كانت حجة الدفاع عن «إيشمان» قويةً من حيث المبدأ؛ لأنه واجه المحكمة الصهيونية ببطلان المحاكمة من وجوه كثيرة، أولها وأظهرها أن إسرائيل لم يكن لها وجود حين وقعت الجرائم التي تنسب إلى إيشمان، وأن التشريع الذي يقضى به في أمره لا يدينه ولا يسري عليه، فإذا جازت محاكمته فإنما تجوز في ألمانيا حيث وقعت الجرائم، أو في الأرجنتين حيث كان يقيم عند اعتقاله، أو أمام المحاكم الدولية التي يتقرر إنشاؤها لأمثال هذه المحاكمات، وقد توقفت محاكم «نورمبرج» ولم يتجدد تأليفها بعد الفراغ من قضاياها.

أما جواب الاتهام الصهيوني على هذه الحجة القوية فخلاصته أن جرائم «إيشمان» تسلكه في زمرة أعداء الإنسانية كالقراصنة والنخاسين؛ أي تجار الرقيق، والمهربين الدوليين الذين يجوز القبض عليهم في كل مكان.

والمغالطة ظاهرة في هذا التلفيق؛ لأن جواز اعتقال هؤلاء المجرمين لا يعني أن تتخطى الدولة حدود غيرها لكي تعتقلهم خلسةً، ولا يخوِّلها حق الحكم في جرائم وقعت وهي لم توجد ولم يكن لها كيان معترف به في العلاقات الدولية.

لكن المهم في المسألة شيء غير هذه المساجلات الفقهية، المهم هو تلك «العقلية» التي تتشابه عند كل جماعة تدعي أنها شعب الله المختار. فإن الذين طاردوا الصهيونيين في ألمانيا واضطهدوهم قد جعلوا حجتهم الكبرى أن الصهيونيين أعداء الإنسانية، وأن الآريين — وهم الشعب المختار بين بني الإنسان — أحق خلق الله بتطهير الإنسانية من هذه الطغمة المدسوسة عليها.

ولو أراد النازيون أن يؤيدوا حجتهم هذه بالأسانيد الدامغة لما احتاجوا إلى البحث الطويل عنها؛ لأنهم يجدون تلك الأسانيد في العقيدة التي يعلنها الصهيونيون ولا يكتمونها، وهي أثبت من كل ما يثبت على إيشمان من جرائمه الظاهرة أو الخفية.

فالصهيونيون يعتقدون أنهم هم وحدهم «الأمة المختارة» التي سُخِّرت لها أمم العالمين، ويسمون الإنسانية كلها باسم «الجوييم»؛ أي الأمم الهمل في غير رعاية الله، يحق لهم أن يعاملوها معاملة الأجنبي الدخيل وأن يستبيحوا عند معاملتها كل ما لا يستباح في شريعتهم بينهم وبين أنفسهم، ونصوص هذه الدعوة الأثيمة مسجلة في كل كتاب من كتبهم التي يدينون بها ويستندون إليها.

وتاريخ الصهيونية من مبدئه إلى اليوم هو تاريخ طائفة شاذة تعتزل الناس حيث نزلت وتقيم في «الغيتو»؛ أي المدينة الخاصة بهم معزولة عن الأحياء العامرة على اتساعها.

وقد خرج الصهيونيون قديمًا من كل وطن نشئوا فيه أو رحلوا إليه: كانوا في جزيرة العرب فخرجوا منها إلى وادي النهرين، ثم خرجوا من وادي النهرين إلى شمال العراق، ثم رحلوا إلى كنعان، ورحلوا من كنعان إلى وادي النيل، ورحلوا من وادي النيل إلى فلسطين، وتشتتوا من فلسطين إلى أرجاء الأرض، فكان مصيرهم الطرد أو الهجرة من كل وطن وصلوا إليه.

ويتساوى أن تكون الصهيونية هي التي طردت نفسها أو يكون أبناء البلاد هم الذين طردوها، فكل ما يتغير في القصة أن الصهيونية «عدو الإنسانية» أو أن الإنسانية «عدو الصهيونية» ولا فرق في النهاية بين العداوتين.

سألني صحفي صهيوني كان يلقي دروس التاريخ الديني في جامعاتهم: ما رأيك في موقف النازيين من اليهود؟

قلت: اسمع يا أستاذ …

إنك معلم تاريخ ودين، وتعلم أنكم شعب الله المختار في الزمن القديم كما تقولون، وتعلم أن النازيين كما يقولون هم شعب الله المختار في الزمن الحديث، فالله وحده هو الذي يقضي بينكم بالحق، وهو الذي يختار بينكم كما يريد.

إن إيشمان يحاول عبثًا أن يدفع عن نفسه دعاوى القوم؛ لأنهم حرموا عليه أول حق من حقوق المتهم وهو استدعاء الشهود ممن حضروا الوقائع المنسوبة إليه، ولم يقبلوا التصريح بضمان حرية الشهود في العودة إلى بلادهم، ولا التصريح بإعفائهم من المحاكمة أمام القضاء الصهيوني كما يحاكم إيشمان الآن.

فالدفاع إذن عبث وأمل باطل، ولكن إيشمان يستطيع أن يتقدم باعتراف واحد؛ وهو أنه رجل من «الجوييم»، يشاركه في التهمة أناس يبلغون في الكرة الأرضية نحو ثلاثة آلاف مليون … وعلى المحكمة الصهيونية أن تقول بعد ذلك، ما هو الفرق في عداوة الإنسانية بينه وبين الآدميين جميعًا فوق ظهر الكرة الأرضية على مذهب الصهيونيين؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.