يُقال إنَّ الحكومات إنما تنشأ لخدمة الشعب والعناية بمرافقه والرعاية لمصالحه المستقرة والطارئة.

وهذا كلام يُقال في العصر الحديث حين عُرِفَتْ حقوق الإنسان، وحين استقر في نفوس الناس أن الأمة هي مصدر السلطات، وأنها توكل شيوخها ونوابها ليراعوا منافعها، ويذودوا عن حقها، ويراقبوا حكوماتها، فيقرُّوها في الحكم إن أصلحت، ويزيلوها عنه إن أفسدت، ويعاقبوها إن أمعنت في الفساد.

يُقال هذا في العصر الحديث، وتؤمن به شعوب كثيرة، وتتخذه لنفسها شرعة ودستورًا. وقد قِيلَ هذا الكلام لمصر منذ وقت بعيد، وقِيلَ لها بنوع خاص في كثير من الإلحاح والتفصيل منذ أوائل هذا القرن.

وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية في الوزارة القائمة المعلم الأول لهذه الأصول والقواعد، فهو الذي أذاع في الشعب أن الأمة مصدر السلطات، وهو الذي أذاع في الشعب أن مقام الأمة فوق كل مقام، وهو الذي أذاع في الشعب أن النظام الدستوري حق طبيعي للأمم، وأنه وحده الذي يلائم كرامة الإنسان ويحميه من تحكم الفرد كما كان عبد الحميد يتحكم في الأمة التركية، ويحميه من تحكم القلة كما كانت الوزارة تتحكم في الأمة المصرية حين كان الإنجليز أيام الاحتلال يرسلون لها العنان بعض الشيء، ويخلون بينها وبين التحكم والاستبداد.

وليس من شك في أن وزير خارجيتنا الآن قد كان يستمتع بحرية صحفية لا نستمتع بها نحن الآن، بل لا نستمتع بجزء يسير منها. فبعض ما كان يكتبه في أوائل هذا القرن لا سبيل إلى إعادته الآن؛ لأنه يرسل مُعِيدِيه إلى السجن قطعًا، وقد يُعرِّضهم لعقاب القانون، وما أحب بالطبع أن أعيد شيئًا من هذه المقالات؛ لأني لا أريد أن أُرسَل إلى السجن ولا أُريد أن أتعرض للعقاب.

ولكني أذكر في كثيرٍ من الحزن والأسى تلك الأيام السعيدة الحلوة التي كنا نتلقَّى فيها عن أستاذنا الجليل وزير الخارجية في كثير من الشغف والهيام أحاديث الحرية السياسية، وأحاديث حرية الرأي، وأحاديث الحكم الدستوري كما كان مونتسكيو وروسو وفولتير وغيرهم من فلاسفة العصر الحديث يصورون هذه المعاني.

ووزير خارجيتنا هو الذي عرَّف هؤلاء الفلاسفة إلى المصريين، وهو الذي أسمعهم لأول مرة — فيما يظهر — أسماء طائفة من الكتب أسرعوا إليها فقرءوها، وحاولوا ترجمتها ووُفِّقوا في ترجمة بعضها. فمنه عرفت روح القوانين لمونتسكيو، ومنه عرفت العقد الاجتماعي لجان جاك روسو، ومنه عرفت الحرية لستيورات ميل، ومنه عرفت الواجب لجيول سيمون، وبفضله دُفِعْتُ مع صديق لي إلى ترجمة هذا الكتاب.

نعم، كانت تلك الأيام حلوة وكانت سعيدة؛ لأن الحرية كانت فيها من المُثُل العليا، وكان يُباح لنا أن نطلبها، وكان يُباح لأستاذنا الجليل وزير الخارجية أن يعلمنا كيف نطلبها، وأن يكون هادينا ومرشدنا فيما ينبغي أن نسلك إليها من سبيل، حتى استقرت هذه المعاني في نفوسنا، وأخذنا نذيعها بين الشباب، ونزيِّنها في قلوب الشعب كما كان هو يذيعها بيننا ويزينها في قلوبنا، ثم انقضت تلك السنون وأهلها فكأنها وكأنهم أحلام.

نعم؛ كأنها وكأنهم أحلام، فمن ذا الذي يصدِّق أننا نعيش في بلد حرٍّ، له دستور يعترف بأن الأمة مصدر السلطات، وبأن حرية الرأي مكفولة؟! من ذا الذي يصدق أن الشعب المصري قد اختار نوَّابه حقًّا، ومِنْ هؤلاء النواب أنفسهم من يعلن في غير تحفظ ولا احتياط أن الانتخابات قد كانت مزورة؟!

من ذا الذي يصدق أن البرلمان يؤدي حق النيابة عن الأمة كما ينبغي لهذا الحق أن يُؤدَّى، وقد سفكت حكومة النقراشي باشا دم المصريين فلم يسألها أحد عما سفكت من هذا الدم، وقد أضاعت حكومة النقراشي باشا كثيرًا من الحقوق حين حاولت إقناع الإنجليز بالدخول معنا في المفاوضات، فلم يسألها أحد عما أضاعت من هذه الحقوق؟!

