بعد منتصف الليل من أسبوع مضى سرت في مصر كلها، مدنها وقراها، من أسوان إلى الإسكندرية، هزة حزن وأسى لا تزال مرتسمة في جوها إلى اليوم، وقد سرت هذه الهزة من مصر إلى ما حولها من البلاد الشرقية، كما انتقلت إلى بلاد أوربية مختلفة، فتركت في نفوس الكثيرين من أهلها شعور وجوم كالذي خيم على مصر؛ ذلك لأن رجلًا مات والرجال قليل، هذا الرجل هو محمد محمود باشا.

انتقل محمد محمود من هذا العالم في الدقيقة العشرين من صبح يوم السبت الماضي، انتقل إلى جوار الله إثر مرض طويل ألزمه داره عامًا وبعض عام، وفي أثناء هذه الشهور كان الأمل في شفائه يقوى حينًا حتى يأمل الناس أن يروه قائمًا بواجبه، واجب المجاهد الوطني والزعيم السياسي، وكان اليأس منه يغلب النفوس أحيانًا حتى ليعلن أطباؤه أن أمره أصبح بين يدي الله، يقضي فيه بقضائه، ومع أنه أقام في الشهور الأخيرة منذ الربيع الماضي رهن داره لا يبرحها، ومع غلبة اليأس في كثير من الأحيان، مع هذا وذاك، تركت وفاته أثرًا عميقًا في نفوس الناس جميعًا، وأسفوا كلهم أسفًا صادقًا، لا فرق في ذلك بين عارفيه ومريديه وأنصاره، وبين من سمعوه ولم يعرفوه، ومن سمعوه ولم ترتسم في نفوسهم صورة واضحة من نفسيته ومن خلقه.

ومنذ نعاه الناعي كان حديثه حديث الناس جميعًا ولا يزال، أمَّ الناسُ من كل الطبقات داره صبح السبت وجثمانُه ما يزال مسجًّى ينتظر النقلة إلى مقره الأخير.

