في وزارة المعارف تحقيق عظيم الخطر، بعيد الأثر، مروع الذين يحسن ظنهم بالأمور العامة في مصر، فيحسبون أن فيها تعليمًا ووزارة للتعليم.

في وزارة المعارف تحقيق لا تشرف عليه كله وزارة المعارف، وإنما تشرف عليه لجنة نصفها من الوزارة، ونصفها الآخر موزع بين إدارة الجامعة، وإدارة الأوقاف الملكية، وإدارة المعاهد الدينية. ومعنى هذا أن وزارة المعارف لا تثق بنفسها، ولا تطمئن إلى أهلها، ولا ترى أن تكون لجنتها من الذين يشرفون فيها على التعليم؛ حتى تضمَّ إليهم قومًا آخرين، وحتى تجعلَ الأمر في هذه اللجنة مناصفةً بحيث لا يستطيع رجال الوزارة وحدهم أن يكوِّنوا أغلبية في اللجنة أو يستقلوا فيها برأي قاطع.

وزارة المعارف إذن تنكر نفسها، وتستطيع أن تصدقني حين أؤكد لك أنها لم توفق في شيء كما وفقت في هذا الإنكار. هي جديرة أن لا تثق بنفسها، جديرة ألَّا يثق بها الناس؛ لأنها فقدت فيما يظهر كل ما يحمل على الثقة، أو يدعو إلى الاطمئنان. ولست أنا الذي يزعم ذلك أو يدعيه، وإنما الوزارة هي التي تؤكده وتقيد عليه ألف دليل.

انظر إليها تؤلف لجنتها على هذا النحو، فثبت للذكي والغبي أنها لا تطمئن إلى رجالها، ولا تأمن إن جعلت اللجنة كلها أو أكثرها منهم أن يجوروا في الحكم، وأن يحابوا وزارتهم ويقولوا فيها غير الحق. والوزارة تريد الحق، وتريده كله، وتريده صارمًا قاطعًا؛ لأنها تريد أن تحدد التبعات وتعاقب المقصرين عقابًا يضمن لها حسن النتائج في الأعوام المقبلة.

ثم انظر إليها في هذا التحقيق نفسه مع من تحقق، وعلى من تقيم هذه القيامة، وحول من تثير هذه الضجة، وفيمن تثير هذه الشكوك المخزية؟ في هيئة التدريس كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة النظار كلها في المدارس الثانوية، وفي هيئة التفتيش كلها في المدارس الثانوية، ثم في مراقب التعليم الثانوي ومساعده.

المعلمون والنظار والمفتشون والمراقب ومساعده، كل هؤلاء خاضعون الآن لتحقيق تجريه معهم لجنة نصفها من غير رجال الوزارة، ثم تزعم لي بعد ذلك أن وزارة المعارف خليقة أن تثق بنفسها أو أن يثق بها الناس؟!

ولمن يعمل هذا التحقيق؟ لوزير المعارف ووكيلها. وأين وزير المعارف ووكيلها؟ ذهب أحدهما إلى فرنسا ليستشفي، وذهب الآخر إلى إنجلترا ليستريح فيما يُقال. ألست ترى معي أن أقل ما توصف به وزارة المعارف وهي بهذه الحال أنها مضحكة. وإذا كانت وزارة المعارف مضحكة، فلا ينبغي أن تنتظر منها تعليمًا ولا تربية؛ لأن التعليم والتربية ليسا من الكوميديا في شيء.

تأمر وزارة المعارف بالتحقيق مع المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، وتنسى أن تأمر بالتحقيق مع الوزير ووكيل الوزارة. فهما وحدهما اللذان ينبغي أن يُسألَا، وأن يكون معهما التحقيق. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها؛ لما قبل مجلس الوزراء من وزير أن يأمر بالتحقيق في أمر التعليم الثانوي كله حتى إذا أمضى قراره هذا ركب البحر إلى فرنسا ليستشفي ويستريح. ولو أن الأمور العامة تجري في مصر على وجهها، ولو أن مصالح الناس تُرعى في هذا البلد — كما تُرعى في البلاد الأخرى — لما سمح مجلس الوزراء بأن يشرف على التعليم وكيل لا يكاد يقترح إنشاء هذه اللجنة حتى يركب البحر إلى إنجلترا ليستريح إن صحَّ أنه ذاهب ليستريح.

