هي قصة أعادت إلى ذاكرتي ما قرأته قديمًا من نوعها، كتبها مؤلف فرنسي ذكر فيها أن شقيًّا من الفاتكين الكورسيكيين رزق ثلاث بنات، ثم رزق ولدًا فتاب عن الشقاوة سرورًا بالطفل، ثم أصبح من أتقياء الجزيرة، وشب الغلام وكان في العاشرة من سنه حين ذهب أبوه مصطحبًا أمه إلى أقارب يولمون، وبينما الغلام يلعب عند باب بيتهم مر به شقي رجاه في إلحاح أن يخبئه داخل المنزل لأن البوليس يطارده، وبعد أن قدم رشوة له أشار له الغلام إلى كومة قش لا يظهر من يختفي فيها، وبعد قليل جاء البوليس وسأل الغلام عن الشقي، وذكَّر رئيسُ القوة الغلامَ بما بينه وبين والد الغلام من قرابة، وتردد الغلام زمنًا حتى قُدمت له رشوة أدسم من رشوة الشقي فأخذها بعد تردد، وأشار بإصبعه إلى مخبأ الشقي في كومة القش، فانتزعه البوليس منها وقاده معه إلى حيث يحاكم، وألقى الغلام إلى الشقي بالرشوة التي أعطاه إياها. فلِمَ يأخذها وليس له من أخذها أية فائدة؟!

وسار البوليس بالشقي ومعهم الغلام، ولم يبعدوا حين لقيهم والد الغلام ووالدته، ووقف والد الغلام مع رئيس البوليس يحدثه، فلما علم أن ولده هو الذي أرشد عن الشقي في مخبئه، وسمع البوليس يثني لذلك على الغلام ثناءً مستطابًا لم يقل شيئًا، وانصرف الرجل وزوجه، وتبعه غلامهما إلى البيت، أما رجال البوليس فقادوا الشقي إلى حيث يأخذ القانون معه مجراه.

وبلغ الرجل بيته فأمر زوجه أن تبقى به وأمر غلامه أن يتبعه، وذهب بالغلام إلى غابة قريبة من البيت، ثم أمره أن يصلي لله، وأيقن الغلام أنه مقتول لا محالة؛ لأنه خان عهد الشقي الذي وشى به إلى البوليس، فتضرع إلى أبيه وبكى، وأقسم أنه لن يعود إلى مثلها، ولم ينفعه شيء من ذلك كله، وانتهى به الأمر أن صلَّى لله، فلما انتهى من صلاته صوَّب إليه والده عيارًا ناريًّا أرداه قتيلًا، ثم ذهب إلى البيت ليجيء بمسحاة ليدفنه، ورأته زوجته فسألته ما صنع، فكان جوابه: هذه أول مرة يرتكب فيها أحد أفراد أسرتنا خيانة توجب أن يُجزى عنها! ولم يزد، ولم تقل هي شيئًا.

ذكرتني هذه القصة بما قرأته من قبل عن قسوة أهل كورسيكا قسوة لا تليِّن منها الأبوة، وذكرتني بالقائد العظيم نابليون ابن كورسيكا، وجعلتني أشعر بأن للوسط الطبيعي للناس أثرًا لا سبيل لهم إلى التخلص منه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.