وتحدثت عنه الصحف والمحافل، ورددت الإذاعة نعيه لكل من يسمعها في أقصى الأرض وأدناها، فلما أوفت الساعة على الثالثة من بعد ظهر ذلك اليوم غص السرادق الكبير الذي أقيم إلى جوار الدار بمن حضروا لتشييع رفاته الكريم إلى مثواه في قبره. غص هذا السرادق، وغص شارع الفلكي حيث تقع الدار، وغصت الشوارع المجاورة بألوف وألوف يخطئها العد من شباب وكهول وشيب من كل المقيمين بمصر على اختلاف أجناسهم وبيئاتهم، ألم يكن الرجل العظيم الذي ودع الحياة متصلًا بهؤلاء جميعًا أثناء حياته أوثق اتصال؟! كان رئيسًا للجمعية الخيرية، فرجال الجمعية الخيرية من زملائه، وأبناء الجمعية الخيرية، أساتذة وتلاميذ في مدارسها، والفقراء الذين تشاركهم الجمعية الخيرية في تحمل ألم الفقر والبؤس، والضعفاء الذين يجدون في هذه الجمعية ملجأ وملاذًا، كل أولئك هرعوا يؤدون التحية الأخيرة للرجل الذي قضى السنين الطوال عضوًا في الجمعية ثم رئيسًا لها. ألم يكن زعيم حزب سياسي يحبه أعضاء هذا الحزب وأنصاره في أنحاء البلاد كلها وطبقات الأمة المختلفة، هؤلاء الذين جاهدوا معه وأقاموا وإياه ينصرون فكرة مشتركة ويضحون في سبيل نصرها ويقاتلون معه من أجلها، خفوا من حيث كانوا في أنحاء مصر يودعون الزعيم والمجاهد والعامل الذي لم يكل في خدمة بلاده، ويودعون معه تاريخًا حافلًا بالجهاد كان هو القائد والزعيم في تسطير صحفه المجيدة. ألم يكن زعيمًا برلمانيًّا منذ نشأت الحياة البرلمانية الحديثة في مصر؟! فأعضاء البرلمان الحاليون والسابقون، أعضاء البرلمان الذين زاملوه وشاركوه وسمعوا له وقدروا مواقفه وعرفوا له مزاياه، خف من استطاع من هؤلاء جميعًا يشيع نعشًا حوى رفات الرجل الذي كانت له هذه المواقف، ألم يكن رئيسًا للحكومة ترك وراءه آثارًا من الإصلاح باقية يتحدث الناس عنه ما تحدثوا عنها ويذكرونه ما ذكروها، وأقر من علاقات مصر الخارجية ما اطمأنت له مصر، فهي تطمئن لذكره ولذكر الذين قاموا به، وهو إلى ذلك كان في رئاسته للحكومة وفي اضطلاعه بأعباء الوزارة مثالًا للرئيس العطوف على مرءوسيه، المحب لهم، الحريص على التعاون معهم وعلى معاونتهم، والذي ترك بذلك في أنفسهم من الأثر ما جعلهم وجعل الذين يذكرون له إصلاحه وعمله وهو في الحكم ينبعثون بدافع من عواطفهم يؤدون له واجب الوداع في رحلة الأبد، ثم ماذا؟! أو لم يكن، مع هذا كله، وأكثر من هذا كله، رجلًا اجتمعت له كل معاني الرجولة: مضاء عزم وعلو همة، وشجاعة رأي، وإقدام على المخاطر، واستهانة بها، وتقدير لمن أحب الوطن أعلى التقدير. هذه الصفات مجتمعةً فيه جعلته الصديق الوفي لصديقه، والمجاهد الشريف في جهاده، والخصم النزيه في خصومته، والرئيس الطاهر في رياسته. وهذه الصفات مجتمعة قد لفتت له كل الأنظار من كل صوب، وقد دعت الذين يقدرونها، أصدقاء وخصومًا وعدولًا في الحكم لا عن صداقة ولا عن خصومة؛ ليسيروا الخطوات الأخيرة إلى جانب البقية من رجل هذه الصفات وملاذها.

ثم إنه إلى ما كان له من ذلك كله، قد كان رجلًا قوميًّا في تفكيره طوال حياته، كان هو السابق إلى الدعوة لتأليف الوفد في ١٩١٩، ومع أنه كان من مشايعي الحزب الذي كان أبوه رئيسه — حزب الأمة — فإنه حرص على أن يضم الوفد كل العناصر، حرص على أن تمثل فيه الأحزاب المصرية كلها، والأديان المصرية كلها، والبيئات المصرية كلها، فلما اختلفت الأحزاب من بعد ذلك كان الداعي إلى ضم الكلمة، وتوحيد الصفوف في كل آن وحين. وإن الناس ليذكرون حتى اليوم أن الدار التي خرج منها جثمانه الكريم هي الدار التي عجت بالناس أيام لجنة الوفد المركزية، وكانت مسرح خطب الخطباء في الوطنية، وهي الدار التي اجتمع فيها المؤتمر الوطني برياسة سعد زغلول في سنة ١٩٢٦، وهي الدار التي صدرت منها الدعوة لتأليف الجبهة الوطنية في سنة ١٩٣٥، ثم يذكرون كلمته في رياسته الأخيرة للحكومة جوابًا على استيضاح وجَّهه إليه المغفور له حسن باشا صبري في مجلس الشيوخ: إن وزارتي ترحب بكل ما يجمع كلمة الأمة ويؤيد وحدتها. رجل هذه دعوته القومية لأبناء الوطن جميعًا لا ريب يهرع أبناء الوطن لتشييع جنازته تحية للفكرة السامية التي أقام طول حياته زعيمها والداعي إليها.

