حياة جميلة مُشَرِّفة هذه التي يحياها الشعب المصري السعيد منذ أعوام، كلها خير ورخاء، وكلها سعادة وإقبال، وكلها عزة وكرامة، قد شبع الناس فيها وارتووا حتى أسرفوا على أنفسهم، وأصبحوا عرضة للتخمة وما يشبه التخمة من الأدواء، ليس فيهم جائع ولا ظمآن، ليس فيهم معدم ولا محروم، كلهم مترف أو كالمترف، وكلهم غني أو كالغني.

وقد أمن الناس فيها على أنفسهم وأموالهم ومنافعهم؛ فهم لا يخافون شيئًا، وهم لا يرجون شيئًا، لا يخافون لأنهم أصبحوا فوق الخوف، ولا يرجون لأن آمالهم كلها محققة، وأمانيهم كلها ميسرة؛ يكفي أن يريد أحدهم فإذا هو ظافر بما يريد، ويكفي أن يأمل أحدهم فيمد يده، فإذا هو يأخذه أمله أخذًا، ويضمه إليه ضمًّا، وكلهم عزيزٌ في نفسه لا يقبل الضيم، ولا يتعرض لقبول الضيم، حرٌّ في وطنه، كريمٌ على الناس.

قد أسرف في العزة حتى بلغ الكبرياء، وأسرف في الحرية والكرامة حتى خيفت بوادره، وحسبت البلاد الأجنبية له كل حساب، وأشفقت أن يدفعه فضل القوة والبأس إلى أن يخرج من داره مُغيرًا على ما حوله من البلاد، مُعرِّضًا السلم لخطر عظيم.

هذه هي الحياة التي يحياها الشعب المصري السعيد في هذه الأيام، والغريب أن النعمة قد غمرته، وألحت عليه حتى أنسته أنه مُنعَّم، وأن السعادة قد أغرقته حتى أنسته أنه سعيد، وحتى انتهى الأمر به إلى البطر والأشر، فإذا هو ساخط لا يرضى، ومبتئس لا يبتهج، ومشغول لا يعرف فراغ البال، وإذا صحفه تلح في الشكوى، وتمعن في الحزن، وتتبرم بالأيام، وإذا هو غير راضٍ عن شيء، ولا مطمئن إلى شيء؛ يضيق بالوزارة ولم يخلق الله بعدُ وزارة مثلها، ويضيق بالبرلمان ولم يخلق الله بعدُ برلمانًا مثله، ويخيل إليه أن الأجانب يعتدون عليه ويزدرونه، ويطغون عليه في بلاده، ولا يرعون له حرمة الضيافة وحقوق الجوار.

كل ذلك لأنه مريض بالبطر والأشر، قد أطغته النعم الطاغية، وأفسدته السعادة الغالية؛ فاختلط عليه الأمر، فهو لا يدري ماذا يصنع ولا كيف يقول.

وما رأيك في شعب أتيحت له وزارة لم تكد تتولى مناصب الحكم فيه حتى انصرفت إلى أموره انصرافًا تامًّا تدبرها أحسن تدبير، وتقوم عليها خير قيام لا يشغلها كبير الأمور عن صغيرها، ولا يصرفها صغير الأمور عن كبيرها، تعنى بالشعب في الليل، وتعنى بالشعب في النهار، تعنى به في اليقظة، وتعنى به في النوم، على حين تشغل الوزارات في البلاد الأخرى بنفسها عن الشعب، وتلهو الوزارات في البلاد الأخرى بالسخف عن مصالح الشعب؟

ولقد حدثونا أن وزارة من الوزارات في بلد من البلاد الأجنبية — لا أذكر اسمه الآن — أنفقت أكثر من شهرين لا تُعنى بشيء، ولا تهتمُّ لشيء، ولا تفكر في شيء، إلا في رجل يسمى صدقي باشا، كان رئيسًا للوزارة، ثم أبعد عن الوزارة، وهمَّ بمحاربة الذين خلفوه على الحكم، فانصرف إليه خلفاؤه ينصبون له الحرب، ويسدون عليه الطرق، ويأخذون عليه المسالك: يحاربونه في حزبه حتى يخرجوه من الحزب، ويحاربونه في البرلمان حتى يزهدوه في البرلمان، ويشغلهم هذا كله عن شعبهم البائس المحروم، فلا يدفعون عنه بؤسًا، ولا يردون عنه حرمانًا.

