أعرف أن بيننا وبين الثورة الفرنسية دهرًا طويلًا أكثر من قرن ونصف قرن، وأعرف أن الحياة الإنسانية قد خَطَت في العلم والمعرفة والفن التطبيقي خطوات واسعة، لم يكن الفرنسيون يتصوَّرُونها أثناء ثورتهم، وأعرف أن هذا كله يقتضي أن يكون تفكيرنا في أواسط القرن العشرين غير تفكير الفرنسيين في أواخر القرن الثامن عشر، وأن من الحمق والخطل أن نطلب من ثورتنا أن تفكر كما فكرت الثورة الفرنسية أو أن تنهج نهجها في حياتها العاملة.

أعرف هذا كله، لكني أعرف أيضًا أن الظروف التي تحيط بنا تُشبه الظروف التي أحاطت بالفرنسيين أثناء ثورتهم من وجوه كثيرة؛ فقد كان الفرنسيون حين ثاروا يخضعون لظلم الملوك كما كنا نخضع له، وكانت كثرة الشعب تخضع لاستغلال طبقة بعينها من المواطنين؛ هي تلك التي استأثرت بالثراء والقوة والسلطان … كما كنا نحن نخضع لأسرة تشبه تلك الأسرة من وجوه كثيرة وإن لم تشبهها من كل الوجوه.

وكان الفرنسيون يحاولون أن يظفروا بحقوقهم في الحرية والكرامة بالقياس إلى الملوك والأشراف، وفي المساواة أمام القانون دون فرق بين الطبقات، وفي الإخاء بين المواطنين مهما تكن منازلهم ومراتبهم. وكانت الثقافة هي التي ألقت في روعهم وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني، وأقنعتهم بأن اللَّه قد خلق الناس أحرارًا، لا ينبغي لبعضهم أن يملك بعضًا، ولا ينبغي لأغنيائهم أن يستغلُّوا فقراءهم، ولا ينبغي لأقويائهم أن يستذلوا ضعفاءهم، وأنهم جميعًا يولدون على نحو واحد، ويموتون على نحو واحد، ويصيرون إلى مصير واحد، وأنهم جميعًا يشعُرون ويُفكِّرون ويعبِّرون ويألَمون ويأمُلُون ويعملون على أنماط متشابهة أشد التشابه، متقاربة أعظم التقارب، وأن استعلاء الأقوياء ظلم، وأن استئثار الأغنياء جَوْر، وأن اللَّه قد خلق الأرض للناس جميعًا ومنح الناس عقولهم وقلوبهم وذكاءهم وشعورهم وقوتهم المادية؛ ليعيشوا في الأرض إخوانًا يبتغون من فضل اللَّه، ويتعاونون على الخير والبر والمعروف، وأن ما يكون من بغي بعضهم على بعض واستئثار بعضهم بالخير من دون بعض، لا ينبغي أن يكون نتيجة لفساد في النظام الاجتماعي والسياسي، وضعف في الأخلاق، وتفريط فيما لا ينبغي أن يفرط فيه رجل كريم أو شعب رشيد.

ألقت الثقافة في رُوع الفرنسيين وأقرت في نفوسهم كل هذه المعاني. قرأها القادرون منهم على القراءة في كتب الفلاسفة والأدباء، وتحدَّثوا بها إلى الذين لا يقدرون على القراءة، ولاءموا بين ما كانوا يقرءون ويسمعون وبين الحياة التي كانوا يحيونها والنظم التي كانوا يخضعون لها، فثاروا وأخرجوا أنفسهم ووطنهم من حياة كان يملؤها الجور والبغي والإثم، إلى حياة حاولوا ما استطاعوا أن يجعلوا قوامها العدل والبر والتعاون على نشر الخير والمعروف.

وقد كُنَّا مثل الفرنسيين في هذا كله، أحيينا فيما بيننا أصول الإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر، ولا يُميِّز إنسانًا من إنسان إلا بالتقوى. نقلنا إلى لغتنا تلك الثقافة التي أَثَّرت في الحياة الفرنسية، وما أُضيف إليها من ثقافات جديدة، وجعل فريق من كتابنا وأدبائنا وزعماء الإصلاح فينا يُلِحُّون في الدعوة إلى إصلاح نظمنا الاجتماعية والسياسية، وتبرئتها من الطغيان والأَثَرة، ومن البغي والاستعلاء والعدوان.