ما وافت الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم السبت الماضي حتى كان السرادق الذي أقيم بجوار دار الفقيد، وكانت الشوارع المحيطة به قد غصت بهؤلاء جميعًا ممن جاءوا يؤدون التحية الأخيرة لرجلٍ هذه بعض نواحي تفكيره وعمله، وتقدمت الجنازة الرسمية الجنازة الشعبية الضخمة يخطئ العد ألوفها، وألوفها سائرة من داره إلى المسجد الذي تقام الصلاة على جثمانه فيه متخطية ميدان الإسماعيلية إلى شارع سليمان باشا فشارع قصر النيل فجامع الكخيا، لتسير من بعد ذلك إلى قبره بالإمامين. ما هذه العشرات من الألوف قد هرعت كلها فوقفت على جانبي الطريق خاشعة حزينة كاسفة الطرف! ها هو ذا الشعب المصري الكريم الذي يعرف لأبنائه جميلهم، ويعرف للنزيه الطاهر نزاهته وطهره، ويجزي البار به المضحي في سبيله عن بره وتضحيته، يجزيه حبًّا وإكرامًا وتقديرًا وعطفًا، وهل كحب الشعب جزاء لعامل؟! وهل أعز من تقدير الشعب تقدير؟! وهل كإنصاف الشعب إنصاف؟! وهذا الحب وهذا التقدير وهذا الإنصاف أكبر ما تكون قيمتها في هذا الموقف المهيب الرهيب حين يودع الشعب خدامه الوداع الأخير في رحلتهم إلى جوار الله.

***

بدأ محمد محمود باشا حياته السياسية في الميدان العام في أخريات سنة ١٩١٨، ذلك حين كانت الحرب الكبرى الماضية موشكة أن تضع أوزارها، وحين كان الناس كلهم يتناولون بالحديث شروط الهدنة التي وضعها الدكتور ولسن رئيس الولايات المتحدة، فقد كانت حرية الشعوب وحقها في تقرير مصيرها وفاقًا لهذا الشرط من شروط إنجلترا وحلفائها للهدنة من تلك الحرب. ولذلك اتصل بأصدقائه السياسيين وفاتحهم فيما يجب أن يكون، واتفق وإياهم على تأليف الوفد المصري برياسة المغفور له سعد باشا زغلول.

وكان طبيعيًّا أن يتجه محمد محمود باشا إلى هذا التفكير السياسي وإلى العمل السياسي بعد أن ترك وظائف الحكومة، فقد كان شديد العناية بسياسة البلاد وهو في هذه الوظائف، كان والده المغفور له محمود باشا سليمان رئيسًا لحزب الأمة، وكان محمد باشا صديقًا لأعضاء هذا الحزب جميعًا وللذين لهم قيادته وزعامته، كما كان صديقًا لأنصار هذا الحزب والعاطفين على سياسته، وفي مقدمتهم المغفور له سعد زغلول باشا، وكان لهؤلاء مركز خاص في الجمعية التشريعية، هيئة مصر النيابية في ذلك العهد، على أن محمد باشا رأى، ورأى أخوانه معه أن يتألف الوفد من جميع العناصر السياسية التي تتألف منها الجمعية التشريعية. وأن ينضم إلى أعضاء الوفد من ليسوا من أعضاء الجمعية التشريعية ممن يميل بهم التفكير السياسي إلى الناحية الاستقلالية السليمة لمصر، وإذا كان محمد باشا هو الداعي والدافع لتأليف الوفد، فقد كان من السابقين إلى عضويته، رغم أنه لم يكن عضوًا في الجمعية التشريعية، أو في حزب من الأحزاب السياسية.

ولم يلبث حين نهض بهذا العبء الخطير من الأعباء السياسية العامة أن برز إلى الصف الأول، وأن كان بين الذين نفتهم السلطة العسكرية إلى مالطة، والذين أطلق عليهم في ذلك الحين عنوان الباشوات الأربعة، كان مع سعد زغلول، وإسماعيل صدقي، وحمد الباسل، في هذا الاعتقال الذي ترتب عليه قيام الحركة الوطنية في مصر.

