كلنا نتحدث عن مسئولية العامل عن عمله، وعن الجزاء الذي يستحقه عن هذا العمل، وكلنا يتحدث عن العقوبة التي يجب أن توقع على المسيء جزاء إساءته، فإذا رجع كل واحد إلى نفسه يسائلها عن فكرة المسئولية ما هي؟ وعن الرابطة التي تربط التبعة بالجزاء اختلف تفكيرنا اختلافًا كبيرًا؛ فمنَّا مَن يجعل المسئولية أثرًا من آثار الحرية الفردية، حرية مقرونة بالتمييز. فما دام الإنسان حرًّا مميزًا وجب عليه أن يفرِّق بين الخير والشر، وأن يوجِّه نفسه للعمل الصالح أو يلقى جزاء إساءته، والذين يرتبون التبعة على الحرية والتمييز يذهبون إلى أن هذه التبعة تسقط ولا يبقى لها وجود إذا انعدم التمييز أو انعدمت الحرية، ومنا مَن يجعل المسئولية أثرًا اجتماعيًّا، فيرى في الجزاء والعقوبة ردَّ الفعل الطبيعي تقوم به الجماعة بإزاء ما يضرها كما يدفع الفرد عن نفسه الضر والأذى، وكما يدفع الحيوان الضر كذلك. وإذن فالتبعة والجزاء ليسا إلا مظهرًا لغريزة اجتماعية هي غريزة احتفاظ الجماعة بوجودها، غريزة رُكِّبَتْ فيها كما رُكِّبَتْ في الفرد، وفي كل كائن من الكائنات.

وأصحاب الرأي الأول يستشهدون لتأييد رأيهم بأن الجماعة نفسها تعفي من العقاب مَن ثبت انعدام أحد ركنَيْ المسئولية عنده، فالذي لا يميِّز، والذي لا يكون حرًّا في تصرُّفه، لا مسئولية عليه في عمله، ولو أضرَّ هذا العمل بالجماعة أفدح الضرر. أتُرَى لو أن مجنونًا وضع النار في مدينة فأهلكت الحرث والنسل، وذهبت بالأنفس والأموال، يكون عليه أية تبعة عن عمله؟ كلا! وإذا هدَّد رجل آخَر بالقتل إنْ هو لم يرتكب جرمًا من الجرائم فانعدم اختياره انعدامًا صحيحًا، وارتكب وهو في هذه الحال ما أُمِر به، لم تكن عليه تبعة كذلك، فلو أن المسئولية كانت مظهر غريزة اجتماعية يترتب عليها رد فعل محتوم هو الجزاء، لمَا كان للإعفاء من العقاب موضِعٌ، ولحوكم المجنون، وحوكم المكرَه كما كان يحاكم الحيوان، وكما كان يحاكم الجماد في العصور الماضية.

ويؤيد أصحاب هذا الرأي رأيهم بأن نظرية الإضرار La Nocivite التي قرَّرها جماعة من فطاحل الفلسفة الجنائية في إيطاليا، لم تلقَ تأييدًا في الواقع العملي، فلم يخرج مشرِّع من المشرِّعين في دولة متمدنة على القواعد القديمة التي قررت ضرورة توافر ركني الحرية والتمييز لتوافر المسئولية، ولم يذهب القضاء الجنائي في أيٍّ من هذه البلاد إلى القول بعقاب غير المميِّز أو فاقد الحرية، فغريزة الجماعة إذن غريزة تقدير وعدل، وليست غريزة دفاع آلي عن كيانها، بل إن اتجاه التشريع والقضاء، ليزيد في ترجيح هذا الرأي إذا ذكرنا ميل أهل الأجيال الأخيرة إلى تحديد العقوبة بنسبة مسئولية مَن توقع عليه، وإلى الإعفاء من العقوبة كلما تغلبت غرائز الفرد على واجب احترامه لحياة الجماعة تغلُّبًا أنفد صبره وأضعف تمييزه. وما تقول في هذه الأحكام الكثيرة يصدرها المحلفون والقضاة ببراءة شخص ارتكب جريمة القتل لخيانة امرأة له، أو جريمة السرقة لجوعه؟ وما تقول في نظرية أنصاف المسئولين وأرباع المسئولين؟ ما تقول في هذه المسئولية النسبية يترتب عليها اختلاف في توقيع الجزاء من فرد إلى فرد عن جريمة واحدة؟ فإذا أنت انتقلت من ميدان العقاب القانوني إلى المسئولية الأدبية رأيت هذا التفريق في التقدير واقعًا بمقدار وقوعه في الميدان القانوني، فهذا الرجل يرتكب العمل نفسه فلا يدهش الناس له؛ لأنهم تعودوه منه، ولأنهم ازدروه من قبل فأصبح ازدراؤهم له مزمنًا، والازدراء المزمن كالمرض المزمن لا يكون حادًّا ولا يصحبه غضب، كذلك الازدراء المقرون بالأسف لما يخطئ فيه رجل لم يكن للناس بخطئه عهد.

