وأخيرًا فتح الله على حضرة صاحب الدولة محمود فهمي النقراشي باشا رئيس الوزراء، فقال كلامًا تمتلئ له القلوب غِبطةً وابتهاجًا، وتمتلئ له النفوس نورًا وإشراقًا، وتهتز له مصر طربًا حتى يوشك طربها أن يكون زلزالًا ترجو أن يعصم الله مصر من أخطاره وآثاره.

نعم، فتح الله على رئيس الوزراء، فقال كلامًا رائعًا بارعًا، روَّى عقول الصحفيين بعد ظمأٍ طويل ونقع غلة المصريين بعد أن كان الصدى يهلكهم وينتهي بهم إلى البوار. فقد اجتمع مجلس الوزراء أمس لأمر خطير، خطير جدًّا، ثم دعي الصحفيون إلى حضرة الرئيس بعد انفضاض مجلس الوزراء، فأقبلوا وقلوبهم تنزو في صدورهم وألسنتهم ترقص في أفواههم وريقهم يجف في حلوقهم. ثم تحدث إليهم الرئيس فكان كلامه يقع في نفوسهم الظامئة وقلوبهم الصادية موقع الغيث من الأرض المُجدِبة من بعد عهدها بالماء.

وكيف لا ينعم الصحفيون، وكيف لا يبتهج المصريون، وقد تفضَّل الجنرال جيت فدعا رئيس الوزراء إلى الغداء مع الفيلد مارشال النبروك رئيس هيئة أركان حرب قوات الإمبراطورية البريطانية. أرأيت إلى هذه الألقاب الطويلة التي دُعِي رئيس الوزراء إلى الغداء معها؟ أليس في هذه الدعوة الكريمة تشريف لرئيس الوزراء وتكريم للشعب المصري الذي ينطق باسمه رئيس الوزراء. أليس هذا الغداء خليقًا أن تُتلى أنباؤه على مجلس الوزراء، وأن تُذاع أنباؤه على المصريين جميعًا. ثم إن الأمر لم يقِف عند الغداء، فقد تحدث الرجلان العظيمان بعد الغداء — أثناء انتظار القهوة وأثناء شُربها وبعد شُربها — حديثًا طويلًا وديًّا في مسائل تهم البلدين، والبلدان هما مصر التي يرأس وزراءها النقراشي باشا، والإمبراطورية البريطانية التي يرأس هيئة أركان حربها الفيلد مارشال النبروك.

ثم يقف الأمر فجأة عند هذا الحد، وشيء خير من لا شيء، وما ينبغي لمصر أن تطمع في أكثر من هذا، فحَسبُها أن تعلم أن الرجلين العظيمين تناوَلا الغداء على مائدة واحدة، وتحدثا بعد ذلك في مسائل تهم البلدين حديثًا وديًّا طويلًا. ولكن فيمَ كان هذا الحديث؟ كان في الشئون السياسية؟ فإن الفيلد مارشال النبروك ليس صاحب سياسة، ليس من شأنه التحدث في السياسة، وما نعلم أن الإنجليز يُفوِّضون رجال الحرب في أحاديث السياسة! أم كان في الشئون العسكرية؟ فليس صاحب الدولة النقراشي باشا صاحب حرب ولا قتال، وليس له علم بالشئون العسكرية قليل أو كثير، وإذن ففيمَ كان الحديث؟! أو بعبارة أدق ما عسى أن تكون الغاية من هذا الحديث؟ أهي التمهيد للمفاوضات؟ أم هي إشاعة الطمأنينة في نفس الرئيس؟ أم هي تكدير الأعصاب؟

وفيمَ تريد أن يتحدث عظيم من عظماء الإنجليز إلى رئيس الوزارة المصرية حين يلقاه ويجتمع معه على مائدة الغداء؟ أليس طبيعيًّا أن يدور الحديث بينهما عن مسائلَ تهم البلدين، سواء أكان الوقت وقت مطالبة بالحقوق المصرية أم وقت إهمال لهذه الحقوق ونسيان لها وانصراف عنها. وهل من الممكن أن يزور رجل كالفيلد ماريشال النبروك مصر ثم لا يلقى رئيس الوزراء، ولا يجتمع معه إلى الغداء أو العشاء مهما يكُن الوقت الذي تحدُث فيه هذه الزيارة، ومهما تكُن الظروف التي تحيط بها.

