نشرت الممثلة أنجلينا جولي مقالًا يتميز بصراحة ملفتة للانتباه حول خضوعها لجراحة استئصال مزدوج للثدي، وقد نشر المقال في الصفحة المقابلة لافتتاحية عدد اليوم من صحيفة «نيويورك تايمز». تحمل أنجلينا جولي متغير من جين يدعى BRCA1 والذي يزيد من احتمال إصابة السيدات بسرطان الثدي والمبيض إلى حد كبير، وقد توفيت أمها — التي كانت تحمل كذلك هذا المتغير — عن عمر يناهز السادسة والخمسين جراء الإصابة بسرطان المبيض. وعلى غرار العديد من السيدات اللاتي يعانين من الحالة المرضية نفسها، قررت أنجلينا جولي إجراء جراحة لاستئصال ثدييها كإجراء وقائي.

أظهرت العديد من الدراسات أن جراحات استئصال الثدي الوقائية الثنائية (الاسم الرسمي للجراحة) تقلل بالفعل من خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى السيدات اللاتي يحملن طفرة جين BRCA1. ففي دراسة نشرت الشهر الماضي في مجلة «أنالز أوف أونكولوجي»، تتبع فريق من الباحثين الطبيين الهولنديين حالة ٥٧٠ سيدة يحملن جين BRCA1 (أو من يحملن طفرة في جين BRCA2 القريب منه). في بداية الدراسة كانت جميع السيدات يتمتعن بصحة جيدة، ولاحقًا اختارت ٢١٢ سيدة منهن الخضوع لعمليات استئصال ثدي لتقليل احتمال الإصابة به. وعلى مدار السنوات القليلة اللاحقة، تابع الباحثون تطور حالة هؤلاء السيدات؛ فوجدوا أن ١٦٪ من السيدات اللاتي لم يجرين عملية استئصال الثدي أصيبوا بسرطان الثدي، بينما لم تصب به أيًّا من السيدات اللاتي سلكن المسار الذي اختارته أنجلينا جولي.

ترمز الحروف الأولية في اسم الجين BRCA1 إلى سرطان الثدي ويعكس اسمه كيفية اكتشافه، إذ وجده العلماء أثناء بحثهم عن سبب المرض. إلا أن هذه الأسماء في الواقع مغلوطة. ففي نهاية المطاف، لا تقتصر وظيفة الجينات على التواجد داخل الحمض النووي للإنسان كي تصاب بطفرات في بعض الأشخاص وتسبب لهم الأمراض، بل يكون لها عادةً وظيفة تؤديها. وفي حالة الجين BRCA1 فإن له عدة وظائف، إحداها حماية الحمض النووي من الطفرات الضارة التي قد تحدث أثناء تناسخه. فإذا تعرض الحمض النووي بالفعل للتلف، فإن بروتين BRCA1 يساعد في إصلاحه، إذ ينضم إلى عدة فرق من بروتينات أخرى بحيث يتولى كل فريق جزءًا مختلفًا من مهمة إصلاح الحمض النووي المعقدة.

بعبارة أخرى، يحافظ جين BRCA1 في الوضع الطبيعي على سلامة خلايانا، لكن إذا تعرض لطفرة فإنه لا يستطيع أداء وظائفه كما ينبغي، فالخلايا التي تحوي نسخة طافرة من جين BRCA1 تغفل عن بعض الأخطاء. يمكن أن تتراكم الطفرات لدى الجينات الأخرى في صف من الخلايا المنقسمة، ويتسبب بعضها في موت الخلايا، لكن في بعض الأحيان تتسبب تلك الطفرات في تأثير عكسي بحيث تنمو الخلايا الطافرة ويتسارع انقسامها. ومع تكاثر تلك الخلايا، فإنها تكدس مزيدًا من الطفرات بحيث تصبح في النهاية سرطانًا كامل النمو. لذا يتراوح خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى السيدات اللاتي يحملن طفرات جين BRCA من ٤٠٪ إلى ٨٥٪ (كذلك تتراوح نسبة إصابتهن بسرطان المبيض من ١٦٪ إلى ٦٤٪).

