على أثر تأليف لجنة إصلاح الأزهر والمعاهد الدينية في عهد وزارة ثروت باشا الأخيرة، تطلعت الأنظار من كل ناحية ترجو أن تعرف ماذا عسى أن تقوم به اللجنة المذكورة، وأي القواعد يمكن أن تضع عليه ذلك الإصلاح، تطلعت الأنظار بشيء من الرجاء المقرون بالخوف؛ لأن محاولات إصلاح هذه المعاهد تعددت منذ أكثر من ربع قرن من الزمان، ولم يكن نصيب أية محاولة منها أن تصل إلى موضع المرض المطلوب علاجه والضعف المراد إصلاحه في هذه المعاهد، بل كانت كل محاولة منها تنقصها الجرأة دون التوجه مباشرة لموضع المرض فتكتفي بالمسكنات تصفها علاجًا، وهيهات أن تصلح المسكنات إلا مؤقتًا لتهدئة حالة حادة تنشأ عن مرضٍ من الأمراض من غير أن تعالج المرض نفسه في شيء.

على أن اللجنة التي تألفت في عهد وزارة ثروت باشا الأخيرة لم تقم بشيء من العمل الجدي في المهمة الخطيرة التي ألقي بها عليها، ولم يكن ذلك منها إحجامًا عن أن تضطلع بعبء المهمة ولا فرارًا من مواجهة حالة خافت من مواجهتها من قبل لجان ولجان، ولكن الظروف السياسية التي انتهت إلى استقالة وزارة ثروت باشا، ثم إلى تعيين وزارة النحاس باشا؛ جعلت الجو الذي يمكن أن تعمل فيه لجنة إصلاح المعاهد الدينية جوًّا تعلوه السحب الكثيرة، فلا تستطيع لجنة مكلفة بمهمة خطيرة كمهمة إصلاح المعاهد الدينية أن ترجو فيه لمقترحاتها كثيرًا من النجاح برغم ما رسم القرار الذي صدر بتشكيلها من قواعد هذه المهمة وأسسها، وما بيَّن من سبيل إصلاح المعاهد حين أشار بوجوب النظر إليها كمعاهد مهمتها الأولى دراسة العلوم الإسلامية وعلوم اللغة العربية، وحين أشار بوجوب البحث في طريق فتح أبواب العمل في الحياة للذين يؤمونها.

وقد تجدد الاهتمام بالمعاهد الدينية وإصلاحها منذ ولي الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي مسند مشيخة الأزهر، فالأستاذ المراغي رجل يدرك حاجات العصر الذي نعيش فيه ويقدرها بخير مما يدركها ويقدرها كثيرون غيره من جلة شيوخ الأزهر، ثم إن لديه إلى جانب هذا الإدراك والتقدير فضيلةً أخرى؛ هي الإقدام على الاضطلاع بالتبعة بالغة ما بلغت من الجسامة ما دام يؤمن بما يترتب عليها من خير عام، وليس ريب في أن الآراء التي يبديها فضيلته في شأن إصلاح المعاهد الدينية ستكون لذلك ذات الأثر الأكبر عند لجنة إصلاح هذه المعاهد وعند ذوي الشأن من السلطات المختلفة التي تلقي عليها أعباء التمهيد لتنفيذ هذا الإصلاح، وهذا هو ما لفت الأنظار من جديد إلى مسألة إصلاح المعاهد الدينية، وهو ما لفتها إليه بصفة جدية.

وقد يكون من سبق الحوادث سبقًا لا مبرر له أن تدخل الصحافة في تفاصيل إصلاح ما تزال قواعده العامة نفسها موضع أخذ ورد، لكنَّا ما نظن سبقًا للحوادث في شيء أن نتحدث وأن يتحدث غيرنا عن هذه القواعد والأسس العامة بما قد يهيئ الجو ويمهد السبيل للإصلاح المنشود، ولعل أول ما يستوقف النظر من أسس الإصلاح هي الغاية التي ترمي المعاهد الدينية اليوم إليها، والغاية التي يجب أن ترمي هذه المعاهد إليها.

