كان بلاءً حسنًا، وكان بلاءً سيئًا، هذا الذي أبلاه شيخٌ من شيوخ الأزهر، وصبَّه عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ أمس، فرَفَع كلمة الإسلام، وأعزَّ دين الله، ونشر لواء الحق ظافرًا منصورًا، وأظهر نور الله واضحًا باهرًا، لا يغشاه ظل ولا تُخفِيه ظُلمة، ولا يحول بينه وبين الناس غيم صفيق أو رقيق، ولكنه على هذا كله لم يصنع شيئًا، ولم يفد الإسلام قليلًا ولا كثيرًا.

كان بلاءً حسنًا حقًّا هذا الذي أبلاه أمس شيخ من شيوخ الأزهر، وصبه أمسِ عالم من علماء الدين على مجلس الشيوخ، وكيف لا يكون بلاءً حسنًا هذا الجهد العنيف الذي بذله الشيخ أمسِ، منذ ابتدأت الجلسة إلى أن خُتمت؟! فقام على المِنْبر يدعو إلى كتاب الله، ويذود عن كتاب الله، ويُلِحُّ في تحفيظ كتاب الله، ويُشفِق أن يضيع كتاب الله، والشيوخ يستمعون له أول الأمر، ثم لا يلبثون أن يضيقوا به شيئًا فشيئًا، ثم يستحيل هذا الضيق إلى تبرم، ثم إلى سخط، ثم إلى هياج، ثم إلى تفرق عن الشيخ وانسحاب من الجلسة، ويكون أول المُتفرقين والسابق بين المُنسحبين صاحب الفَضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر!

تبارك الله ما أثقل كلام الشيوخ على آذان الشيوخ! وما أضيق رجال الدين ببراعة رجال الدين! تبارك الله، ألَمْ يكن يجب لهذا المُجاهد الصادق في سبيل الله، ولهذا الخطيب الناطق بحجة الله، ولهذا البطل الذائد عن دين الله، ولهذا الفارس المدافع عن كتاب الله؛ ألم يكن يجب له شيء ولو قليل، قليل جدًّا من التشجيع والتأييد، يبذله له ويمده به صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر، الذي جعلت الظروف إليه حماية الإسلام، ورعاية حُرُماته، والدفاع عن القرآن والذود عن ذماره، ولكن شيخ الأزهر سَخِطَ وثار، ثم نهض فطار، وأسلم الشيخ الخطيب للتقريع والتأنيب، فجعل الشيخ يصول ويجول، ويسكت ويقول، ويقصر ثم يطول، والأعضاء من حوله بين مُقبل عليه، مضغٍ إليه، وبين مُعرض عنه نافر منه، حتى إذا بلغ به الجهد أقصاه، رفق به منهم رفيق، فدعا له بقدح من ماء شربه الشيخ؛ فعاد إليه النَّشاط، وقويتْ في جِسْمه حركة الحياة، فانطلق لسانُه وتدفَّق بَيَانُه وعَظُم سُلْطَانُه، وطَغَى سَيله، واشتد ويله، حتى صاح وزير التقاليد «وا غوثاه. وا غوثاه! أنحن في مدرسة من مدارس اللغة، أم في مجلس من مجالس التشريع؟!»

والشيخ يزأر ويهدر، ويضطرب ثم يستقر ويذكر المواضيع وصوابها الموضوعات، ويذكر المظاريف وصوابها الظروف، ويذكر الكيلومتر ويريد أن توضع مكانها الذراع، ويذكر مجانًا وصوابها بالمجان، ويذكر الجغرافيا وصوابها تقويم البلدان. ووزير التقاليد يسكت فيُطيل ويعتدل ثم يميل، ورئيس المجلس ينبِّه والشيخ لا ينتبه، وعضو من المجلس يهبط إلى الشيخ فيزعق الشيخ من وجهه زعقة ترتجُّ لها أنحاء المجلس: لأمضين في الكلام حتى الصبح، ويمضي ثم يمضي، وقد أخذ المجلسَ وجومٌ وتساقطت على المجلس هموم، ويرقى إلى الخطيب شيخ من رجال الدين، ثم آخر من رجال الدين … هذا يستعطفه، وهذا يستكفه عن القول، ولكن الشيخ لا يعطف ولا يكف، بل يمضي يا لها من جذبة روحانية رائعة بسطت سُلطان الشيخ على المَيدان حتى خلا من كل منازع.

ثم يقترح الشيخ تعديلًا لمادة من مواد القانون، ويريد الشيخ بهذا التعديل أن يفرض على أبناء المُسلمين جميعًا حفظ القرآن، ويأخذ الشيخ في الدعوة إلى الله، وفي إنْهَاض الهمم، وإثارة الحفائظ، وتنبيه الشعور، وإذكاء العواطف؛ فيستجيب للشيخ رجال ليس منهم صاحب الفضيلة مَولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر.