كيف أسرع إلى هذا الصف الأول، هنا موضع لتقدير شخصيته وتحليل نفسيته، فهذه الشخصية هي التي دفعته إلى هذا المكان أكثر من كل ما سواها، وتصويرها يجلو لنا نواحي القوة وغيرها من نواحي هذا الرجل الذي ودعته الأمة وكلها الأسف والألم لوداعه.

كان محمد محمود شديد الاعتداد بنفسه، شديد الحياء من نفسه، شديد الإيمان بالله، شديد الإسلام لقضائه، وكان اعتداده بنفسه بالغًا مبلغًا خلف له كثيرًا من الخصوم، كما أحاطه بالكثير من المعجبين به، المسحورين بقوته، أما حياؤه من نفسه فكان يعصمه مما يتورط غيره فيه من الخطأ، وكان ينأى به عن مواطن الشبهة، ويجعله يحرص غاية الحرص على أن لا يرى غيرُه منه موضع ضعف أو نقص. وكان يبلغ من هذا الحرص في بعض الأحايين مبلغًا يؤدي ثمنه غاليًا في أمور يستهين بها غيره ويراها من مباحثات الحياة، وكان إيمانه بالله صادقًا كل الصدق، كان الإيمان الذي يأبى الجدل فيه أو البحث في أمره، والذي يرفض من غير مناقشة ما يقوله بعض الفلاسفة من أن الشك أول مراتب اليقين. وكان هذا الإيمان يجعله دائم الخوف من الله، دائم حساب النفس، بارًّا بالفقير والضعيف، بارًّا أكثر من ذلك بمن كان عزيزًا فذل، أو غنيًّا فافتقر. وإسلامه لقضاء الله كن إسلامًا تامًّا، لكنه كان إسلام من لا يترك المقادير تجري في أعنتها، بل كان إسلام الحريص الحذر الذي يأبى أن يلقي بنفسه إلى التهلكة، ولا يأبى مع ذلك أن يواجه الخطر وأن يجابهه وأن يصمد له.

وكان لمحمد محمود من مجموع هذه الصفات صفة بارزة عنده، بلغ من بروزها أن ظن بعضهم فيه المبالغة فيها. تلك اعتزازه بكرامته وحرصه الشديد عليها، ولا إخال أحدًا عرفه إلا رأى فيه من هذا الاعتزاز وهذا الحرص ما يتوهم معه من لم يعرفه أنه خشن الطبع لا يعرف الصداقة ولا يرعاها، فأما الذين عرفوه فقد عرفوا منه حفظًا للصداقة ووفاء للعهد وبرًّا بهما ليس كمثله بر. ثم إن هذا الاعتزاز بالكرامة قد وازاه دائمًا إخلاص للعقيدة وللوطن جعل العقيدة وجعل الوطن بعض هذه الكرامة التي كان محمد محمود باشا يعتز بها أيما اعتزاز. كنا في اجتماع سياسي نتناقش يومًا في أمر من أمورنا الحزبية الخطيرة النتائج في شئون الدولة، ذلك حين كان حديث الائتلاف بين الوفد والأحرار الدستوريين في سنة ١٩٢٦ موضع البحث، وأدلى بعض الحاضرين برأيه معارضًا إتمام الائتلاف، وكان مما احتج به أنه لا يتفق وكرامة حزب الأحرار الدستوريين. عند ذلك قال محمد باشا: لكن الأمر يتعلق بكرامة الوطن في كسب حقه وكرامة الوطن يجب أن تكون فوق كرامة الأحزاب وفوق كرامة الأشخاص.

