يقرأ الأجنبي ليتعلم ويتعلم المصري ليقرأ، وفي ذلك ما يدعو المصري لإعمال الفكرة حتى يرتقي بلغته إلى مصافِّ اللغات الأجنبية. ويجد الأجنبي لكل مخترَع جديد كلمة يستعملها في كلامه وكتاباته بعد أن يصقلها لسانه، ويقف المصري حيال ذلك وقفة العاجز لا حول له ولا قوة، فيعمد لوضع كل كلمة جديدة بين قوسين إذا جاءت ضمن كتاباته.

تلك هي الصعوبات التي تعتوِر طريق كل كاتب مصري، والتي من أجلها أُلِّفَ المجمع اللغوي جامعًا تحت لوائه المعمَّمَ والمطربَش، والتي نأمل أن يزيلها في القريب العاجل.

فكر المفكرون قبل ذلك، وتضاربت في ذلك الأفكار والآراء، فمنهم من ذهب بفكره بعيدًا، وأراد تغيير الحروف العربية إلى حروف إفرنكية تسمح بكتابة الحرف المتحرك Voyelle؛ حتى لا يجد القارئ صعوبة في القراءة، فيقرأ صحيحًا ثم يتكلم صحيحًا.

لا مشاحَّة في أن الفكرة صائبة، ولا مشاحة أيضًا في أنها ضربة قاضية على الشخصية المصرية التي يسعى إليها كل وطني صادق الوطنية؛ ولهذا قوبلت تلك الفكرة المضرة المفيدة بالإعراض، وحق لنا أن نعرض عنها ونضرب بها عرض الحائط.

ومن المفكرين من فكر في كتابة الحرف المتحرك المصري، وأعني به اﻟ «ا، و، ي»، فنكتب كلمة «كتب» مثلًا هكذا «كاتابا»، وإذا صادفنا كلمة كانت تكتب فيها هذه الأحرف الثلاثة من قبل وضعنا المدة كما يضع الإفرنج اﻟ Accent، فنكتب مثلًا كلمة «كتاب» هكذا «كيتآب»، ونكتب كلمة «محفوظ» هكذا «ماحفوظ»؛ وبهذا يتسنى لنا أن نكتب كما نتكلم، وأن نقرأ صحيحًا ثم نتكلم صحيحًا.

ومن المفكرين من فكَّر في وضع الشكل في كل ما نكتب، ومنهم من فكر في وضع الشكل على الأحرف التي يلتبس على القارئ نطقها، فلو صادفتنا مثلًا كلمة «خلوى» وقفنا ونحن لا نعرف أننطقها بضم الخاء أو بكسرها، فلا بأس إذن من وضع الكسرة تحت الخاء حتى ننطقها صحيحًا.

كل هذه الأفكار صائبة سيفكر فيها المجمع الجديد، وينتخب منها الأسهل والأصح، بل وسيفكر أيضًا في آراء جديدة ربما كانت أسهل مثالًا وأقرب للصواب والصحة.

أما مسألة الألفاظ الجديدة العلمية التي تخلو منها اللغة العربية، فأمامنا باب الاشتقاق وباب التعريب، وعندنا من الكلمات القديمة المهجورة ما يصح أن نُطلقه على كل لفظ جديد لا نجد له مرادفًا عربيًّا، على أني لا أريد أن نأبى استعمال اللفظ الإفرنجي إذا صقله اللسان، وفي القرآن دليل ساطع على صحة قولي؛ إذ فيه من الألفاظ الفارسية ما يُسَوِّغُ استعمال اللفظ الإفرنجي، وليس بعارٍ على اللغة العربية — وإن كانت أغنى اللغات وأوسعها — أن تدخل فيها الألفاظ الجديدة الإفرنجية، وما من لغة حية قائمة بنفسها دون احتياجها لمعونة اللغات الأخرى. وعلامَ نقف أمام اللفظ الإفرنجي نعاديه ونأبى استعماله بعد أن صقله اللسان؟! اللغة هي ما يتكلم به اللسان، فلماذا نستعمل اللفظ المهجور ونأبى استعمال اللفظ السهل إن كان إفرنجيًّا؟

أنا لا أقول بهجر الألفاظ القديمة، ويا حبذا لو بحثنا عنها وعرضناها على الكُتَّاب والجمهور، فإن صادفت استحسانًا استُعْمِلَت، وإن مجَّها الذوق أُهمِلَت.

فواجب المجمع اللغوي حيال ذلك أن ينتقي اللفظ الذي يرضاه الجمهور، وإلَّا أعرض الناس عن ألفاظه وكان عمله بلا فائدة ولا نفع، وكم من كلمةٍ إفرنسية كانت من لغة «الآرجو» أدخلها المجمع العلمي الإفرنسي في القاموس، وأصبحت إفرنسية يستعملها الكاتب والشاعر.

ويا حبَّذا لو أرسل الله لمصر كاتبًا محبوبًا تقرأ رواياته الناس أجمعون، يستعمل الألفاظ التي صقلها اللسان والألفاظ السهلة القديمة؛ حتى يتعود عليها القارئ ويألفها بعد نفوره.

هذا ما يتحدث به الناس في المنتديات وفي بيوتهم، ويا حبَّذا لو ضم المجمع بين أعضائه المُشَرِّعَ والطبيب والمهندس والزراعي والتجاري؛ حتى يتعاون الأعضاء على وضع الألفاظ الجديدة العلمية، ويكون وضعها صحيحًا لا تشوبه شائبة.

هذا ما أردت كتابته على صفحات السفور، وإني آمل أن نجد في المجمع المصري أمنية كل مُحِبٍّ لبلاده غيور على لغته، وليس هذا ببعيد على أعضاء النادي الكرام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.