أحبب إليَّ بهذا الصمت العميق الذي يُمعن فيه العلماء والأدباء وأصحاب الفن الرفيع أشدَّ الإمعان؛ حتى ينسوا النَّاس، ويُوشك النَّاس أنْ ينسوهم، وحتَّى يُوشك أحدهم أنْ ينسى نفسه لشدة ما أمعن في الصمت، وأغرق في البحث، وشغله العمل عن كل شيء، ثُمَّ يعود إلى نفسه وإلى النَّاس ذات يومٍ وفي يده طُرْفة نفيسة يطرفهم بها في كثير من التواضع والحياء، وكان صمته ذاك الخصب يُنشد قول الراجز القديم:

هذا جناي وخياره فيه

إذ كل جانٍ يده إلى فيه

وأحبب إليَّ كذلك بهذه الأيام الغرِّ التي تستقبلني مُصبحًا أو مُمسيًا بطرفة من هذه الطرف يهديها إليَّ أصحابُها بين حينٍ وحينٍ.

ما أعمق هذا الرضا الذي أحسسته ونعمت به أمسِ حين استقبلني الصَّباح بطرفة تاريخية قيِّمَة جاءتني من دمشق، وحين استقبلني المساء بطرفة أدبية رائعة جاءتني من القاهرة، كلتا الطرفتين نتيجة من نتائج هذا الصمت العميق الطويل الذي يُمعن فيه أصحابه، ثم يخرجون منه بما ينفعهم وينفع الناس!

وقد كانت طرفة الصباح مجلدًا ضخمًا قيِّمًا من هذا الكتاب العظيم الذي يُعدُّ بين الكنوز النفيسة لتراثنا العربي، وهو تاريخ دمشق لابن عساكر. أخذ المجمع العلمي العربي في نشره، وعهد بإخراج المجلد الأول منه إلى الأستاذ صلاح المنجد، وسأتحدث عنه في الأسبوع المُقبِل إن شاء الله.

وكانت طُرفة المساء مُجلَّدًا ضخمًا كذلك يشتمل على ديوان أبي نواس عُنِيَتْ بنشره شركة مطبعة مصر، وعهدت بإخراجه وتحقيق نَصِّه إلى الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، وقدَّم له شاعرنا الكبير الأستاذ عزيز أباظة بمُقدِّمة مُمتعة، وهذا المُجلد هو الذي سأتحدث عنه اليوم في كثير من الإيجاز.

ولأمرٍ ما أَلَحَّ أبو نواس على النَّاس في هذه الأعوام الأخيرة من حياتنا الأدبية؛ فقد أخرج الأستاذ عبد الرحمن صدقي منذ وقت قصير كتابين قيِّمين عن أبي نواس، وتحدثت في الأسبوع الماضي عن الكتاب الذي درس فيه الأستاذ الدكتور محمد النويهي نفسية أبي نُواس، وهذا ديوان أبي نواس تُخرجه لنا مطبعة مصر في صورة جديدة قد حُقِّقت نصوصها، وبرئت من شوائب التصحيف والتحريف التي أفسدت الطبعات التي شاعت بين أيدي النَّاس.

ما عسى أن تكون الصِّلة بين هذا الجيل من أجيال المصريين وبين هذا الشاعر العظيم من شعراء القرن الثَّاني للهجرة؟ فقد ينبغي أن تكون هناك صلة خفية أو ظاهرة حملت هؤلاء السادة من المثقفين الذين أترفت عقولهم وأذواقهم، وهذبت طباعهم وأمزجتهم، على أن يُعْنَوْا بأبي نواس؛ منهم من يعرض حياته، ومنهم من يعرض فَنَّه، ومنهم من يحلل نفسَه، ومنهم من ينشر شعره نشرًا محققًا جديدًا. أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من مُجرد الميل إلى إحياء الأدب القديم؟ ولكن لماذا يُختار أبو نواس بين شعرائنا القدماء الذين لا يكاد يحصيهم العدُّ؟ لِمَ لا يختار شاعر من شعراء العصر الأموي، أو شاعر آخر من الذين عاصروا أبا نواس، أو الذين جاءوا بعده؟ وما أكثر ما يتحدث النَّاس في هذه الأيام عن الضِّيق بالقديم والزهد فيه، وعن الكلف بالجديد والشوق إليه! أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من أنَّ كثيرًا من المُثقفين في هذه الأيام يجدون مثلما كان يجد أبو نواس من الفراغ، ويُصرفون عمَّا أُتيح لأبي نواس من اللهو والعبث والاستمتاع بلذات الحياة؛ فهم يتعزَّوْنَ بما أُتيح لغيرهم عمَّا لم يُتح لهم، ويتسلَّوْن بوصف لَذَّات الحياة عن لَذَّات الحياة نفسها؟

