أما أنَّ في موقف الوزارة القائمة حَرجًا شديدًا في هذه الأيام، فذلك شيءٌ لَا سَبِيلَ إلى الشك فيه، تحدث به الناس منذ عهدٍ بَعِيدٍ فكذبتهم صحف الوزارة، وألحت فيه الإشاعات في الأسبوع الماضي فألحت صحف الوزارة في إنكاره ونفيه، ولكنَّ الناس ظلوا يتحدثون رغم ذلك التكذيب، ولكنَّ الإشاعات ظلت تنطلق رغم هذا الإلحاح في النفي والإنكار.

ويظهر أنَّ صُحُفَ الوزارة قد تعبت من تكذيب الأحاديث، وسئمت نفي الإشاعات وإنكارها، فأخذت تصدق ما يقول الناس، وأخذت تقر ما تنشره الإشاعات.

بدأت الأهرام يوم السبت، فتحدثت عن الخلاف بين رئيس الوزراء والمندوب السامي، وأنبأتنا بأنَّه كاد يُحَلُّ، وذكرت لنا ما استقته من المصادر الرَّسْمِيَّة، وهو أنَّ رئيس الوزراء سيزور المندوب السَّامي في داره إذا عاد، ويرد له المندوب السامي زيارته مَرَّة أو مَرَّتَينِ. وينتهي الخلاف عند هذا الحد، ولكن مساء السبت لم يكد يُقْبِلُ حتى قالت المُقَطَّم ردًّا على الأهرام: بالطبع، إن الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع لم تُقَلْ بعد، وتساءل الناس عن الكلمة الأخيرة هذه، ما هي؟ وممن يُنتظَر أن تُقال؟ أمن رئيس الوزراء؛ لأَنَّه لا يُريد، ولا تُريد له كرامته الشخصية، وكَرَامة مَنْصِبِهِ أن يستسلم ويسعى إلى دار المندوب السامي؟ أم من المندوب السامي؛ لأنَّه لا يُريد ولا تُريد له تَقَالِيده التي يحرص عليها أن يحل الخلاف على هذا النحو؟

ثم أَصْبَحَ النَّاسُ يوم الأحد، وإذا الأهرام تتخذ هذا الخلاف موضوعًا لفصل افتتاحي أقل ما يُوصَف به أنَّه كان يَدُلُّ على أنَّ الخلاف لم يَنْتَهِ، وعلى أنَّ الكَلِمَةَ الأَخِيرَةَ لم تُقَلْ بَعْدُ، ويُشِيرُ إلى أنَّ الإنجليز يتحكمون ويغلون في التحكم.

ثُمَّ لم يُقْبِلْ مساء يوم الأحد حتى ظهرت صحيفة واضحة الانحياز إلى الوزارة والتأييد لها، والعطف عليها، وفيها فصل افتتاحي ينكر على الإنجليز تشددهم وتحكمهم وتقاليدهم هذه التي يفرضونها على مصر فرضًا، مع أنها تنافي الاستقلال، ولا تلائم كرامة البلد الحر المستقل، الذي تعترف له إنجلترا نفسها بأنه دولة مُسْتَقِلَّة ذات سيادة، وفيها بعد هذا الفصل الافتتاحي تذكير بما كان أيام الائتلاف من احتجاج النواب على بعض هذه التقاليد ومُطالبتهم بأنْ يقدم المندوب السامي أوراق اعتماده إلى جلالة الملك كما يفعل الوزراء المفوضون، ووعد الحكومة القائمة حينئذ بأنْ تمنح الأمر ما يَسْتَحِقُّه من العناية والجد، ولم يُقْبِلْ مساء أمس حتى ظهرت هذه الصحيفة نفسها، وفيها فصلٌ افْتِتَاحِيٌّ آخر في هذا الموضوع، ورِوَايَةٌ للنُّصوص التي تتناول مركز الممثل لبريطانيا العظمى في مصر والتي وردت في مشروعات المُعاهدات منذ كانت لجنة ملنر إلى أن كانت المُفاوضات الأخيرة بين وزارة الوفد وبين الإنجليز، وفيها تفصيل لما كان في مجلس النواب من الحوار سنة ١٩٢٧ حول مركز المندوب السامي، وما يُحِيطُ به من المظاهر التي تُنَافِي الاستقلال.

وظَاهِرٌ جدًّا أنَّ الغرض الذي ترمي إليه هذه الصحيفة المسائية إنما هو تصوير ما بين الوزارة المصرية ودار المندوب السامي من الخلاف، بحيثُ يَشْعُر المصريون بأنَّ الإنجليز يتحكمون، ويعتدون على الاستقلال المصري بهذه التقاليد التي يَفْرِضُونها والتي تُلائم الحِمَاية وتُنَافِي السيادة، وبأنَّ من الحق على الوزارة المصرية أن ترد هذا العدوان وأنْ تَأبى الإذعان لما تريد الحكومة الإنجليزية أن تفرضه من التقاليد، ومعنى هذا أن هذه الصحيفة تريد أن تُقوِّي موقف الوزارة وتُؤيِّد رئيس الوزراء في موقفه من هذا الخلاف.

