ولا تقل: نعوذ بالله

إنها كوابيس. نعم، ولكن لا تقل: نعوذ بالله، إلا أن تعوذ بالله على كل حال، قبل قراءة المقال، وبعد قراءة المقال!

هي كوابيس، ولكنها قبل كل شيء «تسلية الفيلسوف» التي يلعب بها في ساعات الفراغ.

ولقد قيل عن الفلسفة كلها، بجدها وهزلها: إنها لعبة عقلية، أو «حركة جمبازية» في الدماغ … فإذا كان هذا شأن الفلسفة كلها؛ فلا يفزعن أحد من لعب الفلاسفة وهم في جدِّهم خطر مأمون.

وغير هذا من أسباب الأمان أن هذه الكوابيس تصيب مخلوقات لم تظهر قط في عالم الحياة، أو تصيب مخلوقات تعودت أكبر الكوابيس وأضخمها فاكتسبت المناعة منها، وامتلأت بمصلها الواقي، فكسرت سمومها، ونفضت عنها همومها.

هذا أو تصيب الكوابيس أناسًا يستحقونها ويستحقون أن يقضوا حياتهم كلها في كابوس بعد كابوس؛ لأن نوم الظالم عبادة، كما يقولون، فإذا كان نومهم كابوسًا فهو عبادة تبلغ حد القداسة، وتُحسب من الكرامات.

الشيطان في الضواحي

منذ سنة، ظهرت في عالم التأليف مجموعة من القصص والروايات القصيرة لكبير فلاسفة العصر الحاضر، برتراند رسل، الذي أشرنا إليه في بعض هذه المقالات.

وأخفُّ ما كتبه الفيلسوف قبل هذه القصص بحوثٌ في التربية وفي السياسة الاجتماعية أو السياسة العالمية.

أما كتاباته الأخرى فمنها الدراسات الرياضية العليا، ومنها التعليقات على مذاهب الفلاسفة، ومنها التصحيحات لقواعد المنطق أو قواعد الرياضة المنطقية.

وكلها موضوعات بينها وبين القصة بحور وبرور، وأحقاب ودهور، تمتنع بينها علامات المرور!

فلما ظهرت مجموعته القصصية بعنوان «الشيطان في الضواحي» عجب لها قراء الفلسفة كما عجب لها قراء القصة، واطلع عليها هؤلاء وهؤلاء جريًا وراء حب الاستطلاع، واعتقد الأكثرون أن قُرَّاءها سيطوونها ثم لا يعودون إليها، ولا إلى قصة أخرى من قلم كاتبها، وحسبُهم تجربة واحدة من تسلية الفيلسوف.

لكن «الشيطان في الضواحي» لم يتخلَّ عن عالم القراءة بعد الطبعة الأولى، فلم تكد تنفد هذه الطبعة حتى أعيدت ثانية وثالثة، وحتى أقبل الناشرون يطلبون من الفيلسوف مددًا آخر من هذه الشياطين، فأمدهم بهذا المدد الآخر من الكوابيس.

بعض هذه الكوابيس كان قد نشر في المجلات بتوقيع مستعار، وظن قراء المجلات أنه من آثار قصاص كبير معروف يريد أن يلعب مع القُرَّاء لعبة الاستخفاء.

فلما تكاثر الطلب على الشياطين أسعفهم الفيلسوف بطائفة من تلك الكوابيس، ومعها طائفة أخرى من أحدث المخترعات لم تنشر قبل الآن.

ولقد أبدع الفيلسوف في اختيار الموضوعات القصصية، وتعمد في اختيارها أن يضحك الناس من حماقات الفلسفة التي تشيع في حياتنا العصرية، ومنها بعض مذاهب التحليل النفساني، وبعض مذاهب الوجودية وما يشبهها من مذاهب الطبيعة وما وراء الطبيعة. وإن أمتعَ ما في هذه السخرياتِ لأولئك الأبطالُ الخياليون في عيادة الطب النفساني، أو مستشفى الأمراض العقلية، ومنهم هملت وعطيل ومكبث وروميو والملك لير وآخرون، وآخرون …

هملت وعطيل في العيادة

يتكلم هملت وجماعة من عارفيه الذين يحفظون وقائعه ويستظهرون كلامه حرفًا حرفًا، كما رواه شكسبير، فيدهشهم أنه ينكر الوقائع والكلام معًا ويقول لهم: إن صاحبكم شكسبير هذا قد رآني وحادثني قبل أن أعالج نفسي في عيادة الدكتور بومباستيكوس Bombasticus — أو الدكتور القعقاع باللغة العربية — فكتب ما كتب عن هملت كما توهمه، ولم يخطر له أن هملت قد عرف سر الداء بفضل الطبيب القعقاع أو الجعجاع، فنال على يديه الشفاء.

يقول هملت ما فحواه: «علمت في عيادة الطب النفساني أنني مصاب بعقدة أوديب، وخلاصة عقدة أوديب هذه أنني أحب أمي، وأغار عليها من أبي، وأكرهه من أجل هذه الغيرة في قرارة وجداني، فلما مات أبي تحولت الكراهية إلى عمي، واشتدت كراهيتي له وغيرتي منه؛ لأنه تزوج من أمي، ووجدت صاحبًا لي ينفخ في النار ويستثيرني باسم الثأر، ويطمع أن أخلف عمي فينتفع بالحظوة عندي، ثم يتفاقم الوهم في نفسي حين أتخيل من الرعب والغيظ أنني قتلت والد حبيبتي، وما قتلت في الواقع غير فأر كان يلعب وراء الستار. فلما انكشف لي كل ذلك في عيادة الطبيب شفيت من الوهم، وسلمت من الطمع، وعشتُ — بحمد الله — مُبرَّأً من الجنون، بريئًا من الإجرام.»