ولكنَّ أبا نواس لم يكن وحده صاحب اللهو والعبث والمجون، وإنَّما كان كثيرٌ من مُعاصريه يُشاركونه في أمره كُلِّه، يلهون كما يلهو، ويعبثون كما يعبث، ويُسرفون على أنفسهم وعلى النَّاس في الاستهتار باللهو والعبث ووصفهما في الشعر الجميل الصريح؛ وإذن فما بال هؤلاء الباحثين المجودين يُؤثِرون أبا نواس بالبحث من دون غيره من مُعاصريه؟

يُخيَّل إليه أنَّ هذه الصلة لا تأتي من شيء من هذه الأشياء التي أشرتُ إليها، وإنَّما تأتي من شيء آخر يُصوِّر أصدق تصويرٍ هذا الروحَ الجديد الذي مَلأ الحياة المصرية وسايَرها منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان يعنف مرة ويهدأ أخرى، وهو رُوح الثورة والطموح إلى التحرُّر من الحياة الجامدة التي تُثقلها القيود والأغلال، وتضيق فيها الأوضاع الاجتماعية ضيقًا شديدًا؛ فتؤثِر طائفة قليلة بطيِّبات الحياة، وتحرم الكثرة الكثيرة هذه الطيبات. ولست أريد بطيبات الحياة هنا هذه اللذات المادية التي تُتاح للمترفين، وتُصرف عن المحرومين، وإنَّما أُرِيدُ بهذه الطيبات ما هو أوسع من هذا سعة وأرقى منه طبيعة ومزاجًا، أريد الطيبات المعنوية والمادية جميعًا، أريد الحرية الشائعة التي لا تقصر على طبقة بعينها وإنَّما تُتاح للنَّاس جميعًا، وأريد المساواة في الحقوق التي لا تُفرِّق بين جنس وجنس ولا بين طبقة وطبقة، والتي لا تبيح الاستعلاء لبعض الناس على بعض، ولا تبيح لبعض النَّاس أن يستأثروا دون غيرهم بما يتيح لهم التفوق والامتياز، هذا الروح ملأ حياتنا المصرية منذ انتهت الحرب العالمية الأولى؛ فدفعنا إلى المطالبة بالحرية السياسية، وبالحرية الاجتماعية، وبالمُساواة في الحقوق والواجبات، وحرصنا على أن نَخلُص من التسلط الأجنبي، وجاهدنا حتى ظفِرنا بدستور يسجِّل المساواة بين النَّاس، وقضينا ثُلث القرن الذي قضيناه في جهاد عنيف حينًا هادئ أحيانًا؛ لنحقق هذه الغايات تحقيقًا لا يقبل جدالًا ولا نزاعًا، وهذا الرُّوح هو الذي أغرى المثقفين منَّا بحُبِّ أبي نواس والعناية بشعره؛ فأبو نواس ثمرة من ثمرات الثَّورة التي حققت المساواة بين العرب وغيرهم من الأمم المغلوبة، وشعر هذا الجامح الذي لا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، إنَّما هو شعر المنتصر الذي أسكره الانتصار حتى أخرجه عن طوره، وحتى دفعه إلى ألوان من الشَّطَطِ في سيرته وفي تفكيره وفي شِعْرِه الذي يصور تلك السيرة وهذا التَّفكير.