ولعل الأزهريين ورجال المعاهد الدينية هم أول الناس رفعًا لأصواتهم بالشكوى من أن المعاهد الدينية لا ترمي اليوم إلى غاية معينة، بل ولا إلى غاية معروفة، وأنها بلغ بها من إبهام الغاية أنك إذا نظرت إلى كل أبواب العمل العام التي يمكن أن تؤدي هذه المعاهد إليها وجدتها موصدة أمامها، بل وجدتها أكثر من موصدة، فهذا القضاء الشرعي الذي كان في وقت من الأوقات مُتطَلَّع أنظار المتفوقين من رجال الأزهر قد أوصدت أبوابه أو كادت في وجه رجال المعاهد الدينية، وأصبح متخرجو مدرسة القضاء الشرعي مفضلين عليهم في كثير، وهذه أبواب التعليم على مختلف درجاتها قد أغلقت تمامًا في وجه متخرجي المعاهد الدينية، وبلغ من ذلك أن أبواب التعليم الأولى نفسها، وهي ما تزال واسعة وما يزال هذا التعليم بحاجة إلى المئات والألوف من المدرسين؛ بلغ من أمر القائمين بشئون هذا التعليم الأولي أن ينظروا إلى الذين يتقدمون للتدريس فيه من رجال الأزهر والمعاهد الدينية بعين فيها من الريبة شيء كثير، وما سوى القضاء والتعليم هي بالنسبة لرجال المعاهد كالقضاء والتعليم سواء بسواء، من حيث إغلاقها أبوابها في وجوههم. ومن العبث أن نحاول مناقشة ما إذا كان هذا الحكم الذي حكمه من يتولون أمر القضاء والتعليم وغيرهما حكمًا مطلقًا أو غير مطلق في عدله، فكلهم يقيمونه على التجارب الكثيرة التي قاموا بها، والتي دلتهم على أن التعليم في المعاهد الدينية على صورته الحاضرة أصبح لا يتفق في شيء مع حاجات العصر الحاضر، وإذن فلا بد من تغيير نظام هذا التعليم من أساسه إذا أريد أن يستفيد العصر الحاضر أو العصور التي تخلفه من الرجال الذين ينشأون في تلك المعاهد.

هذا كلام يقوله لك الأزهريون أنفسهم قبل أن نقوله نحن أو يقوله غيرنا لك، ومعناه الصريح أن التعليم في المعاهد الدينية قاصر اليوم دون تخريج من تحتاج إليهم الحياة العملية، وأن الذين يتعلمون في هذه المعاهد لا يستطيعون لذلك أن ينافسوا الذين يتعلمون في المدارس الأخرى في أسباب الحياة، ولا يستطيعون لذلك أن يطالبوا عدلًا بمساواتهم بهم إلا إذا أصلحت معاهدهم إصلاحًا يسلحهم للحياة بخير من هذا التسليح الحاضر.

ولسنا نريد أن نذكر حكم الكثيرين على تعليم المعاهد الدينية في حسن تحقيقه أو عدم حسن تحقيقه للغاية الدينية العليا نفسها، ولا أثره في الذين يتخرجون من هذه المعاهد ومقدرتهم على الدفاع دفاعًا مجيدًا عن هذا الدين القيِّم بما يزيده تثبيتًا في نفوس أهله وانتشارًا في مختلف الربوع. ولسنا نريد كذلك أن نذكر حكم الكثيرين على تأثير تعليم المعاهد الحاضرة في ميول المتخرجين منها بإزاء الحياة وزخرفها، ويكفينا في هذا الصدد أن ننقل آراء سمعناها غير مرة من بعض أصحاب الفضيلة أنفسهم:

فكثيرون من حضراتهم يرون أن تطورات الحياة الاقتصادية وانتقال مستوى المعيشة العامة قد جعل رجال المعاهد الدينية كغيرهم من الناس يطمعون في حظ من ترف الحياة لم يكن أسلافهم يفكرون فيه من قبل، وهؤلاء الأسلاف لم يكونوا يفكرون فيه لأن نوع الحياة العامة كان قريبًا من نوع حياتهم، فلم يكن إلا ذوو الحكم والسلطان هم الذين ينعمون بشيء من الترف لا يفكر فيه سواهم حتى من الأغنياء وذوي المال والجاه، ولأن ما كان السواد يخلعه على رجال الدين من احترام يدعو هذا السواد للتبرك بهم والتماس دعواتهم كان يعوض رجال الدين هؤلاء عن كثير مما يراه غيرهم ألونًا من الحرمان، أما اليوم فالترف شائع بين طوائف كثيرة يرى رجال المعاهد الدينية — طلبة ومعلمين — أنهم ليسوا أحق منهم بالمتاع به، ثم إن هذا العوض من الاحترام الذي يبلغ التقديس قد نقص حتى كاد يعتبر عند كثيرين قد زال، أضف إلى هذا أن نظرة كثير من الطوائف إلى رجال المعاهد بغير عين الاحترام الواجبة لهم تدعو هؤلاء الرجال إلى منافسة لم يكونوا يفكرون من قبل فيها، ورغد الحياة وبُلَهْنِيَةُ العيش بعض أدوات هذه المنافسة.