هذه الصفات التي اجتمعت لمحمد محمود هي التي دفعته ليبرز إلى الصف الأول بعد قليل من تأليف الوفد، وهي التي أدت به ليعتقل مع الذين اعتقلوا في مالطة، فلما فك اعتقال المعتقلين وسافر أعضاء الوفد جميعًا إلى باريس، ثم لما حزبهم الأمر وضاقت عليهم حلقاته ولم يجدوا وسيلة إلا الدعاية في أمريكا اختار الوفد محمد محمود ليسافر إليها، فسافر وكان له من نجاح دعايته ما يدعونا لوقفة أخرى نتساءل أثناءها عن السبب في اختيار الوفد إياه، وعن السبب في نجاحه.

كثيرًا ما يتحدث الناس عن صداقة محمد محمود للإنجليز، وقد ذكرت الصحف الإنجليزية هذه الصداقة حين أبَّنته إثر وفاته، ويظن بعضهم أن هذه الصداقة كانت لاعتبارات سياسية قدرها هو ورأى الخير منها في قيام الود بينه وبين الساسة البريطانيين هنا وفي إنجلترا، وتصوُّر العلاقة بين هذا الرجل العظيم وبين الإنجليز على هذا النحو خطأ تنفيه الوقائع، فكثيرًا ما اختلف محمد محمود باشا مع السياسة الإنجليزية في مصر. وكثيرًا ما اشتد الخلاف بينه وبين الساسة الإنجليز إلى حد كبير، ولعل بعده عن الحكم من سنة ١٩٢٩ إلى سنة ١٩٣٧ كان مرجعه إلى هذا الاختلاف أكثر منه إلى أي سببٍ آخر، لكن الواقع أن الطريقة التي كان يفكر بها محمد باشا كانت الطريقة التي يفكر بها الإنجليز، ولم يكن مرجع ذلك إلى تعلمه في أكسفورد وكفى. فإن كثيرين من المصريين الذين تعلموا في أكسفورد ظلوا يطبع تفكيرهم طابع أقرب إلى اللاتينية منه إلى السكسونية، وإن شئت تعبيرًا أدنى إلى الدقة فقل أدنى إلى بيئة البحر الأبيض المتوسط منه إلى بيئة المانش وبحر الشمال وبيئة الجزر البريطانية، وإنما كان مرجع ذلك إلى تكوينه الفكري تكوينًا جعله عمليًّا يصور الغاية التي يريدها، ثم يبتغي الوسائل العملية المنتجة والمتفقة في نفس الوقت مع طباعه التي قدمنا، ومع تقديره لمصلحة وطنه تقديرًا يضعه فوق أعز الاعتبارات عنده، هذه الطريقة من التفكير هي التي كانت تجعله يصل إلى التفاهم مع الإنجليز ما وجدت الوسيلة السليمة التي تتفق ومصلحة بلاده، وهذه الطريقة من التفكير هي بعينها طريقة الأمريكيين في تفكيرهم، فلمن يكن عجبًا أن يختاره الوفد سفيرًا عن الشعب المصري في الولايات المتحدة، معتمدًا على إتقانه التام للإنجليزية وعلى اتفاقه في طريقة التفكير مع الأمريكيين، ولم يكن عجيبًا أن يبلغ محمد باشا من النجاح ما بلغ بفضل هذه المواهب فيه، وأن يفتح لذلك أبوابًا لفائدة مصر في إنجلترا نفسها، لعلها ما كانت لتفتح لولا قيام هذا السفير بسفارته الموفقة في البلاد التي نصرت إنجلترا في الحرب الكبرى، والتي كانت لذلك موضع التقدير والإكبار من جانب الحكومة الإنجليزية والشعب البريطاني.