فأبو نواس ثائر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة كلها، ثائر على العرب يعيبهم في غير تحفُّظ، ويُفَضِّلُ عليهم الفرس، ويُحْفِظُ السلطان أحيانًا حتى يُلْقِيَه في غيابات السجن، وهو ثائر على المألوف من حياة الناس هذه الحياة الهادئة المطمئنة التي تجري على وتيرة وحيدة محتفظة بما فرض الدين عليها من النقاء والقصد والاعتدال؛ فهو يشرب الخمر ولا يريد أن يستخفي بشربها، وهو يُمعن في الشذوذ الجنسي في غير تحفُّظ ولا استحياء، وهو يسخر من المتزمِّتِين في غير رفق ولا أناة، ثم هو ثائر على المألوف من قيود الفن، فهو يُحسن الشعر العربي التقليدي أيما إحسان، ويُثبت ذلك بما يَقرِض من الشعر التقليدي الرصين؛ حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التقصير، ولكنَّه بعد ذلك يثور على هذا كله، ويُبدع في فنِّه الجديد، فيُعرض عن الأطلال ووصفها والبكاء عليها والحنين إليها، إلى اللذة وإطرائها والافتنان في وصفها إلى أبعد الحدود؛ كل ذلك لأنَّه نشأ كما نشأ أترابُه في ظل الثورة التي أدانت للمغلوبين من الغالبين، ودفعت كثيرًا من هؤلاء المغلوبين إلى فنون من الشَّطَطِ والجموح في القول والفعل جميعًا.

وليس أبو نواس بدعًا من أترابه الذين عاصروه في البصرة والكوفة وبغداد، وقد وجد أبو نواس وأصحابه من الوزراء والأمراء ومن بعض الخلفاء رِضًى عن هذا الجموح، فتجاوزوا فيه كل حدٍّ؛ ومن هنا أخالف الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، كما خالفت الأستاذ النُّويهي من قبل في ردِّ ثورة أبي نواس هذه إلى ما زعم الرُّواة من سيرة أمه، أو إلى إخفاقه في حبٍّ جبان؛ فلم تكن ثورة أبي نواس مقصورة عليه، وإنَّما كانت شائعة في كثير من أصحابه الشُّعراء وغير الشعراء من أهل ذلك العصر.

وأخالف الأستاذ الغزالي في شيء آخر ليس أقل خطرًا من هذا الذي ذكرتُه آنفًا؛ فالثورة الفنية التي نراها عند أبي نواس وأصحابه، والتي دفعت إلى الإغراق في وصف اللذات والاستهتار بها، ليست ثورة عباسية ولا عراقية، وإنَّما هي قدرة قديمة نشأت في الحجاز، وفي المدينة خاصة أيام الأمويين، وانتقلت من المدينة إلى الشام أيام يزيد بن عبد الملك، وعظُم خطرها أيام هشام بن عبد الملك بفضل الوليد بن يزيد الذي كان ضحية من ضحاياها، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق فاستقرت فيه مع السلطان، ولم تهدأ إلا بعد قتل الأمين بن الرشيد ونهوض المأمون بخلافة المسلمين.

فإذا كان في العراق أبو نواس ومسلم ومطيع وحماد ووالبة؛ فقد كان في الحجاز الأحوص، وفي الشام الوليد بن يزيد، وحديثُ هذا يطول.

وقد كنت أحب أن أثني على هذه الطبعة الجديدة لديوان أبي نواس ثناءً لا تحفُّظ فيه، ولكني مُضْطَرٌّ مع الأسف إلى شيء كثير من الاحتياط؛ فهذه الطبعة على جودتها وعلى ما بُذل في تصحيح نصِّها من الجهد العنيف، ليست طبعة علمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلستُ أعرف أنَّ الأستاذ الغزالي قد استقصى النُّسخ المخطوطة لديوان أبي نواس في دور الكتب المُختلفة، ولست أعرف أنَّه قد استقصى أكثرها أو كثيرًا منها.

وقد كنت أعلم أنَّ المستشرق الألماني الدكتور شادة قد أنفق ثلاثين عامًا من عمره دارسًا لأبي نواس يُهيِّئُ طبعة علمية لديوانه، ولكنَّه فَارَقَ هذه الدنيا، ولست أعرف إلى أي مرحلة بلغ من بحثه وتنقيبه.

وخصلة أخرى تضطرني إلى التحفُّظ: وهي أنَّ النَّاشر ومطبعة مصر قد راعَيَا ذوق المعاصِرِين، وتخريج القوانين القائمة أكثر ممَّا راعَيَا حقَّ العلم في نشر النَّصِّ كاملًا غير منقوص فهما يهديان إلى القُرَّاءِ نسخة مُصفَّاة يستطيعون أن يقرءوها في غير حَرَجٍ، وليس هذا بالشيء القليل، وما شيءٌ خير من لا شيء، كما يقول المثل.

فليقرأ القُرَّاء شاكرين للمطبعة والناشر هذا الجهدَ القَيِّمَ الخصبَ، ولينتظر العلماء أن يُنشر لهم نص أبي نواس، كما يريدون أن يكون.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.