كتاب جديد من الكتب القيمة التي تدرس فيها مسائل الاجتماع على الطريقة العصرية الحديثة، وتتقرر فيها الآراء بسند من الإحصاء والاستقصاء والوصف والمقابلة والتحليل.

ألَّفه الأستاذ علي عبد الواحد وافي، أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب، جامعة القاهرة، وأداره على موضوع الأسرة والمجتمع، فلخص فيه مشاهدات العلماء الثقات في مسائل علم الأجناس وعلم وصف الإنسان، ولم يلتزم فيه وجهة نظر واحدة من وجهات النظر الكثيرة التي يذهب إليها أولئك العلماء، ولكنه أجملها ووازن بينها، ورجح بعضها في موضع، وبعضها الآخر في غيره على ما تبين له من وجوه الصواب.

ويظهر أن الكتاب قد أُلِّف في أوقات متفرقة، أو كتب بعض فصوله بمعزل عن البعض الآخر؛ فتكررت فيه العبارات بمعنى واحد، وورد فيه بعض الأسماء بألقاب مختلفة، ولكنه على هذا مطرد السياق متتابع الفصول، يتمم اللاحق منه ما سبقه من الأجزاء، وينتقل فيه القارئ من تمهيد إلى مقدمة إلى نتيجة بغير انقطاع.

وخلاصة الكتاب كله: أن الأسرة نظام اجتماعي لا طبيعي كما جاء في الفصل الثالث؛ حيث قال: «قد يتبادر إلى أذهان كثير من الناس أن نظام الأسرة الإنسانية قائم على دوافع الغريزة، وصلات الدم، ومقتضيات الطبيعة، وأنه لا يكاد يختلف في دعائمه عن نظائره في الفصائل الحيوانية الأخرى، فيظن هؤلاء أن العلاقة بين الزوج وزوجه، والرابطة بين الأولاد وآبائهم، وشفقة كبار الأسرة على صغارهم، وحرصهم على تربيتهم، وما يقوم به كل من الأب والأم من وظائف في الحياة العائلية … يظنون أن كل أولئك وما إليه من الأمور التي يتألف منها نظام الأسرة الإنسانية يسير وفق ما تمليه الغرائز الفطرية، وتوحي به الميول الطبيعية، شأنه في ذلك شأن أشباهه في عالم الحيوان.»

ولكن نظرة يسير إلى الحقائق التي ذكرناها في الفصلين السابقين تدلنا على فساد هذا الرأي؛ فمن هذه الحقائق يتبين لنا في أوضح صورة أن نظم الأسرة تقوم على مجرد مصطلحات يرتضيها العقل الجمعي، وقواعد تختارها المجتمعات، وأنها لا تكاد تدين بشيء لدوافع الغريزة، بل إن معظمها يرمي إلى محاربة الغرائز أو توجيهها إلى طريق غير طريقها الطبيعي، فقد ظهر لنا مما سبق أن النظم العالمية تختلف في جميع مظاهرها باختلاف الأمم والبيئات، وتختلف في الأمة الواحدة باختلاف العصور.

تلك هي خلاصة الكتاب، وهي خلاصة توافق رأي الكثيرين من علماء الاجتماع، وليس فيهم من يخالف الواقع فيما يثبته من التجارب والمشاهدات، ولكن النتيجة مع هذا لا تتحقق على وجه الحتم واللزوم في جميع تلك المشاهدات؛ لأن اختلاف النظم العائلية بين الأمم، أو اختلافها في الأمة الواحدة بين العصور لا يقطع الصلة بينها وبين الغريزة، ولا يجعلها عملًا مستقلًّا عنها غير مستأثر بدواعيها.

وإلا لوجب القول بأن الغرائز الإنسانية قد بطلت، وبطلت آثارها في جميع الأحوال التي تلابس الحياة الاجتماعية؛ لأن الحياة الاجتماعية تنظم تلك الغرائز على ضروب شتى من النظم لا تزال مختلفات في جميع الأمم وجميع العصور؛ فغريزة حفظ البقاء معدومة إذن لأن الناس يتقون الخطر، ويجلبون الأمن، ويستشفون من الأمراض بما لا يحصى من أساليب السكن، واللباس، والطعام، والطب، والدواء، والسلاح، ولا يزالون على اختلاف في هذه الأشياء بين الأمم والأجيال.