والشيخ ماضٍ في إنهاض الهمم والدعوة لله، ولو قد خُلِّيَ بين الشيخ وما أراد لظفر وانتصر، وأصبح حِفْظ القرآن كله فرضًا على أبناء المسلمين، ولكن الجلسة تُرفع ويخرج الرئيس ويتبعه الأعضاء، ويخرج الشيخ مع الخارجين، ثم يعودُ مع العائدين، ثم يؤخذ الرَّأي فإذا حفظ القرآن فرض كفاية لا فرض عين، يقوم به من أراد من المُسلمين كما أحب القانون، لا كل المسلمين كما كان يُريد الشيخ. والشيخ مُصِرٌّ على رأيه مُلِحٌّ فيه، ولكن الاتفاق قد تمَّ خارج الجلسة، وأَمِنَ المَجلس من أنْ يؤخذ على غرة.

وانتهى الأمر كما بدأ، وذهب جهد الشيخ الجاهد في غير طائل، وضاعت على المَجلس جلسة كاملة لو لم يشغلها الشيخ ببيانه الرائع ودفاعه البارع لأتيح للأعضاء أن يفرغوا لدرس القانون، وتمحيص طائفة من مواده كانت تحتاج إلى التمحيص، وكان نفرٌ من رجال التعليم الإلزامي قد أقبلوا ليَشْهَدوا المَجْلِس، ويسمعوا ما يُقال فيه حول هذا الموضوع ذي الخطر العظيم؛ فرأوا الشيخ وسمعوه، ولم يروا المجلس ولم يسمعوه، وإذا أبى الله توفيقه على بعض الناس دفعهم إلى الإغراق في الصمت أو إلى الإغراق في الكلام، فأضاعوا الحق وعطَّلُوا المنفعة بالأمرين جميعًا.

في هذه الجلسة عِبرة لمن أراد أن يَعتبر، ومَوعِظة لمن أراد أن يتَّعظ، ودرسٌ لمن أرَادَ أنْ يَفْهَم الدُّروس؛ فيها أنَّ الإغراق في الصمت كما كان يفعل شيوخ الأزهر مُضَيِّعٌ للحق مُعَطِّل للمنفعة، وأنَّ الإغراق في الكلام كما فعل الشيخ أمس مُضَيِّعٌ للحق معطل للمنفعة، وأن خير الأمور أوسطها، وأنَّ الإِسْرَافَ لا خير فيه مهما يكن مصدره، ومهما تكن غايته، ومهما يكن موضوعه.

وفيها أنَّ صاحب الفضيلة مولانا الأكبر شيخ الجامع الأزهر قد وقف أمس موقفًا لم يكن ينبغي له؛ فقد كان من الحق عليه، وعليه قبل أي إنسان آخر، أن يقول في هذا الموضوع كلمة رجال الدين فيُقِرَّ بها الأمر في نصابه، ويُبيِّن للمجلس طريقة واضحة جلية لا عِوج فيها ولا التواء، ولكن الشيخ راغَ وزاغَ وآثر الصمت، ثم آثر الانسحاب، ثم عاد مُؤْثرًا للصمت، فلا هو غاب عن الجلسة ولا هو شهدها فكان شهوده نافعًا مُفيدًا.

كان من الحق عليه أن يأخذ صاحبه بالصَّمت، وأنْ يُبين أنَّ الله عز وجل أرفق بعباده من أنْ يفرض عليهم جميعًا حفظ القرآن كله، وأنَّ الخير في أنْ تنهض بحفظ القرآن جماعة صالحة من المسلمين، كما أراد القانون، ولكنَّ الشيخ أشفق أنْ يجهر بهذا الحق فيتَّهَم بالتخذيل عن الدين، والتقصير في الذود عنه، وأشفق أن ينضمَّ إلى الشيخ فيغضب الوزير ويسخط أصحاب السلطان، وآثر الشيخ أنْ يقف موقفًا غريبًا أقل ما يوصف به أنه كان كما يقول القرآن الكريم: ()، كانت تنقصه الصراحة، والصراحة في الحق ألزم الأشياء لرجال الدين، وكانت تنقصه الشجاعة والشجاعة في الحق أوجب الأشياء على رجال الدين.

ولكن من ذا الذي ينتظر من مولانا الأكبر موقفًا غير موقفه؟!

وهل أخطأ الشاعر القديم حين قال:

وكتيبة لبستها بكتيبة

حتى إذا التبست نفضت لها يدي

لقد نفض الشيخ يده أمس فلم يبق فيها شيءٌ. أمَّا المَجلس فلم يكن موقفه أقلَّ غرابة من موقف الشيخ الأكبر، كان ضيِّقًا بالخطيب مُسرفًا في الصبر عليه، ولعله كانَ خائفًا منه، وكيف لا يخاف وهو يذكر الدين ويظهر الدعوة إليه، والشيخ الأكبر خائف يترقب لا يستطيع أن يُؤيد صاحبه ولا أن يخذله.

وكذلك مضى هذا القانون في غير درس ولا تمحيص؛ لأنَّ شيخًا من شيوخ الأزهر أراد أنْ يُظْهِر الغيرة على الدين؛ فأسرف فيما أراد، وأراد المَجْلِسُ أنْ يَصْبِرَ عليه فأسرف في الصبر، وضاعت مصالح الناس بين انتفاش الشيخ وانكماش المجلس؛ فاللهم اهد القومَ إلى حُسن القصد في تقدير الأمور.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.