إذن فإن القول بأن التبعة مظهر لبعض غرائز الجماعة يقابله رد فعل هو الجزاء، قولٌ لا يؤيِّده الواقع الذي ذكرنا، والذي يجعل العدل ودقة التقدير بعضَ غرائز الجماعة تدفعها إلى ترتيب المسئولية على الفرد بمقدار ما يكون له في العمل الذي يأتيه من حرية وتمييز.

***

على أن أصحاب الرأي الثاني لا يقنعون بهذه الحجج التي تقدَّمت، ويأبون أن يروا فكرة المسئولية في نفس الفرد شيئًا آخَر غير صدى رد فعل الجماعة نتيجة غزيرة احتفاظها بالحياة، وأن الصلة بين التبعة والجزاء هي رد الفعل هذا، ويذهبون في ذلك إلى مدى يقررون معه أن المسئولية الأدبية، وليست المسئولية القانونية وحدها، هي في نفس الفرد هذا الصدى من رد فعل الجماعة، فلو لم تكن الجماعة لما كان رد فعل، ولما كان صدى لرد الفعل، ولما كانت المسئولية، ولكانت الغريزة الفردية هي التي تسيِّرنا في الحياة كما تسيِّر في الحياة أيَّ حيوان من الحيوانات.

ويؤيد هؤلاء رأيهم بأن فكرة الحرية هي لذاتها فكرة اجتماعية، وحدود الحرية التي يترتب على الخروج عليها توقيع الجزاء هي الأخرى حدود اجتماعية، والقول بأن للفرد حرية ذاتية تترتب عليها المسئولية، فيه من التجوز الشيء الكثير، فهذه الحرية الفردية في الجماعات المنظمة، إنما تقوم على أساس النظام والقانون وبالمقدار الذي يرضيانه، أيْ إنها تقوم بتقدير الجماعة لا بتقدير الأفراد، والواحد من الجماعة كالعضو من الجسم، أو هو بالأحرى كالذرِّة من هذا الجسم، قد يشعر بأن له وجودًا خاصًّا له شيء من الاستقلال، بينما هو في الواقع متأثر بالجسم كله تأثرًا مباشرًا، متأثر بكل فعل ورَدِّ فعل يصيب هذا الجسم، ثم هو فضلًا عن هذا متأثر بميراث ذلك الجسم إلى أجيال، وأجيال ماضية، وما دام شأن الفرد في الجماعة هو هذا الشأن، فتقديره التبعة لا يعدو أن يكون صدى الفعل ورد الفعل الذي يصيب الجماعة كما تقدره هي، لا كما يقضي به شيء اسمه العدل أو حسن التقدير لذاتهما.

