للذكريات في حياتنا أثر عميق. وما تتركه مدينة من المدن، أو مصيف من المصايف من هذا الأثر يبقى ولا ينسى، فإذا عدنا إلى هذه المدينة، أو إلى المصيف، عدنا بذاكرتنا إلى جانب من حياتنا تدثر في حجب الماضي، وإذا نحن حريصون على أن نقارن بين ما رأينا من قبل وما نرى حين عودتنا، آسفين على ما لعله ذهب، مغتبطين بالجديد الذي يأخذ بنظرنا.

وقد زرت سوريا مرارًا، فزرت دمشق، وزرت حلب، واصطفت ببلودان، وقضيت ساعات حلوة بالزبداني وبمعرة النعمان، وعرفت أثناء ذلك كله من أمر هذه المدن والبلاد ومن أهلها ما استقر في ذاكرتي، وما جعلني أحن بين حين وحين إلى زيارة جديدة لهذه المغاني، وتهفو نفسي لتجديد العهد بها وبأهلها، وتتطلع إلى الوقوف كرة أخرى عند آثارها ومعالمها.

وقد زرت دمشق أول ما زرتها من أربعين سنة وأشهر خلت. كان ذلك في شهر أغسطس من سنة ١٩١٤، وكانت الحرب العالمية الأولى قد شبت ضرامها، وكنت يومذاك قد ذهبت أصطاف بسوريا ولبنان. ولم يكن يومئذ بين سوريا ولبنان حاجز. فقد كانت ولاية عثمانية واحدة تدين بالولاء لعاصمة آل عثمان ولخليفة المسلمين فيها، ويقوم بحكمها من تعينهم الحكومة العثمانية من الأتراك. وقضيت أيامًا بلبنان، زرت بعدها عاصمة الأمويين، فأقلني قطار كان الوسيلة الوحيدة للانتقال إليها من بيروت. وقضيت في القطار نهارًا كاملًا قبل أن أبلغها. ولم تكن تركيا قد اشتركت في الحرب بعد، فلم يكن ثمة ما نخشاه من متاعبها. فلما نزلنا المدينة العاصمة، واستقربنا المقام فيها لم يزعجنا أن نعلم أن الدولة العلية تجند؛ لأننا كنا معتزمين العودة إلى مصر أول ما تدعو الظروف إلى هذه العودة.

نزلت دمشق فإذا هي بلد شرقي بكل معنى الكلمة. شرقي بمبانيه وأسواقه، ومساجده وكل مظاهر عمرانه. ومن هذه المظاهر ما لم نكن نألف بالقاهرة، وما لفت شبابنا إليه. كانت المقاهي على ضفاف بردى شرقية عربية بحتة، وكان الناس يجلسون فيها على مقاعد من الحجر مدت فوقها حشوات مما ألفنا في دور مصر لذلك العهد. وكان الناس في هذه المقاهي يدخنون الأرجيلة، ولم أكن يومئذ أدخنها. وكانت هذه الأرجيلة صغيرة الحجم، لطيفة المنظر، فهفا بي شبابي إلى تدخينها على شاطئ بردى. فلما عدت إلى مصر بقيت أدخنها أربع سنوات حسومًا، حتى اضطرت للعدول عنها.

وفي هذه الزورة الأولى لعاصمة الأمويين، دعيت لقضاء سهرة في غوطة دمشق. وقد أنساني مر الزمن أسماء من تفضلوا بدعوتنا إلى هذه السهرة، لكنني لم أنس ولن أنسى ما تركه جمال الغوطة من أثر في نفسي. لن أنسى مياهها الجارية، وأشجارها الباسقة، وهواءها المعطر، ونسيمها الرقيق، ولطف الصحبة التي كانت معنا من أهل دمشق. ولئن أسفت يومئذ لشيء، فلشد ما كان أسفي؛ لأننا لم نقض بدمشق غير يومين اثنين، عدنا بعدهما إلى بيروت؛ لنستقل منها آخر باخرة تعود إلى مصر.

وانقضت عشر سنوات بعد ذلك حبستنا الحرب أثناءها وفي أعقابها، فلم أغادر أرض الوطن قط. فلما كانت سنة ١٩٢٤، وكانت أوضاع هذا الشرق الأدنى، قد تبدلت فأصبحت سوريا ولبنان دولتين، وأصبحتا خاضعتين للانتداب الفرنسي، زرتهما وزرت دمشق للمرة الثانية، وكنت هذه المرة أسعد حظًّا. فقد قضيت في دمشق أسبوعًا وأكثر من أسبوع. وقد استطعت خلال مقامي بها أن أزور المسجد الأموي، وقبر صلاح الدين، وسائر آثار المدينة، وأسواقها، وكل مظاهر حياتها. وقد كنت يومئذ رئيسًا لتحرير جريدة السياسة، فاستطعت أن أتصل بالصحفيين والأدباء ورجال العلم، وأن أرى ظاهرة لم يبد لي شيئًا منها في زيارتي الأولى، تلك اتصال الشباب السوري بأدبنا المصري وإقباله عليه وحفظ الكثير منه عن ظهر قلب، مما دلني على أننا أمة واحدة، وعلى أن اللغة وآدابها تصل بين الشعوب أكثر مما تصل بينهم أية وشيجة أخرى؛ لأن اللغة خير وسيلة إلى امتزاج عواطفهم ومشاعرهم وتفكيرهم.

