كانت الدار آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، وكان أهلها ينفقون حياتهم وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد، وإن شجَر بينهم شيء من الخلاف الهادئ أو العنيف من حين إلى حين. وكانوا يختلفون ويأتلفون فلا يدخل الناس في اختلافهم أو ائتلافهم؛ لأن شيئًا من ذلك لم يكن يعني أحدًا غيرهم، ولكنَّ رزقهم هذا الذي كان يأتيهم رغدًا من كل مكان أثار في نفوس بعض الناس من الحسد والطمع ما تثيره السعة عادة في نفوس الطامعين الجشعين الذين يحبون أن يؤثروا أنفسهم بكل شيء وألا يتركوا لغيرهم شيئًا. وفي ذات يوم شجر الخلاف بين أهل الدار واشتد بأسهم بينهم، ولم يعلموا أكان لهذا الخلاف مصدر من هذه المصادر التي تُحْفِظُ الإخوة على الإخوة، أم كان له مصدر خارجي جاء من بعض هؤلاء الطامعين الجشِعين الذين ملأ قلوبهم الحسد والأثرة، فأغرَوْا بعضهم ببعض وحرَّضوا بعضهم على بعض، ثم أقبلوا عليهم باسمين يُظْهِرُونَ لهم المَوَدَّةَ ويُضْمِرُونَ المكر بهم والكيد لهم.

وما زالوا يرفقون بهم ويتكلفون الإصلاح بينهم، حتى اطمأنُّوا إليهم ووثقوا بهم وحكَّموهم فيما شجر بينهم من خلاف. وما هي إلا أن أقبلوا عليهم فرِحين مستبشرين، وزيَّنوا لهم الاطمئنانَ إليهم والاعتماد عليهم، وأعطَوْهم المواثيق والعهود؛ لِيَكُفَّنَّ بأس بعضهم عن بعض، ولِيَكْفُلَنَّ لهم الدعة والسعة، ولِيَرُدَّنَّ عنهم عدوان المعتدين وغارة المُغِيرين. والحر يخدع أحيانًا فينخدع، وكذلك انخدع أهل الدار لهؤلاء الماكرين بهم الكائدين لهم. وجرت الأمور يسيرة هيِّنة أعوامًا، ثم لم يلبث يُسْرُها أن استحال إلى عسر، ولم يلبث لِينُها أن استحال إلى شدة، ولم يلبث الشر أن صرَّح عمَّا فيه من النُّكر وبيَّن عمَّا كان يُخفِي من المكر والكيد. ونظر الأحرار المنخدعون فإذا حُماتهم لم يريدوا إلا أن يتخذوهم رقيقًا، يُسخِّرونهم لمنافعهم ويستذلُّونهم لإرضاء أهوائهم وشهواتهم. وقد نَدِمَ المنخدعون بعد أن فات وقت الندم وسبق السيف العزل كما يقول المثل القديم، وهَمُّوا يستردوا أنفسهم ويستعيدوا حريتهم ويبسطوا أيديهم على ما يملكون في الدار ومن حول الدار، فلم يجدوا إلى شيء من ذلك سبيلًا، وإنما وجدوا حُماتهم قد استأثروا بهم من دون أنفسهم، واستأثروا بأرضهم وغَلَّاتها ومرافقها من دونهم، واضطروهم إلى الجوع بعد الشبع وإلى الذلة بعد العزة وإلى أن يصبحوا خَدَمًا بعد أن كانوا سادة. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما أسرفوا عليهم في الاستذلال والاستغلال، ودخلوا بينهم وبين أَخَصِّ شئونهم، فجعلوا يُغَيِّرُونَ ما ألِفوا من نظام وما توارثوا من سُنَنٍ، لا يؤامرونهم في ذلك ولا يشاورونهم فيه. ثم أجلَبوا عليهم بخيلهم ورَجْلِهم، فاحتلوا ما كانوا يملكون حول دارهم، ثم احتلوا الدار نفسها وآثروا أنفسهم بخير ما فيها من الغرفات والحجرات والمرافق. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما حكَّموهم حكمًا مباشرًا في اليسير من أمرهم والخطير. ثم لم يَرْعَوْا فيهم إلًّا ولا ذمة، وإنما نقضوا مَنْ أعطوهم من موثق وعهد في غير تحفُّظ ولا تحرُّج ولا احتياط، وجعلوا ينزعون رؤساءهم يغيِّرون منهم ويبدِّلون حسب ما تمليه عليهم منافعهم لا منافع أهل الدار. ثم تجاوزوا في الطغيان والعدوان كل حَدٍّ وخلعوا العذار، ولم يبقَ لشيء ولا لأحد وقار، وإنما خَلُّوا بين طائفة من شرارهم وبين هؤلاء البائسين، فاتخذوهم تجارة ومكسبًا يبيعونهم كما كان يُباع الرقيق فيما مضى من الزمان.