ولسْنَا فِي حَاجَةٍ بِالطَّبْعِ إِلَى أَنْ نقول إن هذه التقاليد التي يفرضها الإنجليز على مصر فرضًا مُنافية أشد المُنَافَاة لكَرامة مصر واستقلالها، مناقضة أشد المُناقضة لما ينبغي لمصر من العزة والسيادة، والذين يقرءون هذا الحديث في كل يوم يذكرون من غير شك أننا كتبنا يوم مقدم المندوب السامي نذكر هذا كله، ونصور هذه الظاهر التي يُحاط بها مقدم المندوب السامي ويُماز بها من مقدم غيره من الممثلين السياسيين، ونصور حزن المصريين لهذه المظاهر، وحرصهم على أن ينقضي عهدها، وتمنيهم كلما أقبل مندوب سامٍ أنْ يَكُون آخر المندوبين السامين، ونلوم الوزارة المصرية لقبولها هذه المظاهر، واشتراكها فيها وتسليمها بهذه التقاليد التي تُفرَض على مصر فرضًا، والتي لا تُلائم كرامة ولا عِزَّةً ولا اسْتِقْلَالًا.

فلسنا إذن مُتَّهَمِينَ بِحُبِّ هذه التقاليد أو الميل إليها، أو الرَّغبة في أن تتصل وتدوم، والذين قرءوا هذه الصحيفة المسائية أمس ورءوا النصوص التي تُحدِّد مركز الممثل البريطاني في مصر قد لاحظوا من غير شَكٍّ أَنَّ النص الذي ورد في مشروع المُعاهدة الذي تمَّ بين وزارة الوَفْد والمستر هندرسن هو النَّص الوحيد الذي لم يعترف لممثل بريطانيا في مصر بأي امتياز يُقدِّمه على غيره من الممثلين السياسيين للدول الأُخرى، تقديمًا يخالف الطرق المرعية فيما بين البلاد المُستقلة من العلاقات، على حين كانت النصوص التي سبقته كلها تسلم لممثل الإنجليز في مصر بمركز ممتاز.

فكل شيء يَدُلُّ إذن على أنَّ الوفديين آخر من يمكن أن يُظَنَّ بهم الحرص على هذه التقاليد التي يفرضها الإنجليز، أو التفكير في تأييدها والذود عنها.

ثم أَصْبَحْنَا اليوم وإذا لسان الوزارة أو لسان رئيس الوزراء أو لسان حزب الشعب يعترف بأنَّ ما قيل عن استقالة رئيس الوزراء لم يكن مُخترعًا، وإِنَّما كان شيئًا له أصل، ولكن هذا الأصل مُشَرِّف للوزارة رافع لرأس الرجل الطيب بين الرجال الطيبين وغير الطيبين ويلوم الذين يُخاصمون رئيس الوزراء في موقفه، أو يخذلونه في تشدده مع الإنجليز.

وإذن؛ فقصة الخلاف بين رئيس الوزراء والمندوب السامي ليست من اليسر والسهولة بحيثُ كان يقول الوزاريون: وهي إذن قد أحدثت أزمة، إن لم تكن قد دعت إلى استقالة الوزارة بالفعل، فهي قد دعت إلى التفكير في الاستقالة أو إلى العزم على الاستقالة، ولولا ذلك لما ألحت هذه الصحيفة المَسَائِيَّة يومين كاملين في إنكار هذه التقاليد والنعي عليها، وتشجيع الوزارة على مُقاومتها مع أنَّ الناس جميعًا يعلمون أنَّ صُحُف الوزارة تجتنب دَائمًا كل ما من شأنه إحراج الوزارة أو دفعها إلى ما لا تُريد، ولولا ذلك لما نشرت صحيفة حزب الشعب ما نشرت صباح اليوم من الاعتراف بهذا الحرج، ومن اتخاذه دليلًا على أنَّ الرَّجُل الطيب يَقُومُ من الإنجليز في هذه الأيام مُقَام الأبطال الذين يحمون الاستقلال، ويحتفظون به ويذودون عن الكرَامَة القومية ذياد الشجعان الصناديد.

ولكن في الأمر شيئًا يحتاج إلى التفكير فقد ينبغي أن يفهم الوزاريون وصُحف الوزاريين أنَّ المصريين ليسوا أطفالًا وأن خداعهم ليس من اليسر والسهولة بحيث يظنون، فلو قد كانت الوزارة القائمة من الحرص والاستقلال على الكرامة القومية بحيثُ يُريد أنصارها أن يضعوها لما آمنت بهذه التقاليد حين أقبل المندوب السامي، ولما اشتركت في تلك المظاهر التي آذت كرامة المصريين ولما سعى رئيس الوزراء بنفسه إلى محطة القاهرة، ليستقبل فيها المندوب الجديد، ولما سكتت الوزارة على إعراض المندوب السامي عن أن يفكر في تقديم أوراق اعتماده إلى جلالة الملك.

