… معروف عن أستاذنا العقاد أنه متفائل. فما رأي سيادته في احتمال وقوع حرب عالمية ثالثة؟

عبد الرزاق فهمي المهداوي، إسكندرية

والحق أنني أحسب نفسي من المتفائلين كما يحسبني الطالب الإسكندري إذا انقسم الناس إلى مؤمنين بمستقبل النوع الإنساني وغير مؤمنين.

ولكنني لا أعتقد أن التفاؤل بهذا المستقبل ينقطع بانقطاع الأمل في السلام، وإن كانت الموانع التي تقضي باجتناب الحرب العالمية أقوى مما كانت «في زمن من الأزمان» كما يقولون في لغة الساسة الدوليين!

ولو كانت الحروب تمتنع على قدر الخوف منها وقلة الرغبة فيها؛ لامتنع وقوع الحرب العالمية الثالثة بغير جدال.

فليس في المعسكرات الدولية من يرغب في هذه الحرب، غير فريقين من جانب اليمين ومن جانب الشمال، ونعني بهما الفريق الذي يرى من أقصى اليمين أن التعجيل بالحرب أسلم من الانتظار بها إلى أن يتم الاستعداد لها في المعسكر الآخر. ويقابله من أقصى اليسار ذلك الفريق الذي ينكر إمكان التعايش السلمي في العلاقات الدولية، ويرى أن الانقلاب العنيف أصلح تمهيد لانتشار الدعوات التي يؤمن بصلاحها ويعتقد أنها آتية لا ريب فيها.

غير أن الفريقين أضعف نفوذًا في معسكريهما من أن يقتحما بالعالم كله غمار الحرب على الرغم منه.

ثم نعود فنقول: إن الحروب العالمية في بعض ظواهرها أحداث كونية كأحداث البراكين والصواعق التي تنفجر على غير إرادة، وعلى غير انتظار، في أكثر الأحايين.

وقد كان مقتل الأرشيدوق النمسوي (سنة ١٩١٤) حادثًا من هذه الحوادث التي لم تقع في حسبان أحد قبل حدوثها بأيام، ولم يكن أحد من الطرفين المتقاتلين على استعداد للحرب في تلك السنة، كما ظهر في حالة روسيا والنمسا وإنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة، بعد ابتداء القتل ببضعة أسابيع … ولكن الفتيلة اشتعلت على حين فجأة، فاشتعل البركان تحت أقدام الواقفين عليه. ومثل هذا الحادث قد يفاجئ العالم — والعياذ بالله — في المستقبل البعيد أو القريب، فيدفع به إلى جحيم لم يعهد لها نظير فيما تقدم من تاريخ الإنسانية، ويئول بها بعد ذلك إلى خراب يقصر عنه مدى التفاؤل، وإن بلغ إلى أقصى مداه.

على أنني أحسب أن التفاؤل بمصير الإنسان الروحي أولى من التفاؤل بمصير الحرب المشكوك فيه، وشر من هذا المصير أن ينحدر النوع الإنساني إلى حضيض العقائد البهيمية التي تلغي كل قيمة وصل إليها في تاريخه الطويل غير قيمة الكروش والقروش.

ولهذا أستبعد وقوع الحرب العالمية؛ لأن هذه البهيمية أحد نتائجها المحتملة، فإذا وقعت الحرب العالمية — وقاكم الله — فالبعيد في اعتقادي أن يكون هذا الاحتمال هو الوحيد الذي تنتهي إليه، وهو تغليب عقيدة الكروش والقروش.

سكان الكواكب

قرأت في الأخبار اليوم — نقلًا عن عالم أمريكي: «أن هناك احتمالًا بأن المريخ به مخلوقات ذكية وصلت إلى تحطيم الذرة والقيام بعمليات كبيرة لاستصلاح أراضي المريخ.»

