أشارت بعض الصحف منذ أيام إلى أن حليفتنا العزيزة ليست متعجلة في اختيار المندوبين الذين يمثلونها في مفاوضات صدقي باشا. وكان رئيس وزرائنا العظيم في الإسكندرية يستريح من عناء الأعمال، أو يستزيد من عناء الأعمال، أو يجمع بين العمل والراحة كما تعود أن يجمع بين المتناقضات؛ لأنه جمُّ النشاط على رغم الأحداث والخطوب.

كان في الإسكندرية يعمل أو يستريح، أو كان في الإسكندرية يعمل ويستريح، حين قرأ هذه الإشارة العابرة في بعض الصحف، فلم تكن هذه الإشارة عابرة بالقياس إليه، وإنما كانت إشارة مستقرة ملحة في الاستقرار قامت أمامه لا تزول، لا تنحرف إلى يمين ولا إلى شمال، وإنما تثبت في مكانها كأنما شدَّت إليه بأمراس الكتان. ويريد رئيس الوزراء أن يحول بصره عنها فلا يستطيع، وإذا هي تثير في نفسه قلقًا، وإذا القلق يستحيل إلى خوف، وإذا الخوف يستحيل إلى فزع، وإذا رئيس الوزراء يتصل بلندرة فيما يقول. والأسباب للاتصال بلندرة كثيرة، منها التليفون ومنها البرق، ومنها الموجات النفسية التي تخترق حجب الغيب دون أن تخترق أجواء السماء، ومنها الخيال الذي يطوف بأقطار الأرض، بل يطوف بأجواء الكواكب الأخرى وصاحبه مقيم في مكانه لا يريم.

اتصل رئيس الوزراء بلندرة في الحال على أجنحة الحق أو على أجنحة الخيال، ثم عاد من لندرة. وكان ذهابه إليها وعودته منها أقصر من لمح البصر، والشاعر العربي يقول:

ما بين طرفة عين وانفتاحتها

يغير الله من حال إلى حال

ذهبت نفس رئيس الوزراء إلى لندرة كئيبة ساخطة، وعادت منها مجبورة راضية، فلم تستقر في الإسكندرية إلَّا ريثما اتصلت بالقاهرة، واتصلت بالقاهرة من طريق التليفون فأملت على صحف كثيرة لا على صحيفة واحدة ما يزيل هذا القلق الذي ألم بالنفوس، وهذا الخوف الذي روع القلوب، وهذا الفزع الذي أزعج الضمائر عن مواضعها.

أملتْ على كثير من الصحف أنباء هذه الرحلة القصيرة السريعة الخصبة بين الإسكندرية ولندرة. هذه الرحلة التي عادت بالنبأ اليقين إلى صدقي باشا قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فملأت قلبه أمنًا وثقةً واطمئنانًا، لأنها نفذت إلى أعماق وزارة الخارجية البريطانية، بل إلى أعماق نفوس المسئولين في وزارة الخارجية البريطانية، ثم عادت تقول كذب المنجمون ولو صدقوا، وكذبت شركات البرق وإن لم تقل إلا حقًّا، وكذبت تنبؤات الصحف وإن قرأت في أسرار الغيب. وعادت تقول: إن الحكومة البريطانية ليست متمهلة ولا مستأنية ولا محبة للإبطاء في اختيار المفوضين، ولكنها ستعينهم فورًا في التو والساعة قبل أن يرتد إلى صدقي باشا طرفه مرة ثانية، قبل أن ينقطع حديث التليفون، قبل أن تقف أقلام الكتاب عن الحركة، قبل أن تصدر الصحف، وقبل أن يقرأها القراء. فما ينبغي أن تعين مصر ممثليها في المفاوضات وتتأخر بريطانيا العظمى في تعيين هؤلاء الممثلين.

وليست رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات بأقل من رغبة مصر، وليست حاجتها إلى المفاوضات بأقل من حاجة مصر. وقد دل كل شيء وما زال كل شيء يدل على أن بريطانيا العظمى تحب التعجيل كل الحب، وتبغض التأجيل كل البغض. وآية ذلك أنها عذبت النقراشي باشا عذابًا شديدًا لكثرة ما ألحت عليه في طلب المفاوضات، فكان النقراشي باشا بين نارين، بل بين نيران؛ نار المستر بيفن الذي يدعوه إلى المفاوضات، ونار صدقي باشا الذي يدفعه إلى المفاوضات، ونار مكرم باشا الذي يحثه على المفاوضات، ونار الشعب المصري الذي يطالبه بالمفاوضات. فلما ترك النقراشي باشا منصب الحكم ووثب إليه صدقي باشا؛ اشتدت رغبة بريطانيا العظمى في المفاوضات اشتدادًا أشمت فيها العدو، وأخاف عليها الصديق، وملأ قلب صدقي باشا رحمة وحنانًا، فتعجل الإجراءات للدخول في المفاوضات، وما هي إلَّا أيام قليلة أو كثيرة حتى اختار المفوضين واستصدر المرسوم بتعيينهم.