لقد زار الفيلد ماريشال أتينا قبل أن يزور القاهرة، وما من شك في أنه اجتمع بالوصي على العرش هناك إلى غداء أو عشاء، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا عن مسائل تهم البلدين، ولكن الوصي على العرش لم يحتَجْ إلى أن يذيع عن هذا الاجتماع وهذا الحديث بلاغًا أو شيئًا يشبه البلاغ؛ لأن الوصي على العرش في بلاد اليونان — وهو قائم برياسة الوزراء الآن — يرى من الطبيعي أن يكون هذا الاجتماع، وأن يدور فيه هذا الحديث الودي الطويل حول مسائل تهم البلدين. ولأن الوصي على العرش مشغول بأمور الشعب اليوناني عن إصدار البلاغات في أمر طبيعي مألوف. وهذا هو كل الفرق بين رئيس وزرائنا ورئيس الحكومة اليونانية، أحدهما — وهو الرئيس اليوناني — مُثقَل بأشياء كثيرة يجب أن يعملها، وبأشياء كثيرة يجب أن يقولها وبأحاديث كثيرة يجب أن يديرها، والآخر هو رئيس الحكومة المصرية فارغ اليد والبال، ليس له هم ينغص يومه أو يؤرِّق ليله، وليس لديه شيء يقوله للمصريين، والمصريون مع ذلك يريدونه على أن يقول لهم شيئًا. وقد جدَّ الرئيس وكدَّ وبحث واستقصى وفكَّر وقدَّر فلم يجِد شيئًا يقوله للمصريين؛ لأنه لم يجِد شيئًا يعمله للمصريين، ثم صنع الله له ورفق به وهيَّأ له ظرفًا مواتيًا؛ فاجتمع بالفيلد مارشال النبروك واستطاع أن يذيع في المصريين نبأ هذا الاجتماع.

والغريب أن رئيس الوزراء اكتفى بدعوة زملائه الوزراء، ولم يَدْعُ الهيئة السياسية ليقرأ عليها هذا النبأ العظيم، وليفاوضها في دخائله وأسراره وفي مقدماته ونتائجه، أفتراه يُؤثِر مجلس الوزراء بأسرار السياسة من دون الهيئة السياسية العليا؟ أم ترى الأمر أقلَّ خطرًا أو أهون شأنًا من أن يجتمع له أعضاء هذه الهيئة السياسية العليا؟ وما عسى أن يكون رأي صاحب الدولة صدقي باشا في هذا الحدث العظيم؟ أتراه يرضى عنه ويصبر عليه؟ أم تراه يضيق به فيستقيل من هيئة تُطوى دونها الأسرار وتُخفى عليها حقائق السياسة العليا؟ يستقيل وتُذاع أنباء استقالته في الصحف، ثم يدعوه رئيس الوزراء إلى غداءٍ أو عشاءٍ أو كأسٍ من القهوة يدور حوله حديثٌ وديٌّ طويلٌ كذلك الذي دار بين الرئيس والفيلد مارشال، ثم يعدل صدقي باشا عن الاستقالة؛ لأن أقنع النقراشي باشا بأنه كان مخطئًا، أو لأن النقراشي باشا أقنعه بأنه كان مصيبًا، ثم تجري الأمور كما جرت بعد استقالة الأسبوع الماضي.

والحق أن المصريين في حاجة إلى هذه الفكاهات يَتَسَلَّوْنَ بها عن هذه الحياة الراكدة الجامدة الخامدة، التي لا تُغني شيئًا ولا تدل على شيء، والتي فُرِضَتْ على المصريين في هذه الأيام الشداد.

يجب أن يستقيل صدقي باشا، وأن يترضاه النقراشي باشا حتى يعدل عن الاستقالة، وأن يجد الصحفيون من أصحاب الفكاهة ما يرفهون به على القراء. يا ويح هذا الشعب من ساسته العظام وقادته الكبار، إنهم ليكلفونه من أمره شططًا، إنهم ليعبثون والشعب في حاجة إلى أن يجِدُّوا، ولكن بهذا سبق القضاء وجرت الأقدار.

فيجب أن يشغل الشعب بهذا الأحاديث الفارغة عن حقوقه المُقَدَّسَة، ويجب أن يُلهى الشعب عن آماله وأمانيه بما يكون من استقالة صدقي باشا ظهر الخميس وعدوله عن هذه الاستقالة بعد أن يقدمها بساعات قصار أو طوال.

وبعد، فلو أن عند النقراشي باشا شيئًا يقوله أكثر من اجتماعه بالفيلد مارشال لقاله، ولو أن عند النقراشي باشا شيئًا يعمله أكثر من الغداء من الفيلد مارشال لعمله. ولكن الرجل قد بذل جهد المُقِل، وأعطى خير ما عنده أو كل ما عنده، وأجملُ بائعة للتبغ لا تستطيع أن تعطي إلَّا ما عندها كما يقول الفرنسيون. والله لا يكلف الناس فوق ما يستطيعون. وقد بذل رئيس وزرائنا طاقته كلها، فتغدى مع الفيلد مارشال وأدار معه حديثًا ودِّيًّا طويلًا في مسائل تهم البلدين، ثم أفضى بنبأ ذلك إلى مجلس الوزراء، ومن حيث إن الوزارة تُعاب بالصمت، وتؤخذ بالتقصير في نشر الدعوة لما تنهض به من أعمال جِسام. فقد أُشير على رئيس الوزراء في أكبر الظن بأن يدعو الصحفيين إلى حضرته، ويذيع فيهم هذا النبأ الخطير، وقد فعل، واللهُ لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، فيجب على الشعب المصري أن يرضى، بل يجب عليه أن يبتهج، بل يجب عليه أن يملأ الجو هتافًا وتصفيقًا وصفيرًا أيضًا. فقد تغدَّى رئيس الوزراء مع الفيلد مارشال النبروك، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهم البلدين.