وجاء في الخبر الذي نقلت عنه هذه الرواية: «أن العالم المذكور يحذر القائمين بإدارة أبحاث الفضاء الأمريكية من محاولة إنزال الإنسان الآلي على سطح المريخ قبل أن يتأكدوا من هذه الحقائق؛ مخافة من غضب سكانه!»

ونسبة هذا الخبر إلى عالم معروف أو مجهول لا تفيدنا شيئًا مجهولًا من أمر الكوكب المخيف — إله الحروب عند الأقدمين — ما لم يكن الخبر مشفوعًا بكشف جديد غير الكشوف التي استقرت عليها بحوث الفلكيين خلال السنوات الخمس الأخيرة. وليس فيها ما يرجح وجود الحياة على ظهر المريخ إلا على أبعد احتمال، وفي صورة من المادة العضوية لا ترتقي إلى درجة فوق درجة الفطريات والجراثيم الميكروبية.

فقد أبطلت الكشوف الأخيرة أوهام القائلين بمشاهدة الجداول الهندسية على سطح المريخ، واستدلالهم بها على وجود المخلوقات العاقلة التي تشتغل بالزراعة وتحسين تنظيم الجداول والأقنية على القواعد الهندسية.

وكل ما ثبت من حقيقة هذه الخطوط التي تشبه رسوم الجداول أنها أخاديد في المساحة الجافة من الكوكب تتسرب إلى المساحة الصحراوية على سطحه، وهي أوسع المساحتين ومنها تنعكس الأشعة الحمراء التي تصبغ الكوكب بلون كلون الدم، وتجعله في رأي الأقدمين «إله الحرب» بين كواكب السماء التي يوصف كل منها بوصف إله يناسبه: كالزُّهرَة ربة الجمال، وعطارد رب الفنون، وزحل رب النحوس والمغامرات.

وظهر من رصد الكواكب أن الجدب يستولي عليه في كلتا المساحتين، وأن الماء فيه قليل جدًّا، وأقل منه عنصر الأكسجين الطليق.

فالمساحة الكبرى منه رمال قاحلة إلى ناحية قطب الشمال، والمساحة الباقية إلى الجنوب أغوار جافة كانت فيما مضى بحارًا لا تحتوي كثيرًا من الماء.

ولا يستحيل نشوء الحياة على المريخ في زمن مضى، ثم تطورها مع طوارئه الجوية بما يناسب وضعه الجديد، وكذلك لا يستحيل نمو النبات في جو كجو المريخ كما ينمو بعض النبات في الأقاليم القطبية، فإن بحوث العلماء الروسيين والأمريكيين في جوانب القطب الشمالي تدل على إمكان تحويل النبات مع هبوط الحرارة إلى حالة غير حالته التي توافق الزرع في الأقاليم الحارة، ولكنهم لم يصلوا بهذه التجارب إلى حالة تلائم الكائنات العضوية فوق درجة الأعشاب والجراثيم.

ولا يبعد — مع هذا كله — أن تكون للحياة العليا صورة مناسبة لكل جو من أجواء الكواكب السماوية، وأن يكون سكان تلك الكواكب من المخلوقات العاقلة في مرتبة كمرتبة الإنسان أو فوق هذه المرتبة في العقل والبصيرة.

ولكن السؤال الذي لا بد أن يسبق إلى الخاطر في هذه الحال هو: لماذا لم تبحث هذه المخلوقات عنا كما نبحث نحن عنها بوسائلنا العلمية منذ قرن أو يزيد؟

جواب واحد يمكن أن يجاب به عن هذا السؤال، وهو أنها كفت عن البحث عنا ومحاولة الوصول إلينا؛ لأنها عرفتنا وعرفت غنيمة البعد عنا!

وليست بالسمعة الحسنة لنا بين سكان الكواكب، أن يكون سكان الكوكب الذي سماه أجدادنا الأولون بإله الحرب أحب منا للدعة والموادعة وأحرص منا على السكينة والسلام!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.