وسبب آخر لا يأبى المتحدثون من أصحاب الفضيلة أن يذكروه؛ ذلك أن الكبراء من المشايخ كانوا في الماضي مثال الورع والزهد في زخرف الدنيا وباطلها، وكان ورعهم وزهدهم سبب تقديس الناس لهم، فلقد كان يكفي الواحد منهم ما لا يكاد يقيم حياته إلا مع كثير من القناعة، ثم هو مع ذلك أشد الناس زهدًا فيما في يد الناس، وأشد من ذلك زهدًا في أن يطمع من حطام الدنيا في شيء، أما اليوم فقد صار للكبراء من المشايخ مرتبات ضخمة وريع كبير، وليس طبيعيًّا أن يظل المرءوسون في ضنك من العيش حتى يصلوا إلى هذه الوظائف القليلة العدد لينفسح لهم باب الحياة واسعًا على مصاريعه جميعًا، فلا بد إذن من درجات في سلم الترقي يجعل بين كبار المشايخ ومَن دونهم في الدرجة نِسبًا في أسباب العيش التي لم تعد تعرف الزهد إلا على أنه نوع من أنواع العجز لا يرضاه إلا مضطر ولا يتعفف عنه إلا من لا يجد إلى غيره الوسيلة.

ويقول أصحاب الفضيلة أيضًا: ليس من صلة محتومة بين الزهد البالغ حدود التقشف، وبين التبحر في العلم الديني، وإذا كان الفحول في العلم وفي التوحيد قد انقطعوا في الماضي عن الدنيا وزخرفها، وكانوا ما يزالون اليوم بعيدين عن هذه المطامع التي تحرك الأكثرين، فإن ما تقتضيه حياة الناس اليوم من نفقات لم تكن معروفة في الماضي يجعلهم أكثر تيسرًا للانقطاع إلى العلم إذا لم يصرفهم عنه صارف من مشاغل التحصيل لأهلهم وذويهم. ثم إن الذين ينقطعون للعلم وللتبحر فيه لم يكونوا يومًا من الأيام في الشئون الدينية وفي الشئون الدنيوية إلا عددًا محصورًا، فإذا فرضنا أن كان لهؤلاء عن متاع الدنيا غنًى فالألوف المؤلفة ممن يطلبون العلم في المعاهد الدينية ليسوا من طراز هؤلاء الأقلين، بل هم كالذين يطلبون العلم في المعاهد الأخرى سواء بسواء يرتجون في الحياة رزقًا حسنًا، ويتطلعون إلى العيش رغدًا ولو نسبيًّا إذا لم يتح لهم رأيت منهم للحياة وللجمعية الإنسانية مثل هذا التجهم الذي تراه لدى طلاب المعاهد الدينية اليوم.

وأحسب أن وضع مسألة إصلاح المعاهد الدينية بهذه الصراحة التي سمعناها من جماعة غير قليلين من أصحاب الفضيلة أدنى إلى توفيق المفكرين إلى التوجه نحو الإصلاح توجهًا صحيحًا، والمسألة على ما رأيت تتلخص في مسألتين: الأولى التعليم في المعاهد الدينية اليوم لا يبعث إلى نفوس القائمين بشئون الحكم من الثقة ما يجعلهم يفتحون أبواب العمل المختلفة أمام متخرجي المعاهد الدينية. والثانية، وهي متفرعة عن الأولى، أن هؤلاء يجب أن يسلك بهم في سبيل يفتح لهم تلك الأبواب وييسر لهم سبل العيش، ويجعل لمن يريد منهم الانقطاع للتبحر في العلوم والمباحث الدينية الوسيلة لهذا التبحر، من غير أن تصرفهم عنه صوارف العيش.