والشعب يشكو فلا يسمع له أحد، ومنافعه تضيع فلا يحفل بها أحد. حدثونا عن هذا البلد الأجنبي الذي انصرفت وزارته كلها لحرب رجل واحد، وأهملت وزارته كلها شئون شعب كامل، فلم نكد نقارن بين هذا البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، وكفر النعمة، وإنكار الجميل، وحدثونا عن بلد آخر تقوم الوزارة فيه مقام القوي العزيز، وهي أضعف الوزارات وأقلها حظًّا من البأس؛ لأنها — فيما قالت بعض الصحف — تسل على رءوس النواب في بلادها سيف الحل، تنذرهم به كلما هموا أن يبدوا لها صفحة، أو يظهروا عليها خلافًا.

وهي لا تنذرهم بذلك في البرلمان، أو في ديوان من دواوين الحكومة؛ لأنها إن فعلت ذلك خالفت الدستور الذي يضمن للنواب حريتهم كاملة، ويجعلهم فوق التهديد والوعيد، وإنما تنذرهم بذلك في اجتماعات تعقد في أندية الأحزاب ودور الوزراء، وفي أحاديث تُلقى إلى بعض الناس، وينطلق بها بعض السعاة، فتذاع وتشاع وتملأ الأسماع. وهي مع ذلك ليست حقًّا؛ لأنها صدرت ولم تصدر، وقيلت ولم تقل، وهددت ولم تهدد، والنواب في ذلك البلد يستمعون لهذه الأحاديث، ويرتاعون لهذه النذر، فتسمع كثرتهم، وتقر وتذعن كثرتهم وتؤمن.

وقد زعموا أن قلة منهم أنكرت ذلك وضاقت به، فهمت باستجواب الوزارة فلقيت — ويا شر ما لقيت! — لقيت ضجيجًا وعجيجًا، ولقيت تأنيبًا وتقريعًا، ولقيت قرارًا من مجلس النواب بأنها خالفت الدستور بهذا الاستجواب، وعادت إلى دورها مخذولة مدحورة. كانت تريد حماية الدستور، فظهر أنها اعتدت على هذا الدستور، كانت تريد إحراج الوزراء، فاضطرها الوزراء إلى الحرج المنكر القبيح.

حدثونا عن هذا البلد الأجنبي، فلم نكد نقارن بينه وبين مصر هذه التي لا يرقى الاعتداء فيها إلى الدستور ولا إلى القانون، ولا يجرؤ الوزراء فيها على أن يذكروا النواب إلا بالخير، ولا أن يفكروا في النواب إلا مع الإجلال والإكبار، ولا يكاد النواب فيها يهمون حتى يفعلوا، ولا يكاد النواب فيها يفعلون حتى يؤمن الوزراء لهم ويذعنوا. لم نكد نقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين ما هم فيه من الجحود والعقوق، ومن كفر النعمة، وإنكار الجميل، وحتى رحمنا النواب والوزراء من هذا الظلم الذي ينالهم في كل يوم، وأشفقنا عليهم من العمل لشعب لا يقدر العاملين.

وحدثونا عن بلد أجنبي آخر كثر فيه الأجانب وأسرفوا على أهله في كل شيء، أسرفوا عليهم في الاستغلال، وأسرفوا عليهم في الاستذلال، وأسرفوا عليهم في الغطرسة، وأسرفوا عليهم في الازدراء، وانتهوا بهم من إسراف إلى إسراف حتى أخذوا يتحكمون فيما يقول خطباؤهم، وما يكتب كتابهم.

