نستقبل العام الجديد بقلوب قوية وأوجه باسمة مستبشرة يعلوها الفرح والسرور، وكيف لا يكون أمرُنا كذلك وقد اتفقت كلمتنا، واتحدت قلوبنا، وظهرت شخصيتنا المصرية أمام الأمم واضحة جلية تحمل في يدها علم مصر، علم الإخاء والثبات والحرية والاستقلال؟

اليوم يبسم لنا ثغر الأمل من بعيد، فعسى أن يكون عامُنا الجديد تتحقق فيه أمنيتنا، فيبسم لنا ثغر الأمل من قريب.

ولقد عشنا نحن المصريين حينًا من الدهر بغير أمل؛ لأننا كُنَّا لا نعتمد على أنفسنا، ونخاف الثبات في كل أعمالنا. ولَرُبَّ قائلٍ يقول: وهل يعيش الإنسان من غير أمل؟ الطفل في حجر أمه يأمل أن ترضعه ثديها، والصبي في مكتبه يأمل أن يخرج إلى الهواء الطلق ليلهو مع رفقته، والشاب يأمل أن يقترن بمن يحب، والرجل يأمل أن يكتسب ما يقوم بأود أسرته، والشيخ يأمل أن يرى أولاده قد سلكوا في حياتهم طريقًا شريفًا يرفع أسماءهم إلى أوج المجد، فيعلو شأنُه أيضًا، ويموت قرير العين باسم الثغر. فالأمل غريزة في النفس، والمصري أيضًا ذو أمل في الحياة.

ونحن لا ننكر ذلك، وهل ننكر الحقيقة التي تراها العين وتكاد تلمسها اليد؟ ولكننا لا نتكلم في هذا المقال عن الأمل الشخصي الذي لا يعود على صاحِبِه إلا بالفوز الشخصي أيضًا. ولكننا نتكلم عن أمل المجموع، عن أمل الأمة بأسْرِها، ذلك الأمل الفتي الناهض الذي يهز القلوب دفعة واحدة. فإن تحقق، وجدتَ الوجوه من الإسكندرية إلى أسوان باسمةً مشرقة تقرأ فيها آيات السرور والغبطة.

هذا هو الأمل الكبير الذي كُنَّا نجهله حينًا من الدهر، وما جهلناه إلا لأننا كنا لا نعتمد على أنفسنا، ولا يركَن المصري مِنَّا إلى أخيه المصري. ومثل هذا الأمل لا يتحقق إلا بالثبات، وأين هو الثبات إذا كانت القلوب متنافرة لا تقر على رأي؟

هذه هي صفحة ماضينا، ذلك الماضي الأسود الذي كُنَّا ننام فيه على فراش من حرير خبَّئوا لنا في ثناياه الشوك، والذي كُنَّا نشرب فيه كأسًا من العسل خلطوا لنا فيه السم. عشنا حقبة من الدهر ونحن على هذا الحال لا يخرج أملنا عن دائرة حاجياتنا الشخصية؛ لهذا لم نعرف غير الفشل في جميع مشاريعنا، ولهذا سرنا بأنفسنا إلى حافَة الهاوية، تلك الهاوية العميقة التي تموت فيها الشخصية بعد أن كانت يانعة زاهرة، وكاد أن يسدل الدهر ستاره الكثيف علينا وعلى تاريخنا الزاهر، ذلك التاريخ القديم المجيد، الذي تتجلى فيه شخصيتنا من عهد مينا أول ملوك مصر إلى عهد إسماعيل خديوها الأسبق. ذلك التاريخ تنطق صفحاته بما لاقيناه في حياتنا من سعادة تنشرح لها الصدور وتقَر لها العيون، ومن آلام تتألف لها القلوب لإزالتها ومحوها، وما السعادة والألم إلا الرباط الحيوي الذي تقوم به الأمم إلى ذروة المجد.

أما الآن فقد اعتمدنا على أنفسنا وتآخَيْنا بعد أن تصافت قلوبنا، وعرَفنا أن الألم الذي يصيب المصري في أي بلد من بلاد الله يهتز له فؤاد المصري في أي بلد آخر. اليوم عرَفنا الأمل الكبير، ذلك الأمل الذي يرتكز على الاعتماد على النفس وعلى الثبات؛ لهذا تجدنا سائرين في طريق هذا الأمل ونحن واثقون من الفوز والنجاح، وكيف لا ننجح ولا نفوز وقد قادتنا شخصيتنا في هذا الطريق.

اليوم عرَفنا بل أردنا أن نضحي بآمالنا الشخصية في سبيل ذلك الأمل الكبير، أمل الأمة بأسرها. وما أجمل أن نشرب الماء الآسن ونأكل الخبز الأسود، وننام في العراء، إذا وجدنا كلمتنا قد اتَّفَقت، وقلوبنا قد تآخت، وآمالنا قد تحققت!

حقق الله الآمال.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.