وأحسب أن التفكير في هاتين المسألتين تفكيرًا صريحًا يمهد لحل المشكلة المعقدة التي لم يواجهها أحد مواجهة صحيحة منذ أكثر من ربع قرن من الزمان؛ مشكلة إصلاح المعاهد الدينية، وإذا جاز لنا أن نلقي ببعض الأفكار المبدئية في الموضوع فإنَّا نعتقد أن السبيل لحل هاتين المسألتين حلًّا منتجًا إنما هو سلوك طريقة التعليم الدنيوي، أو التعليم العلمي بتعبير أصح، في المعاهد الدينية. وإذا كان الإسلام دين فطرة ودين تفكير وعقل فإن سلوك هذا السبيل لن يزيد علماءه إلا قوة فيه ومتانة حجة في الدعوة إليه وتأييده، ثم إن سلوك هذا السبيل يقطع الحجة على الذين ينظرون إلى المتخرجين من المعاهد الدينية نظرة خاصة، إذ يرى فيهم يومئذٍ متكافئين في معارفهم العامة مع المتخرجين من المعاهد الأخرى، فإذا هم تخصصوا بعد ذلك في المسائل الدينية من فقه وكلام وأصول وغيرها فذلك كما يتخصص رجال الحقوق في الحقوق ورجال الطب في الطب، وسيكون لهم من تخصصهم في المسائل الدينية يومئذٍ ما يزيدهم احترامًا وإعزازًا يعيد إليهم مكانة التقديس السابقة.

ولن يكون سلوك هذا السبيل مثارًا لأي اعتراض من أي جانب، فقد بدأت المعاهد الدينية سلوكها بالفعل منذ سنوات، ولكنها بدأت سلوكها على استحياء وفي شيء من التردد، فهل ترانا ندرس بعض اللغات الأجنبية القديمة أو الحديثة المتصلة باللغة العربية أو غير المتصلة بها من غير أن يثير ذلك حولنا أية ضجة؟ وهل ترانا ندرس العلوم العصرية على الطريقة العصرية من غير أن ينتقض علينا المشايخ الأقدمون انتقاضًا قد يكون أدنى إلى الثورة منه إلى أي معنًى آخر؟ وهل ترانا … إلخ. ونحسب فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يرى معنا أن كل تردد وكل اضطراب في إصلاح جوهري يراد إدخاله على معاهد تنتظم الألوف من الطلاب كالمعاهد الدينية في مصر لن يكون من أثره إلا إفساد هذا الإصلاح من أساسه، وإذا كانت فترة الانتقال بين الإصلاح الجديد الذي يقوم على الأساس الذي بيَّنا وبين وقتنا الحاضر ستثير بعض العواطف وتتأثر بها بعض المصالح فإن السبيل إلى تسكين العواطف الثائرة والمصالح المتأثرة أهون ألف مرة من ترك الفساد يتسرب إلى نفوس هذه الألوف المؤلفة من أبناء هذه الأمة، وأهون ألف مرة من أن يصل هؤلاء الألوف بعد زمان طويل ليجدوا الطريق أمامهم للحياة وعرًا وليجدوا أسباب العيش الصالح مقفلة في وجوههم.

وإذا كانت الخطوة التي يجب أن نخطوها لنسوي في حدود الممكن بين التعليم الابتدائي والثانوي في المعاهد الدينية، وبين التعليم الابتدائي والثانوي في معاهد التعليم الأخرى؛ فيها شيء من الجرأة، فهي لا يعز على من كان في فطنة فضيلة شيخ الأزهر وذكائه، فإن تسكين العواطف الثائرة في غير سبب صحيح للثورة، وتسكين المصالح المتأثرة بعض التأثر لا يحتاج إلى مثل هذه الجرأة ولا إلى قليل منها.

وإن لنا في فضيلة الأستاذ المراغي من جليل التقدير ما يجعلنا مطمئنين إلى أنه لا بد سيفكر في المسألة على هذه القاعدة التي نقترح تفكيرًا جديًّا، حتى إذا انتهى فصل الإجازات الحاضر وجاء الوقت الذي تقر فيه لجنة إصلاح المعاهد الدينية رأيها بصفة نهائية حتى يُمهد لتنفيذه بمعرفة السلطات المختصة لم تكن اللجنة بحاجة لغير مراجعة ما صنعه فضيلة الشيخ لتقره ولترفع تقريرها وليجري إصلاح المعاهد الدينية بخطى سريعة تنقذ أهلها مما يشكون اليوم منه، وتبعث إلى البلاد نشاطًا هي بأشد الحاجة إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Iqbal Ibn Daud ·٩ يناير ٢٠١٥، ٩:١١ ص

    لا إصلاح لمؤسسة أو في مؤسسة الأزهر الشريف بدون إصلاح الإدارة، وأن تكون بالبيعة (= الإنتخاب) لا التعيين والتنصيب، وبدون شورى. المؤسسة جزء من الدولة، والدولة لا تكون إلا بنفس الطريقة: البيعة والشورى، لا بالقوة الإقتصادية والإنقلاب العسكري.