والأمثال التي ضربها أصحاب الرأي الأول تأييدًا لرأيهم هي بعينها الأمثال التي يضربها أصحاب هذا الرأي الثاني تأييدًا لرأيهم، فالجماعة التي كانت تعاقب الحيوان والجماد، وتعاقب المجنون في العصور الماضية هي التي تعفي المجنون اليوم من العقاب. ففكرة العدل لذاته أو حسن التقدير لذاته قد تغيَّرت في الجماعة بتطور العصور، ثم إن إعفاء السارق بسبب الجوع، والقاتل بدفع شهوة الغرام، لم يقعا إلا في العصور الأخيرة، والجماعات تسير في هذه السبيل، سبيل الإعفاء، بخطى واسعة، وليس ذلك ناجمًا عن تطور تقدير الجماعات لمعنى العدل وكفى؛ بل هو ناشئ قبل كل شيء عن زوالِ كثيرٍ من أسباب الخوف التي كانت تصيب الجماعة، وتدعوها إلى القسوة، وإلى التشدد في العقاب، وعن ازدياد طمأنينتها للأمن وانتشاره. لهذا كله اطمأنت فيها غريزة الدفاع عن النفس، ويصبح رد الفعل فيها ضعيفًا بإزاء أشياء كثيرة كان يحدث في الماضي بإزائها ردُّ فعلٍ قوي؛ لأنها بالغريزة التي تكوَّنت لها من تفكير الأفراد القرون المتتالية، أدركت أن هذه الأشياء لا تضر حياتها الضرر الذي يستدعي رد الفعل القوي. فالمجانين الخطرون في العالم قليلون، وأمرهم يُكتشَف أغلب الأمر قبل أن يقع منهم شيء، فيُذهَب بهم إلى مستشفيات المجاذيب تحت علاج، وحراسة قاسية لا تقل في شدتها عن العقوبة، فإذا أفلت بعد ذلك بعض المجانين فارتكبوا جرائم يُجزى غيرهم عليها جزاءً صارمًا — وبقاء هؤلاء المجانين اليوم نادر جدًّا — لم يكن في عملهم هذا من الخطر على الجمعية ما يهدِّد حياتها. أما هذا الإعفاء الذي ينال الجرائم التي تدفع إليها الشهوات، فمرجعه أن تصرُّفَ المجني عليهم مع مَن اعتدوا كان ضارًّا لذاته بالجمعية ضررًا بليغًا، والجمعية لم تضع بعدُ من روادع التشريع أو التقدير العام ما يمنع من هذا الضرر أو يخففه، فإذا رد الفرد العدوان بالعدوان، وشعرت الجمعية بتقصيرها عن حماية الفرد، كان لها من غريزتها ما يجعلها ترى في العدوان الأخير جزاءً عادلًا، فتعفي صاحبه من العقاب. ولو أنك رأيتَ غدًا تشريعًا وُضِع يكفل حماية هؤلاء الأشخاص الذين يرتكبون الجرائم بدافع الشهوات، لرأيت هذا الإعفاء وقد انقلب شدة، ورأيت هؤلاء المحلفين ينظرون للمسألة بغير العين التي ينظرون بها إليها اليوم، ذلك بأن إدراك الجماعات الغريزي له منطق غريزي هو الآخَر كمنطق الأفراد.

أما المسئولية النسبية، وأما نصف المسئولية، وربع المسئولية، فهي لا تزيد على أنها حيل منطقية؛ لتبرير ما يشعر الكل به من ضعف رد فعل الجماعة بإزاء أشياء كثيرة كان يحدث بإزائها ردُّ فعلٍ قوي في الماضي. والواقع أن ضعف رد فعل الجماعة ناشئ عن زيادة إدراكها الغريزي لقلة ضرر الأشياء التي كان رد الفعل بإزائها قويًّا في الماضي، لا لسبب إلا الجهل بمبلغ أثرها، والجماعة في هذا كالفرد سواء بسواء؛ فالرجل الساذج الذي لا يدرك بغريزة بصيرته آثار الأشياء التي تحيط به، وما يمكن أن يصيبه منها، يتولاه الفزع لأقل حركة، وتراه سريعًا إلى اعتبار أية حركة عدوانًا يدفعه بالعدوان، وأنت إذا رأيته في هذه الحال ابتسمت لشدة طيشه، على أن هذا الطيش كثيرًا ما يستتبع طيشًا آخر ممَّن حصل العدوان عليه، قد يجر إلى نتائج ما كان ليقع شيء منها لو أن هذا الرجل لم يكن من السذاجة بالمقدار الذي رأيته به، وكان يدرك حقيقة آثار الأشياء ونتائجها إدراكًا غريزيًّا أو في حكم الغريزي.

وعبارة الإدراك الغريزي نصِرُّ عليها؛ لأن الشخص كالجماعة قد يدرك الأشياء إدراكًا عقليًّا ومنطقيًّا، ولا يدركها إدراكًا غريزيًّا، فيكون رد الفعل الذي يصدر عنه، والذي هو غريزي بطبعه، غير متناسب مع الدرك للشيء إدراكًا غريزيًّا. وَلْنضرب لذلك مثلًا: رجلٌ يعيش في هدأة الريف، أو في سكينة المدن الصغيرة، يجيء إلى مدينة القاهرة، أو تذهب به المصادفة إلى مدينة كالقاهرة، أو تذهب به هذه المصادفة إلى مدينةٍ أكثرَ ازدحامًا كباريس أو لندن، ثم إذا به وسط ميدان، أو شارع كبير يموج بالسيارات والعربات … هو قد رأى السيارات والعربات من قبلُ، وهو يدرك إدراكًا فعليًّا أثرها وضرورة اتقاء التصادم بها، لكنه مع ذلك معرَّض في كل لحظة لهذا التصادم، فإذا حصل أن وقف فجأة أما عربة كانت توشك أن تصدمه، رأيت رد فعل قوي ربما استثار منه، إذا كانت في يده عصا أو مسدس، حركةً آليَّة هي حركة الدفاع عن النفس، فضلًا عن صخبه واضطرابه، وعن اصفراره وذهاب لونه، هذا مع أنه يعلم أن السكينة أوجب ما تكون في هذا الموقف، ومع أن مَن عاش في هذه المدن الزمن الكافي، ليدرك هذه النتائج إدراكًا غريزيًّا، فإن تصرفه يتغيَّر تغيرًا تامًّا وتراه يفعل، بطريقة آلية بحتة، ما كان يحتاج فيه إلى تفكير في الماضي.