خطب عظيم من عظمائهم خطبة ذات يوم لم تُرضِ الأجانب، فذهب وزراؤهم المفوضون ينكرون ويلاحظون، وطلبوا إلى رئيس وزرائهم أن يحتاط؛ لأن تلك الخطبة قوبلت بتصفيق شديد، ويوشك هذا التصفيق أن يغري الصحف بمجاراة الخطيب، والخير كل الخير في ألا يقول الخطباء مثل ما قال الخطيب مما لا يحب الأجانب أن يقال، فإذا طغى على الخطيب لسانه فقال ما لا يحب الأجانب؛ فالخير كل الخير أن لا يصفق له السامعون، فإذا طغت على السامعين أيديهم فاندفعت إلى التصفيق، فالخير كل الخير أن لا تكون الصحف صدًى لرضا الراضين وإعجاب المعجبين.

فلم نكد نسمع هذا الحديث ونقارن بين ذلك البلد وبين مصر حتى أنكرنا على المصريين شكهم في الأجانب، وضيقهم بلطف الأجانب، وتجنيهم على الأجانب، وإثقالهم على رئيس الوزراء في ألا يقبل من الأجانب إلا الخضوع الذي لا يشبهه خضوع، والتسليم الذي لا يقاربه تسليم، وحتى رحمنا الأجانب الذين يعيشون في مصر؛ لأن المصريين يسومونهم ألوان الخسف، ويذيقونهم فنون العذاب، فلا يلقون منهم إلا رضًا وابتسامًا، ولا يسمعون منهم إلا حمدًا وثناء، ولا يجدون منهم إلا إجلالًا وإكبارًا.

لا يفكر أحدهم في أن يسعى إلى رئيس الوزراء، فضلًا عن أن يبلغه ملاحظة، أو يرفع إليه احتجاجًا، أو يزعم له أن حكومته قد أتت من الأمر ما لا يليق، ولو قد همَّ أحد من الوزراء الأجانب في مصر بهذا أو ببعض هذا لما طاب له المقام على ضفاف النيل، ولاضطر إلى أن يرحل مع أبناء جنسه عن أرض الفراعنة، أو يقدم الاعتذار من تدخله فيما لا ينبغي له أن يتدخل فيه.

والناس يحدثوننا في كل يوم عما تلقاه الشعوب من ألوان الذل، وما تأتيه الوزارات من أنواع الظلم، وما يجنيه الأجانب من ضروب التحكم، فنسمع الأحاديث ونقيس ما يقع في تلك البلاد إلى ما يقع في هذه البلاد؛ فلا يزيدنا ذلك إلا أسفًا وحزنًا؛ لأن المصريين في حاجة حقًّا إلى أن يتعلموا شكر النعمة، والاعتراف بالجميل، ونظن أن أحق الناس باللوم، وأعظمهم حظًّا من التقصير إنما هو وزير التقاليد؛ لأنه لا يعنى بالتعليم كما ينبغي، ولو قد فطن لما يجب عليه، وقدر تبعاته حق قدرها؛ لأنشأ في كل معهد وفي كل مدرسة دروسًا تعلم المصريين كيف يشكرون النعمة، ويعرفون الجميل، ويقدرون الإحسان للمحسنين، ولكلف أساتذة الجامعة أن يعنوا في محاضراتهم العامة بتقويم هذا العوج في أخلاق المصريين.

ولعل وزير الداخلية ملوم أيضًا، فقد يحسن أن يراقب الصحف، وأن يردها إلى الرشد كلما جارت هذا الشعب البطر الأشر فمست الوزراء أو النواب بشيء من النقد، فوزير الداخلية يعلم حق العلم أن وزراءنا ونوابنا لا ينبغي أن يرقى إليهم النقد؛ لأنهم لا يأتون — ولا يمكن أن يأتوا — ما يعرضهم للنقد اللين أو للنقد الشديد.

ما أجدر المصريين أن يفكروا في حياتهم! وما أجدر وزراء المصريين أن يعلموهم كيف يكون التفكير في حياتهم! فلو عرف المصريون كيف يقارنون بين أنفسهم وبين غيرهم من الشعوب لاستيقنوا أنهم يحيون الآن حياة فذة في التاريخ تحسدهم عليها الأمم، وتنفسها عليهم الشعوب.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.