ثورة يوليو تجربة سياسية حافلة بالأعمال والعبر، قدمت من الخير ما لا ينسى، ومن الشر ما لا يجوز أن ينسى. فهي محققة الاستقلال، ورائدة النظام الجمهوري، ومحطمة التركيب الطبقي الظالم غير الأخلاقي، وحليفة الكادحين، ومنمية التصنيع، ومكرمة حق التعليم والعمل، وموقظة العروبة، ومناضلة الاستعمار العالمي، وغيره كثير مما لا يحيط به إلا الإحصاء، وهي أيضًا دولة الاستبداد والقهر والهزائم المرة، وتبديد الأموال بسفه، وتخريب البناء الإنساني، والفساد والانحلال والخرائب والأطلال والديون.

وعلى كل فالتاريخ لم يَقُلْ كلمته بعد، وهو لا يتكلم إلا في حينه. أما ما يهمنا نحن المعاصرين لها فهو أن نستخلص من المعايشة ما تجود به من عبر هي دروس اليوم والغد. من ذلك مثلًا أنه لا خير ولا أمان في حكم لا يقوم الشعب فيه بالدور الأول باعتباره القاعدة والرقيب والهدف. ومنه أن بناء الداخل خليق بأن يستوعب جُلَّ جهودنا حتى يستوي البناء فوق أسس متينة من العمران والتقدم، وأن سياستنا الخارجية يجب أن ترسم على أساس توفير الفرص لأداء العمل الداخلي ولو بقمع التطلعات إلى الامتداد والزعامة، والقناعة بالتفوق المأمول في الحضارة والعلم، ومنها أن نؤمن بأن ما نعمل ليس من أجل النظام أو التنمية، ولكن النظام والتنمية من أجل الإنسان، ومنها أن حقوق الإنسان لا تقتصر على المأكل والملبس، المسكن، ولكن يجب أن تشتمل أيضًا على الحرية والكرامة والعدالة والمساواة وسائر الحقوق المعلنة.

وأخيرًا فإنه خير للشعب أن يكافح تخلُّفه بنفسه ولو تعثر وطال به الأمد من أن ينعزل في ركن المتفرج ولو انهال عليه الخير بلا حساب، ومهما يكن من أمر فالخطأ لا يظل خطأً إذا وعينا أسبابه وانتفعنا به. تحية لجميع أبطال الثورات، ممن رحل عن عالمنا أو مَنْ لا زال يعمل في ميدان الكفاح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.