وما زالوا في هذا البغي واليائسون يَصبِرُونَ ويُصابِرُونَ، ويَذكرون ماضيهم ويُذكِّرون به، ويَذكرون المواثيق التي أعطيت لهم ويُذكِّرون بها، فلا يجدي عليهم ذلك شيئًا، وإنما يُغري بهم سادتهم وحُماتهم فيضيفون نُكرًا إلى نكر وتنكيلًا إلى تنكيل.

ولكل شيء حد، وللصبر غاية ينتهي إليها، وكرام الناس قد يُسامون الضيم فيصبرون عليه ولكن إلى حين. فإذا بلغ الصبر أقصاه خرج الصابرون عن أطوارهم، وثاروا للكرامة المفقودة والحرية المغصوبة والمنافع المضيعة والحرمات المستباحة والأعراض المهدَرة والدماء المُرَاقة والنفوس المزهقة.

فدعا الحُماة بالويل والثبور وعظائم الأمور، واتهموا هؤلاء المظلومين المهضومين بالجحود والعقوق وكفر النعمة، وبالتعصب المنكر والبُغض الذي لا يُبقي على شيء، ثم أذاعوا بهذا كله حتى ملَئُوا به أقطار الأرض في الشرق والغرب. ولكن بعض أقطار الأرض قد ذاق أهلها مثل ما ذاق أولئك المظلومون المهضومون من ألوان العسف والخسف ومن ضروب الذل والهوان؛ فهم يَرِقُّونَ لكل مظلوم ويعطفون على كل مهضوم، وهم ينكرون الظلم على كل ظالم ويبغضون العدوان من كل معتدٍ. يجدون ذلك في أعماق نفوسهم ودخائل قلوبهم، ويرونه حقًّا عليهم، ولو استطاعوا لفعلوا أكثر من الرقة والعطف والإشفاق، وإن كَرِهَ البُغاة وسخط الطُّغاة، فقد ينبغي أن يكون لدعاء المظلومين صدًى في بعض النفوس، وأن يكون للعدل أنصار ولو بالألسنة والقلوب في هذا العالم الذي ملأه الجور وأفسد أقوياءه الطمعُ والجشعُ والبطرُ والغرورُ.

***

هذا بالضبط هو الذي حدث في شمال أفريقيا وفي مراكش خاصة، وهذا بالضبط هو الذي يغيظ الفرنسيين ويملأ صدورهم حفيظة ومُوجِدَةً على الذين يطلبون بحقوقهم ويثورون في سبيلها أولًا وعلى الذين يَرِقُّونَ لهم ويعطفون عليهم ثانيًا.

واللهُ يشهد ما وصفتُ سيرة الفرنسيين في مراكش إلا ببعض ما قرأت وما أقرأ في كثير من الصحف الفرنسية، وبأقلام كثير من كبار الكتاب والعلماء الفرنسيين؛ فأنا لم أذهب إلى مراكش ولا إلى أي قُطر من أقطار أفريقيا الشمالية، وأنا أتحفَّظ دائمًا حين أسمع شكاة الشاكين وتوجُّع المظلومين، وأخشى ألا تبرأ شكاتهم ولا يبرأ توجُّعُهم من بعض المبالغة. ولكني أقرأ في الصحف الفرنسية اليومية والأسبوعية أكثر جدًّا مما ذكرتُ؛ فالفرنسيون أنفسهم يعترفون بأنهم نقضوا عهد الحماية وحكموا المراكشيين حكمًا مباشرًا، ويعترفون بأن طائفة من مستعمريهم قد استأثروا بكل ثمرات الأرض من دون المراكشيين، واستقرُّوا لا على أنهم ضيف على أهل البلاد بل على أنهم سادة يأمرون وينهَوْن ويزرعون الأرض ويستخرجون ما فيها من كل ما يعود على صناعتهم وتجارتهم بالربح والثراء.

