الآن رقت القلوب، وكانت غلاظًا لا ينفذ منها شيء، والآن دقت الحواس، وكانت صفاتًا لا يؤثر فيها شيء. والآن استيقظ العدل، وكان نائمًا مغرقًا في النوم. والآن أصبح الظلم بغيضًا، وكان محببًا في النفوس، والآن أصبح الجور مرًّا، وقد كان حلوًا يستلذ ولا يقضى الكلف به، والميل إليه، والتهالك عليه.

والآن أصبح دعاة الظلم يستغيثون من ضحايا الظلم، وأصبح الذين نشروا الجور في الأرض وأقاموا صرحه شاهقًا في السماء، يستغيثون من الذين صبَّ عليهم الجور صبًّا، وبسط عليهم العذاب بسطًا. والآن أصبح أصدقاء الإجرام يستغيثون من الذين وقع عليهم الإجرام. والآن أصبحت ضمائر هؤلاء الناس متحرجة تعرف أنَّ في الأرض خيرًا يجب أنْ يبتغى، وشرًّا يجب أنْ يتقى، وأنَّ السلطان يستطيع أنْ يغيث إذا استغيث به، وأنْ يستجيب إذا دعي، وأنْ يحمي اللاجئين إليه. والآن أصبح الذين يسمون أنفسهم شعبيين يشعرون بأنهم قد يتعرضون للخوف، وبأن لهم على السلطان حقوقًا في الحماية فهم يتقاضونها منه، وهم يتقاضونها في جراءة، إنْ صورت شيئًا فإنما تصور ضعف عاطفة الحياة في نفوس هؤلاء الناس. الله يشهد ما نريد بهم شرًّا؛ فهم أهون من أنْ نريد بهم الشر. والله يشهد ما ندبر لهم كيدًا؛ فهم أحقر من أنْ ندبر لهم الكيد. والله يشهد ما نغري بهم أحدًا؛ فهم أيسر من أنْ نفكر في الإغراء بهم أو التحريض عليهم. والله يشهد ما نكتب احتفالًا بشكاتهم حين شكوا، واستغاثتهم حين استغاثوا؛ فهم أدنى من أنْ يحفل بهم حين يشكون أو حين يستغيثون. والله يعلم ما نكره للسلطان أنْ يحميهم؛ فقد أصبحوا ضعافًا يخافون الظلال، بعد أنْ كانوا قساة لا يرعون شيئًا ولا يخافون شيئًا. الله يشهد ما نكتب لهم ولا نكتب عنهم؛ فهم أهون على الناس، وأهون على أنفسهم وأهون علينا من أنْ نكتب لهم، أو نكتب عنهم. إنما نكتب ليرى الناس موضع العبرة فيما انتهت إليه الأمور في مصر. إنما نكتب ليرى الناس موضع العظة فيما تكشفت عنه الحوادث من النتائج والآثار. هؤلاء قوم لما يكونوا يعدلون عند أنفسهم، ولا عند الناس، ولا عند الله شيئًا، جمعهم الإبراشي باشا وصدقي باشا من كل مكان، واستخرجاهم من كل زاوية، واستلَّاهم من كل جحر. ثم جمعاهم في مكان قد هيأاه لهم، وقالا لهم: كونوا رجالًا فكانوا، ثم قالا لهم: كونوا حزبًا فكانوا، ثم قالا لهم: اتخذوا لأنفسكم هذه الصحيفة التي نخلقها لكم خلقًا، وننشئها لكم إنشاء، وننفق لكم عليها من أموال لا تعرفون من أين تأتي، ولكنا نحن نعرف من أين تأتي. لا تتكلفوا جهدًا، فسنحتمل عنكم كل جهد، ولا تنفقوا مالًا فسننفق عنكم كل مال، بل سننفق عليكم أنتم من المال ما تقدرون وما لا تقدرون. لا تخافوا فسنؤمنكم من كلِّ خوف، ولا تعملوا فسنريحكم من كل عمل. حسبكم أنْ تنطقوا إذا أنطقناكم، وحسبكم أنْ تسكتوا إذا أسكتناكم. حسبكم أنْ تتحركوا إنْ جذبنا الخيط، وحسبكم أنْ تسكنوا إنْ أرسلنا الخيط. إنما نريد منكم أنْ تكونوا صورًا متحركة، وتماثيل تخدع الناس عن نفسها بما تتكلف من عمل وقول، على حين لا تعمل ولا تقول. أجيبوا إلى ذلك! فإذا أجبتم لكم ما تشتهون: لكم أنْ تصبحوا سادة الأرض؛ تخضع لكم الإدارة، ويذعن لكم المديرون، تعفون من كل تكليف، وتفرضون على غيركم ما شئتم من تكليف، وإنْ أبت القوانين أنْ تمتازوا، وتُسْتَثْنَوْنَ وإنْ أبى الدستور أنْ تُسْتَثْنَوْا. تصبحون في ظاهر الأمر كلَّ شيء، وإنْ لم تكونوا في حقيقة الأمر شيئًا. كذلك قال الإبراشي باشا وصدقي باشا لهؤلاء الناس، وكذلك استمع هؤلاء الناس وآمنوا واستكانوا لهذين الرجلين. وكذلك بدئ التمثيل الذي اتصل أعوامًا؛ عبث كان خليقًا أنْ يُضحك، ولكنه انتهى إلى الألم اللاذع والحزن الممض، عبث كان خليقًا أنْ يُلهي، ولكنه