وفي أثناء ذلك تنشر الصحف أن بريطانيا متمهلة لا متعجلة! كلام فارغ ما في ذلك شك؛ فبريطانيا متعجلة كل العجلة، مسرعة كل الإسراع، متهالكة أشد التهالك. بذلك جاءت الأنباء إلى صدقي باشا يوم الجمعة الماضي في الإسكندرية حين كان فيها يعمل أو يستريح أو حين كان فيها يعمل ويستريح. وبذلك حدثتنا الصحف صباح السبت؛ فاطمأنت مصر إلى أن حليفتها العزيزة لا بأس بها ولا خوف عليها من تأخر المفاوضات. وقضى الناس يوم السبت يعتقدون أن أمور الحليفتين الحبيبتين؛ حكومة صدقي باشا في القاهرة وحكومة المستر إتلي في لندن تجري على خير ما تحبان، والله عز وجل يؤلف بين القلوب وإن كانت متنافرة، ويلائم بين النفوس وإن كانت متباعدة، وينشئ الحب بين حكومة رأس المال في مصر وحكومة الاشتراكية في لندرة، ويعطف الضد على الضد والنقيض على النقيض. ولذلك لم يشتق حبيب قط إلى حبيب كما اشتاقت حكومة رأس المال في مصر إلى حكومة الاشتراكية في لندرة، ولم يكلف عاشق قط بعاشق كما كلفت حكومة الاشتراكية في لندرة بحكومة رأس المال في القاهرة.

ومن أجل هذا اطمأن الناس في مصر وفي بريطانيا العظمى يوم السبت الماضي إلى أن الحبيبين يتعجلان اللقاء بعد أن طال الفراق، وإلى أن العاشقين يتعجلان الوصال بعد أن اشتد الهجران. وتغرب الشمس ثم تشرق، وإذا العواذل قد أفسدوا كل شيء، وإذا الوشاة قد أجَّلوا ما كان حقه التعجيل، وإذا الرقباء قد نزغوا بين الحبيبين كما ينزغ الشيطان بين المرء ونفسه. فظلت بريطانيا العظمى متمهلة لا تختار المفوضين ولا تسميهم ولا تعينهم ولا ترسلهم، وإنما ترسل السفير. على حين تتعجل مصر وتسرف في التعجل وتسرع مصر وتغلو في الإسراع، فتحرق السفن من ورائها وتلغي الشعب المصري إلغاءً، وتختار المفوضين من القلة القليلة بعد أن عجزت عن اختيارهم من الكثرة الكثيرة. وما أسرع ما تغيرت الحال، وأصبح لسانها ينشد في كثير من الحزن والاكتئاب قول عمر بن أبي ربيعة:

وقربنا أسباب المنى لمتيم

تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا

وهذا المتيم بالطبع هو صدقي باشا الذي قربت بريطانيا العظمى له ولأصحابه أسباب المنى، فجعل يقيس ذراعًا كلَّما قاس المستر إتلي أو المستر بيفن أصبعًا. ويكفي أن تنظر فترى مصر قد خطت خطوات واسعة بعيدة كأنها خطوات المردة في سبيل المفاوضات. فكم قطع سفيرنا أجواء الفضاء بين لندرة والقاهرة وبين السفارة والوزارة في لندرة! ثم كم تحمل صدقي باشا من جهد وكم حمَّل الأمة نفسها من جهد ليهيئ للمفاوضات ويخلق لها الجو الملائم! ثم كم ذاد صدقي باشا النوم عن عينيه وعن أعين الناس ليؤلف وفد المفاوضات! فهو لم يقس ذراعًا وإنما قاس أذرعًا. على حين ظلت بريطانيا العظمى هادئة نائمة — أو كالنائمة — لم تختر المفوضين، وإنما اختارت السفير. ولم تكد تختار السفير حتى مرض، ولعله مرض قبل أن تختاره. وجعل الشفاء يبطئ في سعيه إلى السفير، وجعل الأطباء يتعللون على المريض؛ منهم من يأذن له بالإبلال، ومنهم من يلح عليه في الانتظار.