اكتشف فريق من العلماء في جامعة يوتا خلال العام الماضي أثرًا جانبيًّا غير متوقع لطفرات جين BRCA، إذ فحصوا السجلات الطبية للسيدات اللاتي يحملن طفرات جين BRCA وقارنوها بسجلات السيدات اللاتي يحملن الشكل الطبيعي من تلك الجينات. وقد وجدوا أن السيدات اللاتي يحملن الطفرات لم يتزايد احتمال إصابتهن بالسرطان فحسب؛ بل إنهن كذلك أنجبن مزيدًا من الأطفال. وقد كان هذا الأثر قويًّا بصورة خاصة بين السيدات اللاتي ولدن قبل عام ١٩٣٠، إذ أنجبن في المتوسط طفليْنِ إضافييْن (بمعدل ٦٫٢٢ مقارنة ﺑ ٤٫١٩).

لم يستطع العلماء بجامعة يوتا من خلال دراستهم معرفة كيف تؤدي تلك الطفرات إلى إنجاب المزيد من الأطفال، لكنهم عرضوا اقتراحًا واحدًا. فخصوبة المرأة تعتمد على صلاحية بويضاتها؛ والبويضات — على غرار الخلايا الأخرى — تحوي أغطية يطلق عليه اسم قسيمات طرفية (تيلومير) في نهايات كروموسوماتها والتي تحميها من التعرض للتلف. كلما زاد طول القسيمات الطرفية، كان حال البويضة أحسن. ومن ضمن الوظائف المتعددة التي يؤديها جين BRCA هو أنه يساعد على التحكم في طول القسيمات الطرفية. وهكذا، يقترح علماء جامعة يوتا أن بروتينات 1BRCA الطافر قد تؤدي إلى إطالة القسيمات الطرفية في البويضات، مما يجعل صلاحيتها أفضل.

تؤثر طفرات الجين BRCA تأثيرًا إيجابيًّا للغاية على الخصوبة إلى حد دفع جاك دا سيلفا — عالم الأحياء في جامعة أديليد — إلى الإشارة إلى أن تلك الطفرات كان ينبغي لها أن تكون أكثر انتشارًا. لا تحمل هذه الطفرات سوى نسبة ضئيلة من السيدات، إلا أنها تمكنهن من إنجاب المزيد والمزيد من الأطفال، لذا من المتوقع أن يتزايد انتشار الطفرة مع كل جيل. وفي غضون بضعة قرون من وقت ظهور تلك الطفرة لأول مرة، ينبغي أن تكون لدى الجميع.

يقترح دا سيلفا أن تكون تلك الطفرات تحتل وضعًا معلقًا في ميزان التطور. فقبل سن الأربعين، يبلغ خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى السيدات اللاتي يحملن طفرة جين BRCA نسبة ٢٠٪ فحسب، بينما ترتفع نسبة الخطر لتصل إلى ٣٧٪ مع سن الخمسين وتستمر في الارتفاع حتى إذا بلغت المرأة سن السبعين تصبح النسبة ٧٠٪. بعبارة أخرى، ترتفع فرص تلك السيدات في البقاء على قيد الحياة في مرحلة إنجاب الأطفال، لكن تتناقص احتمالات بقائهن على قيد الحياة ليشهدن أطفالهن وقد أصبحوا آباء.

يقول العديد من علماء الأحياء بأن الجدات يلعبن دورًا هامًّا في بقاء أحفادهن على قيد الحياة، بل في الوقع يعتقد بعضهم أن مساعدتهن في تربية الأحفاد قيِّمة للغاية لدرجة أدت إلى تطور انقطاع الطمث. إذ تستطيع السيدات ممن توقفن عن تربية أطفالهن توجيه جهودهن لصالح المساعدة في تربية أحفادهن، في حين تقل احتمالات تمكن السيدات اللاتي يحملن طفرات BRCA من تقديم تلك المساعدة. ونتيجة لذلك — كما يذهب دا سيلفا — فإن فرص بقاء أحفاد هؤلاء السيدات على قيد الحياة قد تكون أقل إلى حد ما من فرص أحفاد الجدات اللاتي لا يحملن تلك الطفرات.

قد يفسر هذا التوازن الطبيعة المحيرة لطفرات جين BRCA، فهي أكثر شيوعًا من اعتلالات أخرى قد تكون مميتة مثل التليف الكيسي، وهي كذلك عاجزة عن الانتشار إلى ما يزيد عن نسبة ضئيلة من عدد السكان. وهذا الإرث القديم للتأثيرات المتعددة لجين BRCA هو ما تكافح سيدات مثل أنجلينا جولي اليوم للتعامل معه.

Tracing Breast Cancer’s History by Carl Zimmer. The Loom. May 14, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.