يُدَرَّسُ الدين في المدرسة كمادة علمية، تعرض أبوابها آيات قرآنية وأحاديث نبوية وعقائد وعبادات، ونحوًا من السير، يحفظها التلميذ ويمتحن فيها، ثم ينساها بعد ذلك كما ينسى غيرهم من العلوم التي تخرج عن نطاق تخصصه، وهو لا يكاد يهضم منها إلا القليل، ويتعثر بين معانيها الدقيقة وأسلوبها الجزل، ويعاني في ذلك ما يعاني.

الدين ليس علمًا من العلوم، ولا فرعًا من المعرفة، ولكنه تربية روحية يتجلَّى جوهرها في المعاملة والسلوك والرؤية. بدليل أنه كثيرًا ما يحدث أن يوجد تلميذ متفوق في الذكاء وسيئ في الخلق، فيحصل على أعلى درجة في الدين، وفي الوقت نفسه قد يُرْفَتُ لسوء خلقه! ولذلك ينشأ التلميذ وهو يعتقد أنْ لا علاقة هناك بين الدين وبين الحياة اليومية، وبين العمل بها من ناحية أخرى.

لذلك فإنني أدعو إلى أن يكون درس الدين تربية روحية، تُتَلَقَّى في جو من التعاطف والإرشاد والمحبة، بعيدًا عن معاناة الحفظ والتسميع والخوف من «السقوط»، مع الاقتناع الكامل بأن الدين ليس معرفةً تحفظ، ولكنه معاملة وسلوك تقوم عليهما الحياة الإنسانية الكريمة.

ولذلك أيضًا فإنني أتصور أن تكون السيرة هي العماد الأول لهذه التربية بما هي حياة وسلوك ورؤية ومَثَلٌ أعلى، فتدرس السيرة النبوية بدءًا من السنة الأولى الابتدائية حتى السنة الثانية الثانوية، تعرض في السنة الأولى في صورة مبسطة يسيرة، ثم تتدرج في النمو والتفاصيل عامًا بعد عام، وتتضمن من الآيات ما يناسب المقام وما تتطلبه الحاجة. فآيات الصلاة تقرر في سنٍّ معينة، كذلك آيات الصوم، مع التركيز على آيات القيم والأخلاق والأهداف الإنسانية، وعلى أن يتم تقدير التلميذ في هذا الدرس أيضًا من خلال سلوكه بين أقرانه، ومعاملته لمدرسيه، وموقفه من تحصيل العلم، ورأيه في العدالة الاجتماعية والعنصرية والتسامح الديني، وعدم التعصب، والوحدة القومية.

أما في السنة الثالثة الثانوية فيدرس التلميذ كتابًا يتضمن نخبة من آراء قادة الفكر المسلمين — وغيرهم من المنتمين إلى ديانات أخرى — في الإسلام وقيمه الإنسانية، ورسالته في العصر الحديث.

وأتصور أيضًا أن تكون درجة نجاح التلميذ في مادة «السلوك» هي درجة نجاحه في التربية الدينية.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.