وأين كان وزير المعارف ووكيله وسكرتير الوزارة العام طوال السنة؟ أين كانوا من المعلمين والنظار والمفتشين والمراقب ومساعده، ليتعرفوا أمرهم اليوم وليسألوا لجنة مختلطة أن تبيِّن لهم أدَّى هؤلاء الناس واجبهم أم قصَّروا فيه؟

الذي أعلمه أن هؤلاء الثلاثة قضوا عامهم في وزارة المعارف، وكانوا يتصلون كل يوم بالمراقب ومساعده، وكان هذا المراقب يعرض عليهم كل يوم شئون التعليم الثانوي على اختلافها. وإذن ففيمَ التحقيق وفيمَ السؤال؟ وفيم هذه الفضيحة التي لا تحتملها وزارة تقدر نفسها وكرامتها لو أن رئيس الوزراء ملتفت إلى وزارته غير منهمك في طلب المفاوضات أو الطيران إلى الحدود؟

إلَّا أن الأمر في وزارة المعارف لا يحتاج إلى تحقيق، وهو لا يحتاج إلى تحقيق من هذا النوع على الأقل، وإنما يحتاج إلى تحقيق آخر يأمر به مجلس الوزراء أو البرلمان؛ ذلك أن وزارة المعارف مشغولة بالديوان عن التعليم. وإذا قلت إنها مشغولة بالديوان، فمعنى ذلك أنها مشغولة عن التعليم بأمرين: أحدهما السياسة، والآخر الخصومة بين كبار الموظفين.

فأمَّا السياسة، فهي في وزارة المعارف فنون وألوان. وتستطيع أن تصدقني؛ فأنا أحدثك عن علم: في وزارة المعارف لون من السياسة يُراد به الإعلان عن الحكومة، وإقامة الأدلة على أن الناس قد أحبوها وانصرفوا إليها عن المعارضة، ويظهر هذا اللون حين يتفضل الوزير بزيارة المدارس والمعاهد، فتُهيأ له الخطب والقصائد، ثم ترسل البلاغات بعد ذلك إلى الصحف.

وفي وزارة المعارف لون من السياسة الحسيبة حين يتعقب الموظف؛ لأنه كان فيما مضى من الزمان سعدي اللون أو دستوري الهوى. وفي وزارة المعارف لون آخر من السياسة، لا أسميه ولا أستطيع أن أطيل القول فيه، وإنما يستطيع تفصيله وكيل الوزارة ووزير المعارف السابق ورئيس الوزراء وأشخاص آخرون مصريون وغير مصريين.

ثم في وزارة المعارف تنافسٌ بين كبار الموظفين وأوساطهم. يستقيم الأمر بين الوزير والوكيل حينًا، فيعوج بين الوزير وخصوم الوكيل، وهم كثيرون. ثم يعوج الأمر بين الوزير ووكيله، فيستقيم في الحال بين الوزير وخصوم الوكيل. وخصوم الوكيل هؤلاء من كبار الموظفين وأوساطهم. فإذا سألت عن صغار الموظفين ماذا يصنعون، فهم يسعون بين أولئك وهؤلاء بالخير والشر، ويحملون إليهم المنكر والمعروف.

أحسَّ وزير المعارف في الصيف الماضي حاجة ديوان الوزارة إلى شيءٍ من الإصلاح، ورأى خصومة شديدة بين كبيرين في الوزارة يُفسد لها أمر الديوان، فخطر له أن يفصل أمر الإدارة عن أمر التعليم. ولم تكد تظهر هذه الفكرة البريئة التي لم يُرد بها الوزير إلَّا الخير، حتى فسد الجو في الوزارة فسادًا تامًّا، وكانت حرب شعواء صمَّاء، عنيفة حقية، بين المراقبين ومساعدي المراقبين؛ أيهم يكون له الفن؟ وأيهم تكون له الإدارة؟ وكانت هذه الحرب سجالًا، ينتصر فيها فريقٌ، فتنشر الصحف أن فلانًا سيكون مراقبًا عامًّا للتعليم، ثم ينتصر الفريق الآخر، فتنشر الصحف أن تعيين فلان هذا لم يتقرر بعد، ويتضاحك صغار الموظفين في الديوان حين يقرءون هذه الأنباء المتناقضة.

