… قرأت كتاب علم النفس التربوي للدكتور أحمد زكي صالح، وتوقفت عند الصفحات التي يقول فيها الدكتور الفاضل وهو يتكلم عن التعليم الثانوي العام: إن الطالب الثانوي العام على قدر من الذكاء أكبر من قدره عند الطالب الفني، وقد عقدت ندوة مع بعض الأساتذة لأعرف رأيهم فيما قرأته، فمنهم من قال إنها هفوة من الدكتور المؤلِّف، ومنهم من قال إنها دليل على أننا ما زلنا نعاني من رواسب الماضي … وأردت أن أعرف رأيكم فيما قرأت وفيما قالوه … إلخ إلخ.

محمد محمد الأوماني

والذي أراه أن الخلاف لا يدور هنا على الأعمال البدنية التي يُفرِّقون بينها وبين ما يسمى أحيانًا بأعمال الذكاء في اصطلاح الصناعة الحديثة Skilfull.

فإذا كان هذا هو المقصود فالطالب الذي يَصلُح للتعليم الفني لا يستغني عن نصيب من الذكاء يعادل ذكاء الطالب الثانوي أو يزيد عليه في بعض الأحوال، وكل ما هنالك من فارق بينهما أنه فارق بين أنواع من الذكاء تختلف في الاستعداد ولا يلزم أن تختلف في قدرة الفهم ولا في الطبقة الفكرية التي يرتفع إليها.

وهذه الصناعات التي يُسَمُّونَهَا بأعمال الذكاء في عُرف الصناعة الحديثة، هي بعينها تلك الصناعات التي سَمَّاها الأقدمون بالأعمال الميكانيكية من كلمة Mechanikos اليونانية بمعنى الحيلة أو التصرُّف أو التدبير، وكان المترجمون للعلوم اليونانية عندنا يُترجِمُونها بعلوم الحِيَل لأنها تحتاج إلى التصرُّف وحُسن التناول في استخدام الآلات، أو في اختراعها وتحويل فائدتها من عمل إلى عمل آخر، ولا يُعقل أن الذهن الذي اخترع الحاكي (الفنغراف) يقِل ذكاء عن الذهن الذي راقب خصائص الصوت وسجَّل قوانينها في علوم الطبيعة، ولا أن الذهن الذي اخترع حروف المطبعة يقل ذكاءً عن الكاتب الذي يجمع الكلمات من تلك الحروف ويُودِع المعاني في تلك الكلمات.

فلا تَفَاوت في قدرة الذهن بين الطالب الصالح للعلوم الفكرية والطالب الصالح للأعمال الفنية، ولكنه اختلاف في الاستعداد ليس إلا، كاختلاف الاستعداد بين ذهن المهندس وذهن الطبيب، أو بين ذهن الشاعر وذهن المُصوِّر، أو بين ذهن الزارع وذهن الصانع، وكلها أذهان قابلة للارتقاء إلى الطبقة العليا من العقول الإنسانية في قدرة التفكير وكفاية العمل.

ولم أفهم معنى رواسب الماضي التي أشار إليها بعض أساتذتكم؛ لأن الماضي كما رأينا كان يقدر لهذه الأعمال قيمتها، ويُفرق بين كفاياتها ويعرف مقادير الذكاء الضرورية لكلٍّ منها، وليست كلمة Skilfull العصرية بأدلَّ على الذكاء من كلمة ميكانيكوس أو كلمة الحِيَل والتصرُّف التي أُطلقت في الماضي على هذه الأعمال بعينها، وويل للحاضر من رواسبه إذا بطلت فيه فوارق الاستعداد ومواهب الأذهان وملكات العقول والأذواق!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (3)

  • default avatar
    زويل الثالث ·٣ مارس ٢٠١٥، ٤:٥ ص

    شكرا جداجدا جدا لكم

  • default avatar
    زويل الثالث ·٣ مارس ٢٠١٥، ٤:٥ ص

    شكرا جداجدا جدا لكم

  • default avatar
    زويل الثالث ·٣ مارس ٢٠١٥، ٤:٥ ص

    شكرا جداجدا جدا لكم