هذا مثل نرى كلنا تمام صحته، ما بالك إذن لو أن هذا الرجل كان ساذجًا، وكان لا يدرك ولو إدراكًا عقليًّا تلك الآثار، إنه يكون حين تلقي به وسط تلك المدن بين أحد أمرين: إما أن يموت فزعًا، وإما أن يثور ويرتكب أعظم صور الهوس والجنون.

فقد يلقي بنفسه تحت العجلات في محاولته الفرار منها مدفوعًا بغريزة احتفاظه بحياته، بل لقد يرتكب أشنع ما يمكن أن يصوره الخيال والوهم.

فأما الرجل الذي يدرك بغريزة حياته، ولو إدراكًا آليًّا، صورة هذه الحياة المائجة بكل وسائل المواصلات فتراه في سكينة ومن غير تفكير يتقي شرها اتقاءً آليًّا من غير ضجة ومن غير أن يثير أية ثائرة، فإذا هو أصابه مكروه طفيف وقدَّر بغريزته، ومن غير ضرورة لتفكير خاصٍّ، أن هذا المكروه بعض ضرورات هذه الحياة، لم يقف طويلًا، ولم يحاول أن يثير جدالًا، بل لقد يكفيه نظرة لوم أو كلمة عتاب يوجه بها إلى هذا الذي أصابه بالمكروه غير متعمد، ثم تنقضي الحادثة، ويسير هو في طريقه من غير أن يستغرق ذلك منه تفكيرًا خاصًّا، أو يدعو إلى رد فعل قوي.

فالجماعة إذن في تطور صور رد الفعل بالنسبة للجرائم هي كالفرد سواءً بسواء، كلما ازدادت إدراكًا غريزيًّا لحياتها واطمأنت إلى ما في هذه الحياة من ضرورات صالحة وأخرى سيئة، كان ردُّ فعلها بالنسبة لما نراه شيئًا متناسبًا مع مقدار السوء، وإذن فترتيب الجزاء على التبعة هو في رأي أصحاب هذا الرأي عمل اجتماعي بحت، ليس لذاتية المسيء فيه أي أثر إلا بمقدار ما ترتب الجماعة على هذه الذاتية نفسها من أثر فيها.

ولكن! هل معنى هذا أن المباحث التي تقوم على أساس الرأي الأول قائمة على خطأ بحت في نظر أصحاب هذا الرأي الثاني؟ كلا! فالواقع أن الفرد كخلية من الجماعة يحوي في طوايا نفسه صورة الجماعة التي يعيش فيها ولو بمقدار، وغريزة الجماعة تنطبع في نفس الفرد، وتجعله يقدر التبعة والجزاء على صورة لا تبعد كثيرًا عن الصورة التي تقدرها الجمعية في متوسط مستواها. فالمباحث البسيكولوجية الخاصة بالأفراد تتصل من جانب بالمباحث الاجتماعية بوجه عام، ولعلها، إذا أردنا الأخذ بترتيب العلوم على نحو ما وصفه أوجست كومت في تبعة التعلق بالعلوم الاجتماعية، تعلق هذه بالبيولوجيا، لكن الذهاب في تقدير الذاتية إلى الحد الذي يجعل الجزاء أمرًا ذاتيًّا يتعلق بالإثم على نحو ما يراه الأستاذ الكبير، هو في رأي مخالفيه تطرُّف لا يتفق مع حقيقة الحياة الاجتماعية، فَلْتكن مباحث هذه الحياة الاجتماعية وتطورات غرائزها هي الأساس، لتقدير التبعة، وما ينشأ عن التبعة من جزاء يجعل الباحث أدنى إلى الوصول لغايات أقرب للحقيقة الإنسانية.

***

هذا بحث أعرضه اليوم على قرَّاء السياسة الأسبوعية في أقطار العالم العربي كافةً، أود لو تناوله منهم مَن يرى في التعمق في بحثه فائدة اجتماعية، وأنا من الذين يؤمنون بهذه الفائدة، وأن أقل ما نجنيه منها إنما هو توجيه العلوم الاجتماعية، والعلوم النفسية، و«البسيكولوجية»، وجهات أدنى إلى تصوير حقائق الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.