وقد سلكت حكومة صدقي باشا نفس الطريق التي سلكتها حكومة النقراشي باشا، وجرَّت على مصر شرًّا أشدَّ خطرًا وأعظمَ نكرًا مما جرَّتْه حكومة النقراشي باشا، فلم تلقَ من البرلمان إلَّا نصرًا وتأييدًا.

من ذا الذي يصدق أن البرلمان يؤدي حق النيابة عن الأمة كما ينبغي لهذا الحق أن يُؤدَّى؟! وقد كانت الميزانية تمر أمام المجلسين مرَّ السحاب، حتى نسيت الحكومة أن ترصد من المال ما كان ينبغي إرصاده لتنفيذ أحد القوانين القائمة، ولم تذكر هذا إلَّا في اللحظة الأخيرة، فقدمت الاعتماد إلى البرلمان، ولكنه مرَّ أمام أحد المجلسين ولم يمر أمام المجلس الآخر، فأصبح القانون معطَّلًا بعد فضِّ الدورة البرلمانية إلَّا أن تحتال الحكومة في تدبير المال اللازم لإنقاذ هذا القانون.

من ذا الذي يُصدِّق أن الحكومة تؤدي حق الأمة كما ينبغي لهذا الحق أن يُؤدَّى، وقد كان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يعلمنا أن الحكومة شرٌّ لا بدَّ منه، وأنها إنما تنشأ لتكفَّ شر بعض الناس عن بعض، ولتقر بينهم العدل، ولترد عنهم غائلة المُغِير، فهل كفَّتْ حكومة صدقي باشا شر بعض الناس عن بعض؟!

أليس من الحقائق الواقعة أن المصريين يقتتلون في كثير من القرى وفي كثير من المدن فيصرع بعضهم بعضًا، ونحصي نتائج هذه الوقائع، فيُقال: فَقَدَ هذا الفريقُ كذا قتيلًا وكذا جريحًا، وفَقَدَ ذلك الفريقُ كذا قتيلًا وكذا جريحًا، كما كانت تُحصَى نتائج الغارات بين أهل البادية في عصور الجاهلية الأولى؟!

ألم أقرأ رسالة برقية أرسلها مصري إلى رئيس الوزراء ينبئه فيها بأن قومًا خطفوه واحتفظوا به أسيرًا بضعة عشر يومًا حتى افتدى نفسه منهم بمقدار ضخم من المال؟!

أفتستطيع حكومة صدقي باشا أن تزعم أنها تكف شر بعض المصريين عن بعض؟! وإذا عجزت الحكومة عن حماية الأمن وإقرار النظام، فما نفعها؟! وما بقاؤها في الحكم؟! وما استمتاعها بالسلطان؟! وعلامَ يأخذ الوزراء أجورهم آخر الشهر؟! وعلامَ ينعمون بما يتبع مناصب الحكم من ألوان الجاه والسلطان؟!

حكومتنا إذن عاجزة عن إقرار الأمن، ولكنها مع ذلك باقية في مناصب الحكم. وحكومتنا عاجزة عن إقرار العدل بين الناس — ما في ذلك شك — ولكن لا أدري — ولعلِّي أدري — أيأتيها العجز من ضعفها وقصورها أم يأتيها العجز من أنها لا تحب العدل الاجتماعي ولا تطمئن إليه؟! ما إلغاء المجانية في التعليم الابتدائي بعد أن أقرَّها البرلمان في عهدين مختلفين، وبعد أن عجز النقراشي باشا نفسه عن إلغائها؟!

أرجو ألَّا يسرف وزير المعارف على نفسه وعلى زملائه، فيظن الغفلة بالمصريين جميعًا، ويعلن إليهم أنه أقر المجانية ولكنه طالب بنفقات الغذاء والأدوات والتأمين الصحي والألعاب الرياضية، فإن المدرسة شيءٌ لا ينبغي أن يقبل التجزئة. وإذا لم يكن بدٌّ من أن ندفع أثمان الكتب والأدوات، فلتُحْسَبْ هذه الأثمان حسابًا دقيقًا، وما ينبغي أن يُقال للمصريين إن بلادًا أخرى تقر مجانية التعليم، ولكنها تطالب بأثمان الغذاء والأدوات.

فوزير المعارف يعلم حق العلم فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين ربه، وفيما بينه وبين زملائه أن مصرَ ممتازة بين البلاد المتحضرة بهذا الفقر الذي يُظِلُّ الكثرة الضخمة من أهلها، وأن الفقر المصري لا يشبه الفقر في أي بلد متحضر من بلاد الأرض، وإنما هو فقرٌ قبيحٌ بشعٌ ملحٌّ مهلكٌ للحرث والنسل، ينهك الجسم ويفسد القلب ويذل النفس ويخذي الشعب المصري بين الشعوب.

