يجب ألَّا ننسى الكوارث: الطوفان والحريق وغرق السفينة. يجب ألَّا ننساها، لا تمسكًا بالحزن واستزادة من الدموع، ولكن حتى نعرف الحقيقة الكاملة.

ما أكثر الكلام وما أكثر الحكايات، وجميعها وجدت في حينها إقبالًا وترحيبًا، إمَّا استجابة من شعب هزته الكوارث من أعماقه وفجرت في قلبه ينابيع الحزن والأسى، وإمَّا إعرابًا عن السخط السياسي، والموقف الرافض من نظام الحكم. ولكننا نريد أن نعرف الحقيقة الكاملة، وجميع الكوارث مُحَالة إلى التحقيق، وحذار أن تجف الدموع وتتلاشى ذكريات السوء، وتتوارى التحقيقات في زوايا التاريخ، نريد الاطلاع على نتائج التحقيقات بكل تفاصيلها، نريد أن نعرف دور القضاء والقدر فيما حدث، وأن نحدد في الوقت نفسه المسئولية البشرية إن كان ثمة مسئولية بشرية، لا نرغب بتاتًا في أن نظلم أحدًا كبيرًا كان أو صغيرًا، ولكننا أيضًا لا نرغب في أن نظلم أنفسنا ونهدر حقوق الناس في الحياة والعدل والكرامة، وأن يتبع ذلك المحاسبة العادلة، أو إصلاح اللوائح والإجراءات.

وما ينبغي أن تهدأ النفوس وتطمئن القلوب قبل أن تعلن نتائج التحقيقات على الملأ، وتتحدد المسئوليات وتتحقق العدالة، وإن نسيان الكوارث قبل ذلك لكارثة أخرى لا تقل في ضخامتها عن أيٍّ من الكوارث الثلاث، أما السير في الموضوع حتى نهايته العادلة فلن يخلو من دروس نافعة، ربما خففت من آلامنا وسوغت لنا أن نردد مع القول المأثور: «رب ضارة نافعة»، وقد ورد في بيان رئيس الوزراء أمام مجلس الشعب ما يقوي أملنا في معرفة الحقيقة، وتحقيق العدل والإصلاح.

بعد ذلك — لا قبله — يجوز أن ننسى الكوارث في مجرى الحياة الزاخر بالحوادث، بل يجب أن ننساها وألَّا نسمح للتشاؤم بأن يُلقي ظله الثقيل على أرواحنا. الحياة لا تخلو من كوارث مثل كوارثنا، بل أشد منها بما لا يقاس. يجب أن نوطن أنفسنا على التصدي لكل مكروه بدون أن نيأس من إصلاح أنفسنا وأحوالنا، ومحق سلبياتنا جميعًا في البر والبحر والإرادة. إن المصائب لا تقضي إلا على الضعفاء من أنصار الهزيمة، ولكنها تشحذ هَمِم القادرين والمُقدرين لنعمة الحياة المباركة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.