وكان الشبان ممن لقيت يومئذ يروون شعر شوقي، وشعر حافظ إبراهيم. وكان بعضهم، وهذا هو العجب، يحفظ عن ظهر قلب مقالات نشرتها «السياسة»، أو نشرتها الصحف المصرية الأخرى في الأدب، أو في الاجتماع، أو في السياسة، وكان ذلك يزيدني شعورًا بأنني في دمشق بين أهلي وقومي، ثم كانت سائر اتصالاتي تضاعف هذا الشعور في نفسي. فلم تكن اللغة وحدها هي التي تربطني بهؤلاء الذين يلقونني، بل كانت تربطني بهم كذلك أواصر عديدة أخرى، بينها العقيدة، والآمال، والآلآم، والطموح المشترك إلى مصير أفضل مما نحن فيه، نحققه لهذا الوطن العربي، الذي عانى — ولا يزال — يعاني من بأساء الزمن ما يلقي على أبنائه تبعة جسيمة للنهوض به إلى حيث يكاتف أكبر الأمم رقيًّا وحضارة.

لاحظت في هذه الزيارة الثانية لدمشق أن المدينة العربية الشرقية، بدأت تتجه في عمارتها، وفي بعض مظاهر حياتها وجهة غربية. بدأت الموسيقى الشرقية على نهر بردى تزول، وبدأت منتديات الليل تعزف فيها الموسيقى الغربية، ويظهر فيها الرقص الغربي.

وكان ذلك طبيعيًّا والانتداب الفرنسي يومئذ صاحب السلطان، والبلاد العربية، وفي مقدمتها مصر، تتجه هذه الوجهة الجديدة لتساير ركب الحضارة، بعد أن سبقها هذا الركب فراسخ وأميال في الطريق الذي أسبغ على أمم الغرب الحيوية والقوة.

وعدت إلى دمشق بعد ذلك غير مرة، فإذا هذا الاتجاه يقوى من غير أن يجني على الروح العربية الأصيلة في عاصمة سوريا. وأنت حين ترى دمشق اليوم، بعد أن رأيتها منذ أربعين سنة، تشعر معي بأنها مدينة حديثة في عمارتها، وفي حياتها الاقتصادية، وفي نشاطها الثقافي، وفي حيويتها الصناعية. وقد زاد عهد الاستقلال، وإن لم يمض عليه غير عشر سنوات، في هذه الحيوية البارزة في نواحي حياتها جميعًا.

وزرت عاصمة سوريا الثانية، حلب الشهباء، في سنة ١٩٣٢، ثم زرتها في سنة ١٩٥٣، فإذا هذا التطور الذي لاحظته في دمشق واضح في العاصمة الثانية وضوحه في العاصمة الأولى، وإذا الشهباء قد برزت إلى الصف الأول في الصناعة والثقافة والحياة الاجتماعية، وإذا هي تعيد إلى الأذهان أمجادها يوم كانت عاصمة سيف الدولة، وإن قلعتها تذكرنا معشر المصريين بمسيرنا خلال هذه الديار في عهد البطل الفاتح إبراهيم؛ لإعادة بناء الدولة العربية القديمة، ثم تذكرنا وتذكر أهل حلب وأهل الشام جميعًا في أسى وحسرة بموقف دول الغرب يومئذ منا. ولو أنها لم تقف في ذلك العهد هذا الموقف لتغير مجرى التاريخ لما يحقق خير الإنسانية.

وأتاحت لي زيارة حلب منذ عامين زيارة المعرة والوقوف على قبر أبي العلاء فيها. وفي موقفي هذا سألت نفسي: أحق أن الشيخ رهين المحبسين شامي، وكل ناطق بالعربية يحسبه من أهل بلده. لقد حفظت من شعره في صباي أكثر مما حفظت من شعر من عاصره من أبناء وطني. وأحسب أهل العراق وأهل الحجاز والبلاد العربية كلها قد صنعوا من ذلك ما صنعت. ألا يدل ذلك على ما بيننا من وحدة في التاريخ كوحدتنا في اللغة والعقيدة. وهل ترانا مع ذلك نبقى خاضعين لما فرضته أقدار السياسة علينا من فرقة أوطاننا.

وإذا كانت مدن سوريا قد استهوتني، وتركت في نفسي من الذكريات ما قدمت، فإن ضياعها وجبالها ومصايفها قد تركت في نفسي مثل هذا الأثر. وهل تراني أنسى مصيفي ببلودان، وزيارتي للأصقاع الجبلية المجاورة لها. إن ذلك كله ليبعث إلى نفسي حنينًا إلى تلك الربوع يدعوني الحين بعد الحين لزيارتها.

أمتع الله أهل سوريا بوطنهم وبذكرياته وأمجاده في تاريخه القديم ونهضته الحديثة. فهو ذخر أي ذخر، وفخر أي فخر.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.