ومن المحقق أن وزير المعارف لو خيَّر كثيرًا من البائسين في مصر بين الذهاب إلى المدارس ليأكلوا بالمجان والذهاب إليها ليتعلموا بالمجان لآثروا الأولى على الثانية. فالتعليم ينفع الناس، ولكنه لا يعصمهم من الموت جوعًا، وحياة البهائم خير من الجوع والموت على كل حال.

حكومتنا إذن لا تقر العدل عن عجز أو عن عمد حين تضع العقبات المنكرة أمام الفقراء في سبيل التعليم. وحكومتنا لم تصنع إلى الآن شيئًا لمحاربة الفقر ولا لمحاربة المرض، ولا لإلغاء الفروق بين الموسرين والمعسرين.

وإذا عجزت الحكومة عن إقرار العدل بعد عجزها عن إقرار الأمن، فما بقاؤها في الحكم؟! وما استمتاعها بالسلطان؟! وعلامَ يتقاضى الوزراء أجورهم آخر الشهر؟! وكيف يستحلون لأنفسهم هذه الأجور؟!

أمَّا حماية مصر من تسلط الأجنبي، فحكومتنا عاجزة عنها كل العجز، بل هي قد أثبتت أنها لا تفهمها ولا تسيغها، ولا تفهم الاستقلال كما ينبغي أن يُفهَم، وآية ذلك أنها قبلت من الإنجليز — وبعض الناس يقول أنها عرضت على الإنجليز — إنشاء هذه الشركة البغيضة للدفاع عن مصر.

وأذكر أني كتبت ذات يوم فصلًا في البلاغ أعيب فيه هذه الشركة، وأبيِّن مناقضتها للاستقلال. وكان مستر بيفن يلهج بها ويرغبنا فيها، فلم تمضِ ساعات على ظهور البلاغ حتى تحدث إليه متحدث بالتليفون يهنئني بهذا الفصل، ويطلب إليَّ أن أكتب أمثاله وأُبَغِّض هذه الشركة إلى الشعب؛ لأنها تلغي الاستقلال إلغاءً، وكان المتحدث إليَّ بالتليفون هو أستاذنا الجليل وزير الخارجية والعضو في هيئة المفاوضات.

وكان أستاذنا الجليل وزير الخارجية يعلمنا في أيام الشباب أن الحكومة شرٌّ لا بد منه، وأن الشعوب إنما تنشئ هذا الشر وتحتمله؛ لأنه يكف أذى بعض الناس عن بعض، ولأنه يقر بينهم العدل، ولأنه يحميهم من العدوان الخارجي. فإذا عجزت الحكومة عن إقرار الأمن وعن تحقيق العدل وعن حماية الشعب من العدوان الأجنبي، فما بقاؤها في الحكم؟! وما استمتاعها بالسلطان؟! وعلامَ يتقاضى الوزراء أجورهم آخر الشهر؟! وكيف يستحلون لأنفسهم هذه الأجور؟!

أتريد الجواب الصريح الصحيح على هذه الأسئلة أيها القارئ الكريم؟! إن هذا الجواب يسيرٌ جدًّا قريبٌ جدًّا لا يحتاج إلى تفكير ولا إلى شيء يشبه التفكير. فالديمقراطية المصرية كلمة تُقال، ولكنها لا تحقق شيئًا، والحكومة في مصر لا تحكم الشعب لمصلحة الشعب، وإنما تحكمه لمصلحة السادة الحاكمين، والشعب في مصر ليس سيدًا وإنما هو مسود، والشعب في مصر ليس مصدر السلطات وإنما هو موضوع السلطات، والشعب في مصر أشبه شيء بالطفل أُهْدِيَتْ إليه ديمقراطية من زجاج، وأُذِنَ له أن يلعب بهذه الديمقراطية، ولكن في رفق وحذر واحتياط، وحكومته تراقب لعبه بهذه الديمقراطية، فإن رأته يوشك أن يخرج من اللعب إلى الجد ردَّته مسرعة إلى اللعب الحذر الرفيق مخافة أن تتحطم لعبته الزجاجية!

وسيظل الأمر كذلك حتى يؤنس الشعب من نفسه رشدًا، ويبيِّن للحكومة أنه لا يحب اللعب وإنما يريد الجدَّ، وأنه إذا لم يكن له بدٌّ من أن يلعب، فهو يؤثر أن يلعب بالحكومات يقيمها ويستبقيها ما وجد عندها الخير. فإن لم يجد عندها خيرًا ولم ينتظر منها نفعًا أزالها عن مناصب الحكم، وردَّ أعضاءها إلى حياتهم الخاصة، وتخلص منها زاهدًا فيها كما يزهد الطفل في لعبته سواء كانت من زجاج أم من حديد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.