ولقد بلغ من شدة اقتناع محمد باشا بهذه الطريقة في التفكير ومن إعجابه بها أنه كان دائم القراءة لتاريخ الساسة البريطانيين الذين قامت الإمبراطورية البريطانية على أكتافهم وبمجهودهم، وذلك ما جعله يبلغ في كثير من الأحيان من إقناع الإنجليز بعد اشتداد الخلاف بينهم وبين مصر ما لم يبلغه غيره، ولعل ذلك هو ما جعله يقتنع بالمقدرة على إقناع الإنجليز في سنوات معدودة بالنزول لمصر عما بقي محتفظًا به في المعاهدة من شئون ليس لإنجلترا فائدة جوهرية فيها، وأكبر الظن أنه كان سيفعل لو أن الأجل امتد به، ولو أن صحته لم تقعد به في وقت كان مثله في حاجة إلى العافية وإلى الصحة؛ لينهض بالأعباء الجسام التي يقتضيها الحكم منذ أعلنت الحرب الحاضرة.

وهذه الطريقة في التفكير هي التي جعلته يناصر بكل قوته تلك السياسة التي أدت إلى إعلان تصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢ من جانب إنجلترا، وإلى تقرير استقلال مصر في ١٥ مارس من تلك السنة على ملأ العالم بإعلان من مليكها المغفور له فؤاد الأول، عليه رحمة الله.

وهذه الطريقة هي بعينها التي دفعته ليسعى للائتلاف مع المغفور له سعد زغلول باشا في سنة ١٩٢٦ لإعادة الدستور، فهو كان يؤمن في قرارة نفسه، واعتمادًا على هذه الطريقة في التفكير، بأن وحدة مصر وتكاتف أبنائها وأخذهم جميعًا بالفكرة القومية في السياسة العامة هذا كله هو الذي يصل بمصر إلى ما تشاء من غاياتها وأغراضها، وهو الذي يكفل لها أن تحقق في أقصر وقت أكبر قسط مما تبغي تحقيقه.

***

كان محمد محمود باشا قوميًّا في تفكيره، وكان مع ذلك وكيلًا لحزب الأحرار الدستوريين منذ تأليفه في سنة ١٩٢٢، ثم رئيسًا له منذ سنة ١٩٢٨، كيف يجتمع هذا وذاك؟ كيف تجتمع القومية والحزبية في نفس واحدة؟

هذه أيضًا نتيجة من نتائج التفكير على الطريقة العملية التي أشرنا إليها. فالحزبية لا يقف أمرها عند تأييد فكرة من الأفكار تأييدًا نظريًّا، بل هي وسيلة أساسية في الحياة الديمقراطية لتعادل القوى وعدم طغيان بعضها على سائرها، وتوازن القوة جوهري لكفالة الحرية الإنسانية، فلو أن الوحدة القومية انصرفت إلى معنى من معاني الزعامة الدكتاتورية لانقلب أمرها من الاتحاد القومي على الاختيار الحر الصريح لأفراد الأمة، ولصارت نوعًا من الطغيان يستأثر به فرد أو تستأثر به جماعة، ولكان في ذلك القضاء على الفكرة الديمقراطية من أساسها. فأما إن قامت الأحزاب توازنت في الكثير من آرائها القومية واختلفت في القليل من هذه الآراء، فقد أصبحت الدعوة إلى الاتحاد دعوة إلى التعاون الحر وإلى السعي المشترك عن طواعية واختيار لتحقيق الخير العام في ظلال هذه الحرية، هذا تفكير عملي لا ينقصه المنطق النظري، لكن منطقه النظري لم يكن ذا بال في رأي زعيم الأحرار الدستوريين المنتقل إلى جوار الله، بل كانت الناحية العملية، ناحية رقابة الأحزاب أعمال بعضها البعض، وما تؤدي إليه هذه الرقابة من كفالة الحرية والعدل للجميع هي التي جعلته منذ اللحظة الأولى ينادي بفكرة الحزبية على الأساس الذي قدمت، وهي التي جعلته يحتفظ بالفكرة الحزبية كضمان للحرية إلى آخر يوم من أيام حياته، مع ندائه دائمًا لضم الصفوف واتحاد كلمة الأمة ليكوِّن من هذا الاتحاد قوة تحقق الأغراض والمطالب القومية العامة، وهذا الاستمساك بالفكرة الحزبية لكفالة الحرية للجميع، والعدل للجميع، والنزاهة في الحكم قد كان مصدرها في نفسه حياءه الشديد من نفسه، وإيمانه الشديد بالله، وقد أشرت إلى أن حياءه الشديد من نفسه قد كان يمنعه من كثير لا يرى غيره من الساسة والزعماء بأسًا به، وكان لذلك دعامة من دعائم النزاهة التي امتاز بها هذا الرجل طول حياته، وقوة ارتفعت به إلى مكان النبل الذي عرفه الناس جميعًا له، والذي كان بارزًا أشد البروز في تفكيره وتصرفه، فكثير من الساسة والزعماء لا يرون بأسًا بأن يفيدوا بمواهبهم الأعمال المالية والاقتصادية الكبيرة، وأن يكونوا لذلك أعضاء في مجالس إدارة الشركات أو رؤساء لها. أما هو فكان يرى أن السياسي الذي يتعرض لأن تلقى إليه مقاليد الحكم يجب عليه أن لا يشغل نفسه بعملٍ من هذا النوع على أي وجه؛ لأن الجمهور يرى في هذا الاشتغال ما قد يكون مثار الشبهة. والرجل الذي يحمل أعباء الحكم يجب أن يتنزه عن كل شبهة تثور في نفس الناس بالحق أو بغير الحق. لذلك رفض طيلة حياته أن يكون له بعمل مالي غير ثروته الخاصة أي اتصال. وقد كان يتزمت في ذلك لشدة حيائه من نفسه أيما تزمت، وكان قاسيًا في الحكم عليه أشد القسوة.

