها، ممن يملكون الأجهزة الكبيرةَ حيث أقاموا في داخل المدينة.

ولكن الجو الإسكندري — على ما يظهر — يمتازُ بمزيَّةٍ أخرى للأجهزة الصغيرة غير سهولة النقل إلى الشاطئ أو إلى النزهات البعيدة؛ لأن هذه الأجهزة تلتقطُ في جوِّ الشاطئ أصداءً من المحطات الخارجية لا تسمع في القاهرة، وقد تبادر السمع عرضًا عند أيسر حركة من مؤشِّر الصوت بغير قصد ولا محاولة.

وتأتي بعد ذلك — أو قبل ذلك — مزية «العرض» العاطفي التي تغتنم الفرصةَ للظهور في كل مَعْرِض مسموع أو منظور، أو مشموم، عند اللزوم. فليس أكثرَ من عرض الروائح والعطور في كل مزدحم معمور، وأكثر من ذلك عرض المناديل للناظرين وعرض الأغاني للسامعين، ثم هذا العرض الجديد الذي لا يزال في المصيف الأكبر متردِّدًا بين الآذان والأبصار.

ثلاثة شبان رأيناهم على إفريز الشاطئ يحمل كلٌّ منهم جهازًا صغيرًا من نموذج مختلف، ويستمعون جميعًا إلى أجهزتهم وهم يتبادلون النِّكاتِ والضحكاتِ، أو يتبادلون كلماتِ التحية والإعجاب … لا يدري أحد أهي تحية لما ينظر أو لما يسمعون.

وثلاثة أجهزة مسموعة في وقت واحد أعجب من خطباءَ ثلاثة يتكلَّمُون في وقت واحد لضيق الوقت وزيادة الفائدة … كما فعلها بعض أشقياء الأدباء في محفل مزيَّف من محافل التكريم أُقِيم في زاوية من زوايا قهوة الفيشاوي منذ سنوات.

نعم إن الاستماع من أجهزة ثلاثة للإذاعة في وقت واحد عجيب ولو كانت تصدر عن محطة واحدة، وقديمًا حكم قاضي بغدادَ بالحجر على سفيه، واستدلَّ على سفهه باقتنائه جاريتين زامرتين، وفي وسعه أن يقتنيهما زامرةً وعوادةً، أو زامرة وطبالةً، أو زامرةً وراقصة، لو كان أهلًا لحسن التصرف في ساعات المجون!

فأما إذا صدرت الأجهزة الثلاثة عن محطات ثلاثة في وقت واحد فهو برج بابل بغير مسوِّغ من غضب اللَّه، أو هو محفل الفيشاوي بغير حاجة إلى «شقاوة» المحتفلين والمكرمين والمزيفين.

لكن الحق يقال إن الشبان حَمَلَة الأجهزة الثلاثة قد سبكوا الصنعة وقطعوا ألسنة بابل وألسنة الأشقياء الفيشاويين؛ لأنهم حَمَلُوا أجهزتهم وهم يضعون سماعاتهم في آذانهم، فلا محل للاعتراض باسم الذوق ولا باسم حيث كانت، واستحقَّت تحية الإعجاب من غير المستمعين … كما استحقتها من قاضي بغداد!

وإذا جرت مظاهرُ العرض كلُّها على هذه السنة، فقد حملت رخصتها معها من المستمعين «المزعومين» …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.