ظهر الجزء الثالث من كتاب «في أعقاب الثورة المصرية» لمؤلفه القانوني الفاضل والمؤرخ الكبير الأستاذ عبد الرحمن الرافعي، وهو يشتمل على تاريخ مصر القومي من سنة ١٩٣٦ إلى سنة ١٩٥١، وبه يتم التاريخ المصري الذي عُنِي الأستاذ الرافعي بتسجيله من منتصف القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين.

هذا التاريخ كافٍ في إلمامه بالحوادث الهامة التي كان لها شأن في تكوين مصر الحديثة من الناحية السياسية على الخصوص، ومن نواحي الثقافة والاجتماع على وجه الإجمال. ولم يلتزم فيه مؤلفه الكبير تفصيل الحوادث، كما التزم الدقة في مراجعتها والاكتفاء بتلخيصها، فكان همه الأكبر منصرفًا إلى التثبت واستقصاء الرواية، وكان همه بعد ذلك محصورًا في الإحاطة من الحوادث الخطيرة بأكثر ما يُستطاع.

وتاريخ هذه الفترة لازم لكل مصري يعنيه أن يعمل لبلاده على أساس المعرفة الصحيحة بتكوينها ونشأة أجيالها الحديثة، وهذا التاريخ خاصة مفيد في العلم بهذه الفترة في نطاق معتدل لا إلى الإسهاب المُفْرِط ولا إلى الإيجاز المُخِلِّ، وقد حمل ضريبة الإنسانية كما يحملها كل عمل إنساني كائنًا ما كان، وهي ضريبة النقص الذي لا يسلم الإنسان منه في عمل أو مقال.

لولا مأخذان على هذا التاريخ لتمَّتْ له فيما نعتقد مزايا التاريخ المُنصِف الدقيق، فالمأخذ عليه في المسائل الأخيرة التي شهدها المؤلف أنه لم يستطع أن يتجرَّد من النظرة الحزبية.

والمأخذ عليه في المسائل عامة أنه وقف موقف العزلة من الحوادث ومن يشتركون فيها، ولا نقول موقف الحَيْدة عمدًا؛ لأننا نرى الفَرْقَ بعيدًا بين العزلة والحيدة في كتابة التاريخ؛ فإن حيدة المؤرخ بإزاء الحوادث والمشتركين فيها مطلوبة لازمة لكل تقدير، ولكن العزلة غير مطلوبة ولا لازمة لحسن التقدير، بل هي على الدوام حائل دون التقدير الصحيح.

فمن المسائل التي لم يستطع المؤلف أن يتجرد من النزعة الحزبية كلُّ مسألة لها علاقة بالحكم على أعمال الزعيم الخالد سعد زغلول، سواء منها أعماله في الوزارة وأعماله في قيادة الحركة الوطنية.

فقد حسب المؤلف على الزعيم الخالد أنه ترك رئاسة الجامعة وقبل أن يتولى وزارة المعارف العمومية، مع أن ولاية سعد لوزارة المعارف كانت خدمة للجامعة من الوجهة المادية ومن الوجهة الأدبية؛ لأنه فَتَح لها في الميزانية اعتمادًا بعشرة آلاف جنيه — مبلغ من المال ذو قيمة جُلَّى في ذلك الزمن — وهو على كل حال أكبر من المبلغ الذي اجتمع من تبرعات المتبرعين أجمعين، وكانت هذه هي الخدمة المادية التي لولاها لما استقام للجامعة وجود.

أما الخدمة الأدبية، فهي اعتراف الحكومة بشهادات الجامعة الأهلية. ولولا هذا الاعتراف لانصرف الطلاب عنها، وأصبح شأنها كشأن أندية المحاضرات.

وقد كان انتقادُ سعدٍ لنظام الجامعة انتقادَ غَيْرةٍ عليها ورجاءٍ في تمامها وكمالها، فكان يقول إنه لا يَقْنَع من الجامعة بأبنية المدارس العليا، ولكنه يريدها شيئًا أجلَّ وأعظمَ من ذلك، يريدها معهدًا للمتخصِّصين الذين يبتكرون في العلوم والآداب أو لا يعملون فيها مقلدين.

وأخذ المؤلف على سعد أنه اعترض التعليم باللغة العربية، وهو زعم لا أصل له على الإطلاق؛ لأن سعدًا هو الذي أوفد عشرات الطلاب إلى أوروبا ليعودوا إلى مدارس مصر معلمين باللغة العربية، وهو أول من عين للمدارس الثانوية نظارًا ووكلاء من المصريين، وكان نظارها — ما عدا واحدًا — كلهم من الإنجليز.