وقرأ القادرون منا على القراءة هذا كله، وامتد ثوابه إلى الذين لا يقرءون، ووازنَّا بين ما أحييناه من قديمنا وما نقلناه من جديد أوروبا، ومن الحياة التي كنا نحياها والنظم التي كنا نخضع لها؛ فضقنا بما كنا فيه أشد الضيق، وحاولنا أن نُخرج من حياتنا تلك البغيضة إلى حياة خير منها، وأتاح الجيش لنا — وكان من الحق عليه أن يُتيح لنا هذا الخروج — لأنه يأتلف من أبنائنا وإخواننا ويجد مثل ما نجد من الألم، ويطمح إلى مثل ما نطمح إليه من الكرامة، وكانت في يده القوة التي تُتيح له تحرير الشعب، فلم يُقَصِّر حين تهيَّأت له الفرصة، وكتب الله له النُّجْح فيما حاول، فأصبحت ثورتنا حقيقة واقعة منذ عامين.

من كل هذه الوجوه تُشبه مصر في القرن العشرين فرنسا في القرن الثامن عشر، ومن كل هذه الوجوه تُشبه ثورتنا ثورة الفرنسيين في نشأتها وأسبابها، والغايات التي تسعى إليها، ولنا بعد هذا كله من الظروف المواتية ما لم يكن للفرنسيين.

فالفرنسيون ثاروا قبل أن يُستكشف الانتفاع بالبخار والكهرباء، وقبل أن يتيح للناس ما أتيح لنا من إلغاء المسافات في الزمان والمكان، وفي تذليل الصعب وتيسير العسير والتفوق في تسخير الطبيعة لأغراضنا ومنافعنا.

فواجباتنا أثناء ثورتنا أضخم وأقسى وأعظم خطرًا من واجبات الفرنسيين أثناء ثورتهم؛ لأننا نملك من الوسائل ما لم يكونوا يملكون.

وأنا أحب من تاريخ الثورة الفرنسية — إلى جانب ما حاولت من تحقيق العدل السياسي والاجتماعي — عنايتها بنشر العلم، وإذاعة المعرفة، وتكوين الصفوة المفكرة الحرة التي تدفع الشعب إلى أمام، وتتيح لأصول الثورة ومبادئها أن تتحقق وتستقر وتنتشر، لا في الوطن الفرنسي وحده، بل في القارة الأوروبية كلها، وفي غيرها من أجزاء العالم الأخرى.

فقد عُنِيَت الثورة الفرنسية بتنظيم البحث العلمي وتشجيعه وتهيئة الوسائل للعلماء الباحثين؛ فأنشأت المجمع العلمي بفروعه المختلفة، كما أنشأت تفكِّر عاملةً وتعمل مفكِّرةً، وتُشعِر الشعب بأنه عنصر خطير من عناصر الحياة الإنسانية العامة.

وقد ذكرت امتياز هذه الصفوة، وأحبُّ أن تكون هذه الكلمة واضحة كلَّ الوضوح في نفوس الذين يقرءون هذا الحديث.

فلست أريد أن تمتاز هذه الصفوة بالمولد، ولا أن تمتاز بالمال، ولا أن تمتاز بالسلطان لها وعطفه عليها، وإيثارها بالخير من دون المواطنين؛ فقد ذهب هذا كله، ويجب أن يذهب إلى غير رجعة.

ولست أريد كذلك أن تمتاز هذه الصفوة بهذا التحكم الذي يظنه الناس علمًا وليس هو من العلم في شيء، وأريد به هذا التحكم الذي يعتمد على مقاييس الذكاء وما يشبه مقاييس الذكاء من أوهام البيداجوجيا التي تُفهَم على غير وجهها، والتي يؤمن فريق منا بنصفها ويجحد نصفها الآخر.

وإنما أريد أن تمتاز بنفسها؛ بجدِّها وكفايتها ومواهبها، بعد أن تُتاح للمواطنين جميعًا فرص الامتياز في حرية كاملة لا تَحكُّم فيها ولا تَضييق.

هذه الصفوة ستمتاز من بين أبناء الشعب كله، لا من أبناء الأغنياء، ولا من أبناء الفقراء، ولا من أبناء الطبقة الوسطى، بل من أبناء المصريين جميعًا؛ لأنهم مصريون لا لشيء غير ذلك.

وأنا أعلم أن قومًا سيقرءون هذا الكلام، فيهزون رءوسهم، ويرفعون أكتافهم، وتمتلئ قلوب بعضهم موجدة وسخطًا، وقد يقول قائلهم كلامًا يُقال في قمم الجبال. لكني أعلم أيضًا أن كثيرين من القارئين لهذا الحديث سيقرءونه بقلوبهم وعقولهم، وسيجدون فيه حقائق أنفسهم وخلاصة آمالهم، وسيؤمنون به ويعملون له. وأنا أَعِدُ هؤلاء بأن يُتاح لهم النجاح غدًا وإن لم يُتح لهم اليوم، وإليهم وإلى قادة الثورة أسوق هذا الحديث على أنه لم ينته بعد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    عبد السلام همال ·٣٠ نوفمبر ٢٠١٣، ٢٠:٥٣ م

    رحم الله طه حسين ، قدم كل مايملك من علم، وفن ،ونصح إلى أمته .