والقوانين التي تروض الجشع والعداوات، أو تروض الشر بضروبه لا تتفق بين الناس على اختلاف الأمم والأجيال؛ فهي إذن تقول لنا باختلافها وتطورها: إنها شيء منعزل عن الغرائز الإنسانية لا يتأثر بدواعيها، ولا باعث لها إلا تلك المصطلحات التي يرتضيها العقل الجمعي، والقواعد التي تختارها المجتمعات.

وكل أولئك لا يقال ولا يعقل إذا قيل، فلماذا يقال: إن الغريزة بمعزل عن الأسرة؛ لأن نظام الأسرة متجدد من قديم الزمان؟

إن أمرين اثنين تختلف النظم العائلية ما تختلف بين الشعوب والأجيال وهما ماثلان في كل أسرة، وفي كل شعب، وفي كل جيل؛ وهما: حضانة الطفل، والألفة الحميمة بين فئة من الأقرباء. وكلا هذين الأمرين قائم على الغريزة الفطرية دون سواها على نحو متشابه في جميع الأجناس وجميع العصور.

فمن الخصائص الفطرية في الإنسان أنه طويل الحضانة لأطفاله، ضرورة لازمة لا دخل فيها للمجتمعات ولا لقوانين الاجتماع، ومن هذه الخصائص أنه يحتاج إلى الألفة الحميمة بينه وبين فرد آخر أو أكثر من الأفراد، أيًّا كانت حالة الاجتماع من القبيلة البدائية إلى جامعة اللغات والعناصر والأديان.

وكل أسرة وجدت بين الناس فهي محاولة مستمرة لتحقيق هذين الغرضين الغريزيين، ولولاهما لما كان هذا الإصرار على خلق الأسرة، ومحاولة تحسينها وتنظيمها في كل مكان.

وما هو الأثر الذي يترتب على إلغاء الأسرة بأنواعها المعروفة بين الأجيال البشرية؟

إن أول الآثار التي تشاهد في هذه الحالة أن الناس يخلفون الأسرة بما يشبهها وينوب عنها؛ فلا يكفيهم مجرد الاجتماع في مكان واحد، ولا يغنيهم أنهم يشتركون في المأكل والمشرب مئات وألوفًا، كما يحدث في الجيوش والأديرة والمدارس الداخلية، ولكنهم يخلقون حنان الأسرة، ورعاية الأبوة والأمومة خلقًا يعلمون أنه اصطناع، ولا يستغنون عنه مع علمهم أنه اصطناع؛ فتظهر أسماء التحبيب والتصغير في الجنود، ويتسمون بأسماء «تومي وجوني» كأنهم أطفال صغار، وتظهر الحيوانات الداجنة التي يعطف عليها المعسكر كما يعطف على أبناء البيت، وتظهر أمومة الكنيسة، وأحضان المدرسة، وأخوة الدير، وأشباه هذه القرابات. وهي شيء غير ألفة الاجتماع بين الناس بمعزل عن هذه القرابات «العائلية» التي يخلقها المجتمعون معها، حتى لو وجدت لكل فرد منهم علاقته العائلية بذويه.

وإذا فقد الإنسان هذا الشعور الحميم لم يكن قصارى الأمر عنده أنه يعاني «النقص الاجتماعي» في أخلاقه القومية أو أخلاقه الإنسانية، بل كان من جراء ذلك أنه يعاني نقصًا «بيولوجيًّا» يؤثر في الغريزة والعقل، ويدل على أن المسألة في أصولها مسألة الحياة، لا مسألة الأوضاع والأنظمة والقوانين.

ومن الصفات المشتركة بين جميع الأسر في جميع الشعوب والأجيال أنها قيد للعلاقات الجنسية ملحوظ فيه مصير النسل على نحو من الأنحاء؛ فكل أسرة هي ضابط للنسل، وليست وحدة من وحدات البنية الاجتماعية الكبيرة وكفى، ولا عجب في اختلاف الضوابط والقيود، بل العجب كل العجب أن تتفق كل الاتفاق من المحاولة الأولى إلى المحاولة الأخيرة، فإن ذلك لهو المستحيل الذي لا يخطر على البال، فضلًا عن انتظاره وتعليق الاعتراف بالغريزة في تكوين الأسرة عليه.