إن الذي يقول إن التعليم لا يُنقَل من لغة إلى لغة في يوم واحد، لا يُقال عنه إنه يحارب التعليم باللغة العربية، وقد كانت الكتب إنجليزيةً وكان المدرسون إنجليزًا، وكان لا بد من وضع الكتب بلغة البلاد وتخريج المعلمين الذين يُدرِّسونها قبل تقرير التعليم باللغة العربية، وهذا هو الذي صنعه سعد زغلول.

بل صنع سعد زغلول ما يضر الاحتلال حقًّا، وهو القيام بحركته الواسعة لتعميم المدارس الأولية ومحو الأمية، وصنع ذلك وهو مستشار في المحاكم لم يُكلِّفه أحد أن يتصدَّى لمثل هذا العمل الذي لا علاقة له بالقضاء، ثم ثابر عليه بعد ولايته لوزارة المعارف ولم يقرن به محاربة الجامعة كما قيل؛ فإن الجامعة هي «مجموعة المدارس العليا»، ولا يستطيع وزير المعارف أن يغلق أبوابها لو أراد.

أما أعمال سعد في قيادة الحركة الوطنية، فالمؤلف الفاضل ينكر فيها فضل سعد في الثورة، ويزعم أن الوفد عند تأليفه لم يطلب الاستقلال التام أول الأمر، بل طلبه بعد تعديل مقترح من هذا أو ذاك.

أما فضل سعد في الثورة فهو الفضل الذي لا ينكره مُنصِف ولا يستطيع من ينكره أن يأتي على إنكاره بدليل مقبول.

كيف تنهض الأمة؟

إن أمة بغير زعيم لا تعرف كيف تتحرك، ولا تمضي في حركتها أيامًا فضلًا عن الشهور والسنين.

وإنما تحار الأمم وتختلط عليها الأمور ما لم تتفق على زعيم يملؤها بالثقة والرجاء، وتشعر بقيادته شعور اليقين والإيمان.

فإذا كان سعد هو الزعيم الوحيد الذي استطاع أن يملأ هذا الفراغ باتفاق جميع المصريين، فهو صاحب الفضل في كل حركة تنهض لها الأمة. ولم يكن في الوسع أن تتصدى الأمة لحركة أو ثورة وهي خالية القلب من الثقة بزعيم تتفق عليه.

إن نهضة سنة ١٩١٩ هي نهضة سعد زغلول، وقد عرفت الأمة المصرية ذلك في أعماق وجدانها، فكان اسم سعد على كل لسان وملء كل ضمير، وعجيب أن يُقال إن الأمة تتفق على الإيمان برجل، ثم يُقال إن هذا الرجل لم يعمل شيئًا، وإن ما عمل كان خليقًا أن يتم على غير يديه.

أما أن سعدًا وإخوانه لم يطلبوا الاستقلال التام من أول الأمر، فهو أعجب ما يُكتَب في هذا الكتاب على التخصيص؛ لأن مقابلة سعد وإخوانه للمندوب البريطاني قد تمت في الثالث عشر من شهر نوفمبر بعد إعلان الهدنة بيوم واحد، وقد رواها المؤلف وروى أحاديثها، وفي هذه المقابلة سأل المندوب البريطاني: إذن أنتم تطلبون الاستقلال؟ فقال سعد: نعم، ونحن له أهل. وقال عبد العزيز فهمي بعد سؤال آخر: «نحن نطلب الاستقلال التام.» ثم أشار إلى حزب الأمة، فقال: إن مقصدي هو الاستقلال التام.

فإذا كان هذا طلب الوفد في أول مقابلة، فمتى كان التعديل؟! وكيف يُقال إن الوفد لم يكن من طُلَّاب الاستقلال التام؟!

إن المعلوم المكتوب بالنصوص أن الحزب الوطني كان يطلب الاستقلال تحت السيادة العثمانية، وأن حزب الأمة كان يطلب الاستقلال التام. ومن طرائف ما يُروَى عن ذلك أن الأستاذ «لطفي السيد» نادى بالاستقلال التام، فكتب المعارضون له يغرون النيابة بمحاكمته لأنه يطلب الخروج على السيادة العثمانية. وقد ظلت هذه السيادة العثمانية معترفًا بها في رأي الحزب الوطني إلى ما بعد مؤتمر لوزان الذي انعقد بعد الثورة بسنوات؛ ولهذا ذهب وفد الحزب الوطني إلى أنقرة للمفاوضة فيها على السيادة والحماية والاستقلال. فمن غرائب التاريخ أن تنقلب الآية كل هذا الانقلاب، وأن يكون الأستاذ الرافعي هو الذي ينكر على سعد وإخوانه مطلب الاستقلال التام، وأن يكتب هذا والحاضرون لهذا العهد لا يزالون بقيد الحياة.

هذه أمثلة من النزعة الحزبية التي سَرَتْ إلى قلم الرافعي وهو يكتب عن الثورة الوطنية.