والفرنسيون يتهمون فريقًا منهم بأنهم يبيعون بعض المراكشيين رجالًا ونساء، كما تُباع السلع وكما كان الرقيق يُباع فيما مضى من الأيام. ويكفي أن يقرأ الناس صحيفة الأوبسترفاتور والإكسبريس وصحيفة الموند؛ ليجدوا من هذا كله أشنع وأبشع ممَّا ذكرتُ. فلست متجنيًا عليهم إذن، وإنما يتجنى عليهم كُتَّابُهُم وعلماؤهم إن كان في هذه السيئات من التجني. والكُتَّابُ والعلماء الفرنسيون الذين يسجلون على وطنهم هذا الظلم الذي يستخذي منه كل رجل حُرٍّ في هذا العصر، يمضون ما يكتبون بأسمائهم صريحة، ويحتملون تبعات ما يُسجِّلون على وطنهم من الآثام، ويتعرضون للمحاكمة إن كانوا كاذبين أو متكلِّفين. ولست أعلم أن أحدًا منهم قُدِّم إلى القضاء، ولست أعلم أن صحيفة من الصحف التي تنشر هذه المظالم تعرَّضت لِلَوْمٍ أو تأنيب. ولا ينبغي أن يُقال إن حرية الصحافة مطلَقة لا يستطيع أحد أن يعتدي عليها؛ فحرية الصحافة لا تُبيح للناس أن يكذبوا على أوطانهم ولا أن يتهموها زورًا باقتراف الآثام والتورُّط في المُخْزِيَات. وما أكثر ما تُصادَر بعض الصحف في فرنسا ويُحاكم أصحابُها وكُتَّابُهَا لأمور أقل من هذا خطرًا وأهون منه شأنًا. وأغرب من هذا أن بعض كُتَّابِ الصحف الفرنسية يُصَرِّحُونَ ببعض الأسماء وبعض الهيئات المالية والتجارية والسياسية التي تقترف هذه الآثام، ثم لا يتعرضون رغم هذا كله حتى للمحاكمة المدنية، كأنهم واثقون بكل ما يقولون، وهم من أجل ذلك لا يخشون محاكمة ولا يرهبون بأسًا.

***

وإذن فليغضب الفرنسيون على أنفسهم قبل أن يغضبوا على غيرهم، ولْيَلُومُوا أدباءهم وعلماءهم وساستهم قبل أن يلوموا المصريين أو السوريين أو غيرهم من أهل الشرق والغرب؛ فالفرنسيون يستطيعون أن يطلبوا من مواطنيهم ما يشاءون، ولكنهم لا يستطيعون أن يطلبوا مِنَّا السكوت على ما لا يسكت عنه أبناؤهم. وهم يقولون فينا بالحق وبالباطل، بل وهم يقولون بالباطل أكثر ممَّا يقولون بالحق ما يسوءنا متكذِّبين متكلِّفين، فلا أقل من أن يقبلوا مِنَّا أن نقول فيهم أيسر ما يقول بعض أبنائهم.

والمهم هو أن الشر انتهى إلى أقصاه بين الفرنسيين وبين إخواننا في شمال أفريقيا. وقد اعترف الفرنسيون بظلمهم فهموا بشيء من الإنصاف قليل في تونس، وهم يحاولون أن يعترفوا بظلمهم في الجزائر ومراكش، فلا يجدون الشجاعة إلى الآن على هذا الاعتراف، ولكن الأحداث ستمنحهم هذه الشجاعة في يوم قريب:

أما غدا زعموا

أو لا فبعد غد

ومن يدري لعل هذا الحديث لا يصل إلى مصر إلا وقد سجَّل الفرنسيون على أنفسهم أنهم كانوا ظالمين في مراكش، وكانوا مُسْرِفِينَ في الظلم على أنفسهم وعلى المراكشيين، وعلى حق الإنسان الذي أعلنته ثورتهم منذ قرن ونصف قرن.

فعزْلُ السلطان القائم أو اضطرارُه إلى الاعتزال، وإقامة مجلس للوصاية على العرش المراكشي، وتأليف حكومة تُمثل كل النزعات السياسية في مراكش، والأخذ في مفاوضة هذه الحكومة؛ كل ذلك إذا قرره الفرنسيون — وسيقررونه ما في ذلك شك ولعلهم أن يقرروه اليوم — اعترافٌ بأنهم كانوا ظالمين، وبأنهم قد أخذوا يثوبون إلى أنفسهم ويجنحون إلى شيء من العدل والإنصاف ورَدِّ بعض الحق إلى أهله. وإذن فما غضبهم علينا وما إنذارهم لنا؟! ولا ينبغي أن يستغرب القارئ كلمة الإنذار هذه، فإني أقرأ في بعض الصحف الفرنسية — وفي صحيفة الفيجارو خاصة — سخطًا على مصر وسوريا والعراق، دعوة صريحة للحكومة الفرنسية أن تأخذ هذه البلاد وغيرها باحترام فرنسا، وهي قادرة على أن تفرض على هذه البلاد وغيرها احترام فرنسا. وأعترف أني لم أكَد أقرأ هذا الكلام في صحيفة الفيجارو حتى أغرقت في الضحك وقلت كما يقول الناس عندنا حين يسخرون: العفو.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.