ويتكلم عطيل وجماعة من عارفيه فيدهشهم كذلك بإنكاره وراحة باله، ويحمد الله لأنه شفي من دائه في عيادة الطبيب.

يقول لهم: إنها كانت عقدة من مركب النقص في نفسه ساورته بين أنداده الذين لا يبلغون مبلغه من الشجاعة وحسن البلاء، ولكنهم ينعمون دونه بالبِيضِ الحِسَان، وخيلت إليه هذه العقدة أن ديدمونة تعشقه وتؤثره بالحب على ذوي قُرباها، فغفل عن حقيقة الواقع وأغمض عينيه ليتخادع فينخدع، فكان له ما أراد وانخدع إلى حين.

ثم تفضل الطبيب القعقاع أو الجعجاع فأماط عنه الغشاء، وفتح له عينيه، فأنِف من الغفلة، وترك الفتاة المفتونة تذهب إلى حيث ألقت … ثم تزوج «بشمس منيرة سوداء» من بنات جلدته، فنعم بحبها ونعمت بحبه، ورزق البنين والبنات إلى أن أدركه هادم اللذات ومفرق الجماعات.

ويتكلم مارك أنتوني، وهو في خلقته شركة بين شكسبير والتاريخ، فيقول: «إنكم لتعلمون جميعًا حق العلم تلك الأكاذيب التي لفَّقها عليَّ شكسبير، ولعله قد مضى زمن كنت أنظر فيه إلى كليوباترة كأنها رمز الأمومة، وكان هذا طبيعيًّا لا غرابة فيه مُذْ كنت أنظر إلى يوليوس قيصر كأنه رمز الأبوة، ولكن شكسبير قد ادَّعى فأفلح في دعواه حتى خدع المؤرخين من ذوي الجد والرصانة فصدَّقوا أنني أنظر إليها هذه النظرة، وأحتفظ بحبها في كهولتها.

فلما لقيت الطبيب القعقاع أو الجعجاع فسَّر لي خبايا العقل الباطن، فبدت لي كليوباترة على غير تلك الصورة التي يُضفيها عليها الخيال الكاذب، وبفضل هذه الهداية حسمت المعركة في أكتيوم، وعدت إلى زوجتي أكتافيا أخت خصمي أكتافيوس، فنعمت بالحياة الزوجية معها، وقضيت على كليوباترة بالموت خدمةً لمصالح الدولة.»

ويسأل عطيل: ولكن هل كنت تحب أكتافيا؟

فيجيبه مارك أنتوني: «إليك يا صاح … إنني لا أعرف معرفة اليقين ما هذا الذي يسمونه الغرام، وإنما كنت أنطوي لها على الشعور الذي ينبغي أن ينطوي عليه كل مواطن كريم لحليلته، وكنت أوقرها وأجد منها قرينة أعول عليها في الحياة العامة، وكنت بتوفيقها ومشورتها مستطيعًا أن أعيش على المثال الذي يرتضيه الطبيب. فأما الغرام الذي كنت أفتتن به قبل لقائي لذلك الرجل القدير فقد تركته جانبًا، وربحت بديلًا منه تقدير ذوي الفضيلة والخُلُق القويم.»

ويتكلم روميو فيشرح كيف فسَّر له الطبيب عقدة نفسه، ويقول ما فحواه: «إنها أيضًا «عقدة أوديب»، وإنه قد تعمد — نكايةً في أبيه — أن يحب فتاة من الأسرة التي يعاديها أبوه وتعاديه، فأحب جوليت من أسرة كابوليت، وترك الحور المِلاح من بنات أسرته الكبيرة، أسرة مونتاج.»

قال: «وكان الدكتور الجعجاع يومئذ صيدليًّا فأخطأ في تركيب مخدراته ومنوماته، ولكنه لم يخطئ في وصفته النفسية التي أقنعت المحب المغرور بضلال المصابين بعقدة أوديب؛ لأنهم ينسون أنهم اليوم أبناء، وغدًا آباء، فإذا عقدوها مع آبائهم فقد تنعقد عليهم من أبنائهم، وخير لهم أن يتجنبوا العقدتين، وأن يأخذوا بإحدى الحسنيين.»

وقد أخذ روميو بالحسنيين جميعًا؛ فاستراح من حب جوليت، وتزوج من أميرة لا يعلم بها الجاسوس شكسبير!

وهكذا يمضي الفيلسوف في علاج أبطال شكسبير واحدًا بعد واحد، ويعرضهم لنا في العالم الآخر مع تمثال ناطق يسمعنا الصوت كما نسمعه من الميكروفون، فكلما تقدم بطل من الأبطال دارت معه الأسطوانة الحاكية، وأسمعتنا كلامه في رواية شكسبير وكلامه في عيادة الطبيب الجعجاع، ثم يدار المفتاح غلطًا فنسمع صوت الطبيب في جهنم يصيح ويلعن ويتلوى من العذاب …

إنه يعاني الكابوس المخيف الذي لا يفارقه في نومته الأبدية …

إنه جنى على أولئك الأبطال فعاقبه الله بجنايته؛ لأنه شفاهم فقتل أرواحهم في سبيل شفائهم، ولأنه مسخ ملامحهم التي قامت عليها شخوصهم في سبيل شخوص أخرى لا تمييز بينها، ولا مزية لها في التاريخ ولا في الخيال.

وذلك أحد الكوابيس؛ كابوس يخيف الدكتور الجعجاع، ولكنه لا يخيف القارئ الكريم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.