أما العزلة في كتابة التاريخ، فنحن نعني بها أن يعتزل الكاتبُ الحوادثَ، فلا يغامسها بشعوره ووجدانه، ولا يضع نفسه في مواضع أبطالها والقائمين بها في أوانها.

فنحن لا نُقدِّر موقف الناس في حوادث عصورهم، إلا إذا وضعنا أنفسنا في مواضعهم واستطعنا من أجل ذلك أن نعلم ما يمكن وما لا يمكن قبلَ أن نُفْتي بخطأ هذا وصواب ذاك، وقبل أن نقول لرجل: كان ينبغي أن تعمل هذا. أو نقول لرجل آخر: كان ينبغي أن ترجع عما عملتَ ولا ينبغي أن تنطلق فيه.

إن المؤرخ الذي يعلم عواقب الحوادث بعد زمانها يجب أن يذكر أن المشتركين فيها لم يعلموها، ولا يجوز لنا أن نطالبهم بعلم الغيب أو السيطرة على مجرى القضاء، وليس للمؤرِّخ الذي يعيش في القرن العشرين فضلٌ في علمه بما انتهى إليه الأمرُ في القرن التاسع عشر؛ فإنه لو عاش مع أبناء القرن التاسع عشر لصنع كما صنعوا وتوقع الحوادث كما توقعوا، ولا بد من تقدير ذلك كله لفهم الحادثة كما وقعت وتقدير العاملين بمقدارهم الصحيح.

فإذا نظر المؤرخ إلى قيم الرجال بما جرى بعد زمانهم، فمثله مثل الناقد المسرحي الذي يطلب من الممثل أن يخرج من المسرح قبل تمام الفصل وتمام الحوار؛ لأنه — أي الناقد المسرحي — قد اطلع على خاتمة الرواية، فعرف ما ينتهي إلى الدور لو جرى إلى غاية مجراه.

وليس هذا النقد المسرحي ولا تلك العزلة التاريخية بالنموذج المطلوب لصحة التعقيب على الفن أو على التاريخ.

والأستاذ الرافعي قد عقب على الثورة العرابية وما قبل الثورة العرابية، فلام أناسًا لأنهم عملوا ولام أناسًا آخرين لأنهم لم يعملوا. ولم يدخل في حسابه قط أنهم يستطيعون أو لا يستطيعون.

والطريف من الأستاذ الرافعي خاصة أنه لا يحمل على العُرابِيِّين إلا حيث كانوا يتشددون غاية التشدد في مقاومة السيطرة الأجنبية والحملة على المُذْعِنين لتلك السيطرة خوفًا من العقبى، فما هو مذهب الرافعي اليوم في السيطرة الأجنبية؟! وما هو مذهبه في المجاراة والمداراة؟! وما هو مذهبه في تنفيذ الأوامر التي يمليها الأجانب من وراء ستار؟!

لا حاجة إلى الجواب فهو معلوم.

على أننا نحمد للرافعي إنصافه في مواقف كثيرة من الحوادث الأخيرة، تناول فيها الحُكْمَ المطلق والمساوئَ الوزارية بالحَيْدة الواجبة والإنصاف المحمود.

ومن مراعاة المقام أن نختتم هذا المقال في هذا اليوم خاصة بكلمة في الشهيدين ماهر والنقراشي عليهما رحمة الله؛ فقد أعطى التاريخَ حقَّه وأعطى الوطنيةَ حقَّها حين تكلم عن مصرعهما وعقب عليه قائلًا:

ليس من السهل ظهور رجال كثيرين من طراز ماهر والنقراشي؛ إن مواهبهما وصفاتهما وأخلاقهما وماضيهما في الجهاد وحوادث السنين وتجارب الأيام … كل أولئك كان له دخل في تمام تكوينهما واكتمال رجولتهما وبطولتهما، فمن أين لكثير من الرجال أن تتوافر لهم هذه المزايا كلها؟!

لقد آلمني وحزَّ في نفسي أن يلقى المجاهدان الشهيدان مصرعهما من أيدٍ مصرية، وهما اللذان طالما عرَّضا حياتهما للخطر واستُهْدِفا للموت في سبيل مصر والمصريين، فما أقسى تصاريفَ القدر! وما أقلَّ الوفاءَ في هذه الدنيا، وما أشدَّ ما يعبث الضلال بالعقول والأفهام …

نقول: وما أقوى الحقيقةَ! فإنها تُمْلِي على التاريخ أحكامَها، ولا تزال تُمْلِيها عليه، فإن لم تبرز كلُّها ناصعةً قاطعةً في زمن من الأزمنة، فهي خليقة أن تبرز بعد حين، فتنقشع عنها الغياهب ولا يبقى منها إلا الضياء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.