ولا ينبغي أن يفوت الشعب المصري أن لهذا الغداء خطره العظيم؛ لأن غداءً آخر حدث في لندرة، وما من شك في أن سفيرنا قد تحدَّث هو أيضًا مع ضيفه المستر بيفن وزير الخارجية البريطانية حديثًا وديًّا طويلًا في مسائلَ تهمُّ البلدين، غداء في القاهرة وغداء في لندرة وغداء يطابق أصول السياسة كل المطابقة، يطابق أصول السياسة الظريفة كل الظرف، فرئيس وزرائنا ضيفٌ في القاهرة، وسفيرنا مضيف في لندرة، وليس بين الغدائين من فرق إلَّا أن غداء القاهرة دعا إليه قائد بريطاني، ولم يدع إليه السفير البريطاني أو من ينوب عن السفير.

وتفسير هذا الفرق يسيرٌ جدًّا، فوزير الخارجية البريطانية صاحب سياسة وليس صاحب حرب؛ فهو إذن يتغدَّى مع السفير المصري ويدير معه الحديث الودِّي الطويل. أمَّا رئيس وزرائنا فصاحب مهارة حربية وبراعة في الكرِّ والفرِّ والإقدام والإحجام، فهو إذن يتغدَّى مع الفيلد مارشال ويدير معه الحديث الودِّي الطويل.

أليس لهذا العبث من آخِر، ألم يأنِ لساستنا أن يثوبوا إلى ضمائرهم وأن ينظروا إلى الساسة من حولهم، وأن يقدروا أنهم يوشكون أن يضيِّعوا على مصر فرصًا لا سبيل إلى استدراكها إذا لم تنتهز الآن؟ ألم يأنِ لرئيس الوزراء أن يخلو إلى نفسه ذات صباح أو ذات مساء، وأن يسألها عن هذا الفوز العظيم المخيف الذي يظفر به في هذه الأيام؟ إنه يفوز على نفسه فيشغل بمظاهر الحكم عن حقائق الحياة المصرية، وقد كان العهد به غاليًا في الوطنية جامحًا في المطالبة بالحقوق. أيمكن أن يكون الحكم ملطِّفًا لحدة المزاج إلى هذا الحد! إنه يفوز على أمته فوزًا عظيمًا مخيفًا حين يشغلها بالتافه من الأمر عن الجهاد في سبيل الحق، وحين يلهيها بهذه الأحاديث التي لا تُغني شيئًا عن تحقيق آمالها في هذا الوقت الملائم لتحقيق الآمال.

ليت النقراشي باشا يخلو ساعة إلى نفسه ويوازن بين موقفه الآن وموقفه في أعقاب الحرب العالمية الأولى. إذن يفزع أي فزع ويهلع أي هلع، ويعلم أن الحكم قد يغيِّر بعض النفوس، وقد ينحرف ببعض الناس عن الجادة، ويدفعهم إلى كثيرٍ من الالتواء.

ولكن صاحب الدولة في شغل عن حساب نفسه والخلوة إليها، والموازنة بين قديمه وحديثه. فقد يحب أن يبقى في الحكم ليحفظ العهد الحاضر من الانهيار، وفي انهيار العهد الحاضر خطر أي خطر. فيه هذا الخطر العظيم الذي قد لا يحبه الإنجليز، ولا يحبه أنصار الوزارة من المصريين. إن انهيار العهد الحاضر يردُّ إلى الشعب حريته ونشاطه، واندفاعه إلى المطالبة بالحق وإصراره على هذه المطالبة حتى يبلغ ما يريد، وهذا شيءٌ قد لا يحبه الإنجليز الآن، وقد لا يحبه فريقٌ من المصريين أيضًا مع الأسف الشديد.

فليبق العهد الحاضر إذن، ولتُؤجَّل المطالبة بالحقوق، وليتغدَّ رئيس الوزراء مع الفيلد ماريشال النبروك، ولينعم الشعب المصري بهذا الشرف العظيم الذي هو أعظم وأضخم من نيل الحقوق. أليس رئيس وزرائه قد تغدَّى مع الفيلد مارشال، وأدار معه حديثًا وديًّا طويلًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.