فأمَّا المعلِّمون والنظَّار والمفتِّشون، فكانوا يؤدون واجباتهم المختلفة كما يستطيعون، لا يلتفت إليهم أحد، ولا يحفل بهم إنسان.

وإذا شُغِل رجال الديوان بالسياسة والكيد، وانصرفوا عن أمور التعليم، فبأي حقٍّ يلام المعلم أو الناظر أو المفتش أو المراقب إذا ساءت نتيجة الامتحان؟ وما قيمة اللجان التي تؤلف في الوزارة أو خارجها؟ أو التي تتناول هؤلاء المظلومين بالسؤال والاستجواب، ثم باللوم والعقاب، وهم أبرياء لا إثم عليهم ولا تثريب؟!

لست أزعم أن هيئة التعليم الثانوي عندنا تحقق المثل الأعلى في الكفاية والعناية بأداء الواجب، بل هي مع الأسف الشديد بعيدة جدًّا عن هذا المثل الأعلى، ولكنها على كل حال أقل الناس استحقاقًا للوم واحتمال التبعة حين تسوء نتيجة الامتحان.

وأخرى قد كثر الكلام فيها، ولكنها لن تُوفَّى حقَّها مهما يكثر فيها الكلام، وهي الضعف الخلقي عند الذين يشرفون على التعليم. فهؤلاء الناس الذين يُحارب بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويكبر بغضهم لبعض، يخاف بعضهم بعضًا إلى حد غريب! وهم يضحُّون في سبيل هذا الخوف بشيءٍ كثيرٍ مما لا يحب الرجل العادي أن يضحي به إلَّا نادرًا.

أذكر أني حين نقلت إلى وزارة المعارف، وذهبت إليها مغاضبًا للوزير، أعرض عن لقائي فيها قومٌ كانوا يظهرون لي المودة، وشيئًا فوق المودة، حين كانت الصلات بيني وبين الوزير حسنة. فلم أنكر منهم ذلك لأني جربت إقبالهم وانصرافهم مع تغير الوزارات، ولكن واحدًا منهم رأى أن الأمر بينه وبيني لا يحتمل مثل هذا الإعراض، فأخذ شجاعته بيديه — كما يقول الفرنسيون — وجاءني في غرفتي زائرًا، وإنه يشرب القهوة ويحرق السيجارة، ويخوض في أمر الوزارة إذ فتح باب الغرفة، ثم أغلق، ونظر الخادم بين ذلك كأنه يريد أن يعرف من بالغرفة. هنا وقف زائري فجأة كأنما دُفع إلى الوقوف دفعًا عنيفًا، ثم قال: «يا خبر أسود، هم يتجسسون على من يزورك، لن تراني بعد اليوم.» وقد صدق، فلم أره إلى الآن وكثيرًا ما كنت أراه، ولم أسمع صوته إلى الآن وكثيرًا ما كان يتحدث إليَّ بالتليفون، وهو على ذلك من أشجع رجال التعليم في وزارة المعارف!

كلا، لا يصلح الأمر في وزارة المعارف بالتحقيق، ولو قامت به لجنة مختلطة، ولو أمر به مجلس الوزراء أو البرلمان. وإنما وزارة المعارف في حاجة إلى التغيير، في حاجة إلى أن تنشأ من جديد. في حاجة إلى أن يدعها هذا الجيل الذي كوَّنه دنلوب والمغربي باشا وعبد الفتاح باشا صبري، ويستخلف عليها جيل جديد لم يتأثَّر بهؤلاء الثلاثة. يومئذ لا تحسن نتيجة الامتحان وحدها، وإنما يحسن التعليم نفسه في جوهره، وتحسن الأخلاق، وتستطيع مصر أن تنتظر الخير من وزارة التعليم، فأمَّا قبل ذلك فلا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.