أحدث من الجرائم ما حرَّم اللهو على هذا الشعب، حتى تُرد له حقوقه الضائعة، وتُرعى له حرماته المنتهكة، ويرفع عنه هذا الذل الثقيل. لقد كان هؤلاء الناس وأدواتهم من رجال الإدارة وجنود الشرطة يبسطون على أبناء الشعب، من ألوان الظلم والجور ما يَخزى له كل إنسان يجري في عروقه دم. وكانت الشكوى محرمة على أبناء الشعب، وكانت الاستغاثة محظورة على أبناء الشعب، وكانت النيابة ممنوعة من الاستماع لأبناء الشعب إذا شكوا، والاستجابة لهم إذا استغاثوا. وكان القضاة معرضين لغضب السلطان ونقمته إنْ عاقبوا الظالم وأنصفوا المظلوم. ولقد حدثنا المحدثون الصادقون أنَّ الرجل من أبناء الشعب الأبرياء كان يؤخذ إلى دار الشرطة في بعض المدن، فيصب عليه العذاب صبًّا، وتعبث في جسمه السياط عبثًا، وتنفجر الدماء من عروقه فتخضب جسمه الممزق، وهو يصيح ويستغيث وأبناء الشعب يصيحون ويستغيثون، والعذاب يصب ويصب، والسياط تعبث وتعبث، ورئيس الشرطة يرى ويسمع، ويجد فيما يرى ويسمع لذة مجرمة. ولقد رأى رجل من اليونانيين منظرًا كهذا في مدينة القيسي باشا، فانفطر الأجنبي حزنًا على هذا المصري الذي كان يعذبه المصريون، وثار ضميره الأجنبي غضبًا لهذا المصري الذي كان يهينه المصريون، وذهب إلى النيابة يستعديها ويستنجدها، فلم تستطع النيابة أنْ تسمع له؛ لأنها كانت مأمورة ألَّا تفعل. ومضى الرجل المسكين يحتمل العذاب، ومضى أبناء الشعب المساكين يستغيثون، وعاد الرجل الأجنبي يدق يدًا بيد، وقد عجز عن أنْ يصنع لهؤلاء البائسين شيئًا. وفي أثناء هذا كان الطغاة في القاهرة ينعمون بالحياة، ويستعذبون الطغيان، ويفيضون على صورهم المتحركة وتماثيلهم الناطقة فضل ما رزقهم الله. وكانت هذه الصور المتحركة والتماثيل الناطقة تثني وتغلو في الثناء، وتحمد وتغرق في الحمد، وتعلن أنَّ العدل القائم وأنَّ الإنصاف ميسر، وأنَّ النظام مستقر، وإنْ ظلَّ الأمن مبسوطًا. وكان ضمير صدقي باشا وخليفته، وكانت ضمائر القيسي باشا وأعوانه مطمئنة راضية، لا تنغص على أصحابها يومًا ولا تؤرقهم إذا كان الليل. فالآن، نعم الآن، وقد رفع هذا الشر عن الشعب، الآن وقد هزت جماعات من الشعب بحجر هؤلاء الناس، تدعو بحياة العدل وأصحابه، وبسقوط الظلم ودعاته، الآن يخاف هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في أنْ يخيفوا الناس، الآن يستغيث هؤلاء الناس، وقد كانوا يجدون اللذة في ألا يغيثوا أحدًا، وقد كانوا يجدون من الإثم أنْ يغاث المستغيث وينصف المظلوم، الآن يجد هؤلاء الناس من الجراءة ما يبيح لهم أنْ يطالبوا رئيس الوزراء بحمايتهم، وأنْ يحملوه تبعة المظاهرات! فمالهم لم يحتملوا إذن تبعة الجرائم التي اقترفوها، والآثام التي استعذبوها؟! وما بال الذين يجلبون المظاهرات البريئة لم يخافوا من سفك دماء الشعب، واستصفاء أمواله، وانتهاك حرماته، وتضييع حقوقه، وإهدار منافعه؟!

ليحمهم رئيس الوزراء وإنْ كانوا لا يتعرضون لخطر، وليقم رئيس الوزراء حول دارهم حراسًا، وإنْ كانت دارهم لا يخاف عليها الاقتحام.

ليُقم رئيس الوزراء جنودًا وشرطة حول دار هؤلاء الناس؛ حماية لهم من الوهم، وحراسة لهم من الخيال. ولينظر المصريون إلى هذه الشرطة وإلى هذا الجند، فلعلهم يذكرون دارًا أخرى كان يقوم الجند والشرطة من حولها؛ لا حماية لها بل حماية منها، ولا خوفًا عليها، بل بغيًا عليها.

نعم قد يذكر المصريون بيت الأمة الذي أقام صدقي وخلفاؤه من حوله جنودًا لم ترسل للحماية، وإنما أرسلت للكيد، وقد رد الله الكيد إلى نحور صدقي وخلفائه، فأصبحوا يستغيثون ويستجيرون، ورئيس الوزراء خير من يستجيبهم إلى ما يطلبون من الغوث والجوار.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.