ولكن الوزارة القائمة رضيت هذه التقاليد كلها، وأنفذت هذه التقاليد كُلَّها لم تنكر منها شيئًا، وكل ما في الأَمْر أَنَّها أَخْطَأَت الفَهْمَ ولم تُحْسِن التقدير، فانتظرت أن يبدأ المندوب السَّامي رئيسها بالزيارة بعد أن سعى رئيسها إلى المندوب السامي في المحطة.

وأَكْبَرُ الظَّنِّ أَنَّ الوزارة لو فطنت للأمر لما أُثير هذا الخلاف ولما انتظر رئيسها أن يبدأه المندوب السامي بالزِّيارة، ولكِنَّها لم تَفْطِن للأمر، فكان ما كان. والغريب أن رئيس الوزراء لم يَسْعَ للقاء المندوب السامي القديم، وإنما أوفد بعض زملائه لاستقباله، فقد نُحِبُّ أَنْ نعلم ما الذي منع رئيس الوزراء أنْ يَسْلُك مع المندوب السامي الجديد مسلكه مع المندوب السامي القديم؟!

أكان المندوب القديم ميئوسًا منه؛ لأنَّه كانَ مَنْقُولًا، فلم يخفَّ رئيس الوزراء لاستقباله وكانَ المَنْدُوب السامي الجديد مأمولًا فيه يُستحَب التلطف له والغلو في تكريمه لأنه مقيم مستقر؛ فخف لاستقباله رئيس الوزراء؟!

مهما يكن من شيء، فقد شَبَّ المصريون عن الطوق، وأَصْبَحُوا لا يُخدَعون بحلو الحديث، ولا يلهون بلغو الكلام. ولو عَلِمَ المِصْرِيُّون أنَّ وَزَارَتَهُم القَائِمَة جَادَّةٌ حَقًّا في حِمَايَةِ الاسْتِقْلَالِ ورَفْضِ التَّقاليد التي يفرضها الإنجليز لما بخلوا عليها بالتأييد على ما بينهم وبينها من الخلاف العريض.

ولكنَّ المصريين يعلمون حقَّ العِلْمِ أَنَّ هذا الأمر كله كلام لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك فما زالَ الأَمْرُ قَائِمًا كله، وما زالت الوزارة قادرة على أن تُبيِّن للمصريين أنها حريصة على الاستقلال حقًّا، رَافِضَةٌ لِهَذِهِ التقاليد حقًّا مُصِرَّةٌ على أنْ يَبْدَأَ المندوب السامي بعد عودته بزيارة رئيس الوزراء، ورافضة كل الرفض أن يبدأ رئيس الوزراء بزيارة المندوب السامي مهما تكن الظروف.

وَلَسْنَا نَفْهَمُ أَنْ يستقيل رئيس الوزراء أو أنْ يُفَكِّر في الاستقالة؛ لأنَّ هذا الخلاف قائم بينه وبين المندوب السامي. فرئيس الوزراء ينهض بالحكم في بلد مُسْتَقِلٍّ، وهو يُرِيدُ أَنْ يَحْمِيَ هذا الاستقلال، وإذا اشتدَّ الخِلَافُ بينه وبين أحد الممثلين لدولة أجنبية، فليس هو الذي ينبغي أن يدع منصبه، أو يتخلى عن الحكم، فليست الاستقالة أو التفكير في الاستقالة دفاعًا عن الاستقلال أو احتفاظًا بالكَرَامَةِ، وإِنَّما هو الفزع والفرار، ولسنا نحب لرئيس الوزراء مهما يكن بينه وبيننا من الخلاف أن يفزع أو يفر لأمر يسير كهذا الأمر.

لِتَدَعْ إذن صحفُ الوزارة هذا النوعَ من الإعلان الذي لا يخدع أحدًا ولا ينفع أحدًا، ولتنصح لرئيس الوزراء بأن يثبت في موقفه، وأن يرفض الحل الذي اقْتُرِح له أو عُرِض عليه، ولتطلب إذن إلى البرلمان أن يقف من الوزارة القائمة في هذا الأمر موقف برلمان الائتلاف من وزارة الائتلاف سنة ١٩٢٧، وأن يسأل رئيس الوزراء عن حقيقة هذا الخلاف، وعما يريد أن يتخذ لحله من قرار، وعن أوراق الاعتماد متى يقدمها المندوب السامي إلى جلالة الملك.

أما نحن فلا تنتظر شيئًا من هذا؛ لأن كل شيء منذ بُدِئَ هذا العهد السعيد يدل على أن ليست هناك سبيل إلى شيء من هذا. فليفرغ الوزاريون إذن لأمورهم، وليحلوا أمورهم بينهم كما يحبون، أو كما يستطيعون، فأما المصريون فإنهم يعلمون حق العلم أين يكون الحرص على الكرامة وأين يكون الدفاع عن الاستقلال.

وليحدثنا الوزاريون عن استقالة الوزارة أكانت أم ستكون؟! أتكون قبل عودة المندوب السامي أم بعد أن يعود؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.