وفي أثناء ذلك كانت مصر تقيس ذراعًا وذراعًا وذراعًا حتى تعبت من القياس، ثم أذن الله لبريطانيا العظمى فقاست أصبعًا واحدة لم تزد عليه شيئًا وأرسلت إلينا السفير.

وكذلك أصبح الناس يوم الأحد الماضي وإذا الشركات البرقية تناقض صدقي باشا أشد المناقضة، وتلح في أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين، وليست متعجلة في اختيارهم، ولعلها لا تحتاج إلى اختيارهم، فالسفير فيه الكفاية. ومن الناس من يعد بالعشرات والمئات والألوف أحيانًا، فقد يكون السفير رجلًا من هؤلاء الناس الذين يعد الواحد منهم بالعشرات أو بالمئات. والمهم أن الصحف وشركات البرق قد ناقضت يوم الأحد ما أكده صدقي باشا يوم السبت.

وكانت الأهرام ماكرة ماهرة، فهي قد احتجبت يوم السبت كدأبها في كل أسبوع، فلما ظهرت يوم الأحد اختصرت الطريق لقرَّائها، وعرضت عليهم تصريح صدقي باشا وتصريح روتر، ولم تعلق بشيء لأنها حريصة دائمًا في الحياد.

وقد انقضى الأسبوع أو كاد ينقضي، وكل شيء يعلن أن بريطانيا العظمى لم تختر المفاوضين إلى الآن. والرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل. وقد عرف صدقي باشا كيف يستفيد من حكمة الحكماء، وكيف ينتفع بشعر الشعراء، فقرر منذ يومين أو أيام أنه سيسلك مع الصحفيين مسلك عَبْدَةَ صاحبة بشار في البيت المشهور:

وإذا قلت لها جودي لنا

خرجت بالصمت من لا ونعم

ولذلك أعلن للصحفيين أنه لن يتحدث إليهم من أمر المفاوضات بشيء، حتى تنتهي إمَّا إلى جنة وإمَّا إلى النار.

هذا كله والمفاوضات لم تبدأ بعد، وإنما هي سر من أسرار الغيب، وما زالت مصر — أستغفر الله — ما زالت حكومة مصر مقيمة هائمة تقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا، وهي قد قاست أمس أذرعًا كثيرة على حين لم تقس بريطانيا العظمى أصبعًا ولا بعض أصبع. فقد وصل السفير البريطاني أمس إلى بورسعيد ثم إلى القاهرة، والقرَّاء قد رأوا في الصحف بالطبع كيف استُقبل السفير في بورسعيد وفي القاهرة. فالقرَّاء يعلمون أن الوزراء المفوضين يأتون إلى مصر في كل يوم يمثلون دولًا مختلفة، فلا يستقبلون مثل هذا الاستقبال ولا قريبًا منه، ولا يلقون مثل هذا الاحتفاء. فما الذي يميز السفير البريطاني الذي لم يقدم أوراق اعتماده بعد من سائر الوزراء والسفراء بالقياس إلى بلد مستقل يريد أن يستكمل استقلاله، وألَّا يعترف بمركز ممتاز لدولة من الدول.

ألا يرى القارئ أن صدقي باشا ما زال يقيس ذراعًا كلما قاست بريطانيا العظمى أصبعًا؟ ألا يوافقني صدقي باشا على أن السفير البريطاني الجديد قد جاء كما يجيء غيره من ممثلي الدول، فكان يجب أن يُستقبل كما يُستقبل غيره من ممثلي الدول لا أكثر ولا أقل؟ ذلك أجدر أن يُشعر بريطانيا العظمى بأننا نؤمن بالاستقلال على أنه حقيقة لا مظهر، وذلك أجدر بأن يشعر السفير البريطاني بأننا نُقبل على المفاوضات أحرارًا لا نتقيد بشيء. نُقبل عليها كما يقبل الند لمفاوضة الند، لا كما يقبل الصغير على مفاوضة الكبير. ستذكر المجاملات! فليست بريطانيا العظمى أحق بأن تمتاز من غيرها من الدول بمجاملات خاصة، ولا سيما في هذه الأيام. ولكن صدقي باشا أو لسان الحال التي تتحدث عن صدقي باشا لا تستطيع أن تنسى قول ابن أبي ربيعة:

وقربنا أسباب المنى لمتيم

تقيس ذراعًا كلما قسنا أصبعا

متى يتاح لمصر أن تقيس أصبعًا كلما قاست بريطانيا أصبعًا، وأن تعرف أن الاعتدال في المجاملة هو خيرُ ما يمتاز به الوطن الكريم؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.