وقد كان إيمانه بالله وإسلامه لقضائه بعض غرائزه، وكان لا يرضى أن تكون هذه الناحية من نواحي نفسه، على قوتها وصلابتها، مما يظهره للناس أو يطالعهم به؛ لأنه كان — كما قدمت — حريصًا على أن تظل هذه الناحية بعيدة كل البعد عن مظنة الجدل أو البحث. وقد تجلى هذا الإيمان في كثير من مواقفه أثناء حياته، لكنه كان جليًّا في كل بهائه وجلاله أثناء مرضه الأخير، كنا نسأله دائمًا عن صحته فكان يكتفي بالقليل يفضي به أكثر الأحيان، لكنه كان لا يملك كظم ألمه أحيانًا فيفضي بما ينتابه منه في عبارات موجزة، فإذا فرغ من ذلك سكت هنيهة ثم قال: الحمد لله. كرر هذا الحمد غير مرة تكرار مؤمن صادق الإيمان بأن ما يصيبنا به القدر ليس إلا بعض ما يصاب به غيرنا، وإن بلغ من الشدة أعظم مبلغ، لذا وجب علينا حمد الله لما خفف عنا، وما كنا معرضين له لولا فضله ولطفه. ولقد ظل إيمانه قويًّا وإسلامه لله تامًّا حتى اختاره الله إليه في منتصف الليل من أسبوع مضى.

***

هذه جوانب من الحياة النفسية للرجل العظيم الذي فقدته مصر، في وقت كانت تفتقده فيه لخدمتها، بما عرف عنه من نزاهة وصدق وطنية وإخلاص في القصد للغاية السامية التي يريدها كل مصري لوطنه. ولو أنني أردت أن أتم الصورة النفسية لهذا الرجل، ثم لو أنني أردت أن أؤرخ له لاقتضاني ذلك صحفًا يتكون منها سفر كامل، وما كان نطاق هذه الجريدة ليتسع لذلك، فحسبي اليوم ما قدمت. وعزاء للأمة عن مصابها في رجل كان الشهامة والشجاعة والنبل وكرم الطبع وشرف المقصد، تولانا الله جميعًا برحمته، وأفاض على الفقيد فيض فضله ومثوبته، وهيأ لنا من أسباب العمل لخير هذه الأمة ما يرضيه جل شأنه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.