ولا نقول: إن هذا الضابط مقصود لغاية من الغايات أو غير مقصود، ولكننا نقرر المشاهد حين نقول: إن منع الزواج من المحارم قد أفضى بالنوع الإنساني إلى ثروة شعورية لم يكن ليطمع فيها بغير هذه الوسيلة، فكأنما يتجه النوع الإنساني من قديم الزمن إلى «تخليص» الشعور وتنويعه في العلاقة بين الأقربين والبعداء؛ فلا يشعر الرجل بالمرأة الأخت أو الأم كما يشعر بالمرأة الزوج أو المرشحة للزواج، ولا تزال هناك ضروب من العطف بين الأقربين لا تقتصر على ضرب واحد، ولا تتشابه فيها الأواصر والصلات. ومعنى ذلك أن الإنسان يحرص على أنواع كثيرة من القرابة العائلية، ولا يريد أن يخلطها بعلاقات المجتمع الذي لا قرابة فيه.

إن أواصر القرابة تختلف بين الأمم والأجيال، فتشمل في أمة ما تستثنيه في أمة أخرى، وتنكر في هذا الجيل ما تعترف به في ذاك، ولكن هل يقع هذا الاختلاف لو لم يكن في طبيعة الإنسان استعداد للشعور بالقرابة أيًّا كان عنوان القريب؟ وهل أنكر الإنسان قط قرابة من القرابات إلا ليعترف بقرابة تعدلها أو تنوب عنها؟ وهل أنكر ما أنكره طويلًا دون أن يعود إليه؟

فالغريزة وراء الظواهر الاجتماعية في جميع هذه الأحوال، والفطرة الإنسانية أحوج فطرة بين الأحياء إلى النشأة في أسرة، والاتصال بقرابة عائلية. ويغلو في القول من يرجع بكل ظاهرة من ظواهر الأسرة إلى الاجتماع؛ لأن الناس يعيشون جماعات جماعات، فإن انتساب الفرد إلى أمة لا يغنيه عن النشأة العائلية بحال من الأحوال، ولو جاء الوقت الذي تهدم فيه الأسرة، وتلغي فيه الأمومة والأبوة لتحل في محلها «تربية المجتمع»؛ لكان ذلك تبديلًا في الخلق، ولم يكن تبديلًا في النشأة الاجتماعية وكفى؛ لأن الفطرة قد عودت الأحياء أن يخدم الفرد نوعه وهو يشعر بأنه يخدم نفسه؛ لفرط ما يخالجه من اللذة والسرور بإنجاب الذرية، فماذا لو قيل غدًا: إن اللذة الجنسية ليست أصلًا في دوام النوع، وإن الحمل قد يتم بغير هذه اللذة التي يشعر بها الآباء والأمهات؟

إن من يقول بذلك لن يكون في مقاله أغرب ممن يزعم أن المجتمع ينشئ الأطفال بغير حضانة الأمهات والآباء، وأن الفطرة تستقيم على هذه التنشئة؛ لأنها وضع من أوضاع الاجتماع.

ولقد أحسن صاحب الكتاب في تسجيل المشاهدات، وتقرير وجهات النظر بين العلماء، وكتابه في هذه الناحية أوفى كتاب ظهر بالعربية في هذا الموضوع، ولكنه تجاوز حد المشاهدات التي أثبتها حين بنى عليها الفصل بين الغريزة ونشأة الأسرة أو تطورها؛ فإن تلك المشاهدات لن تبلغ بنا ذلك الحد الذي ذهب إليه، ولن تثبت لنا إلا أمرًا واحدًا لا نتعداه؛ هو عمل المجتمع في الأسرة، وهو عمل من البداهة بمكان، ولن يلجئنا توكيده إلى الفصل بينه وبين الغرائز الفطرية؛ فهي لن تنفصل عن وضع من الأوضاع المتواترة بين الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.