تعاني الإنسانية من الشرور والكوارث أهوالًا لا حصر لها، وبعض هذه الشرور من عمل الإنسان في الحروب، وبعضها من ثورة الطبيعة بالإنسان حين تهيج البراكين، أو تطغى الفيضانات، أو تشتد العواصف، أو تنتشر الأوبئة. وكلما نزلت بالإنسانية كارثة من هذه الكوارث أسرعت جمعيات الصليب الأحمر أو جمعيات الهلال الأحمر للتخفيف من ويلاتها، ولتضميد جراح الإنسانية وتسكين آلامها.

وقد ازداد الناس شعورًا بما يصيب إخوانهم من أهوال هذه الكوارث بعد أن قرَّبت المواصلات وقرَّبت الإذاعة ما بينهم، وجعلتهم يعيشون في أرجاء هذا العالم المختلفة وكأنهم يعيشون في وطن واحد أو في أمة واحدة؛ لهذا أصبح ضمير الإنسانية أكثر يقظة لما يقع في كل بقعة من بقاع الأرض، وأشد حرصًا على مد يد المعونة لمن تصيبهم الشرور والكوارث.

وهم أشد في هذا العصر حساسية؛ لأن الكوارث التي تنزل بالإنسانية من جراء الحرب وثورات الطبيعة تكاد تكون متصلة تنتقل في أرجاء المعمورة من مكان إلى مكان، ولا تذر الإنسانية مطمئنة إلى سكينتها أبدًا.

وها نحن أولاء ولمَّا تنقضي على نهاية الحرب العالمية الثانية عشر سنوات قد شهدنا حرب كوريا وحرب الهند الصينية، ونشهد اليوم بما يقع بين الصين الوطنية والصين الشيوعية من مناوشات تهدد بحرب نرجو أن يلهم الله الساسة حتى لا تندلع نارها.

وفي هذه السنوات العشر حدث في أرجاء أوروبا، وفي مصر، وفي آسيا وأميركا، وفي سائر بلاد العالم من هياج البراكين، ومن الفيضانات والأوبئة، ومن كوارث الطبيعة ما لا يكاد ينتهي في مكان حتى يثور في مكان آخر.

وقد كان الصليب الأحمر وكان الهلال الأحمر ملائكة رحمة وبر بالإنسانية في هذه الحروب والكوارث جميعًا، ولولا عناية الصليب الأحمر وما يبذله من جهود جبارة وما يخاطر به رجاله وأنصاره لإنقاذ المحاربين ومن تصيبهم شرور الطبيعة لتفاقم ما تجره هذه الكوارث من خطوب؛ فقد عرف الناس منذ القدم أن الحرب تجر في أذيالها الأمراض والأوبئة التي تنتشر انتشارًا واسعًا، وتعاني الشعوب المختلفة منها آلامًا مبرحة، وكذلك كان الحال إذ تثور الطبيعة بالناس وتضعف مقاومتهم بسبب ما يعانونه من جوع وعري وبؤس. وقد خففت مجهودات الصليب الأحمر والهلال الأحمر هذه الشرور وكبحت جماحها، وحالت دون سعة انتشارها وفتكها الذريع بالإنسانية.

وإنما استطاع الصليب الأحمر والهلال الأحمر أداء هذه الخدمات الجليلة للإنسانية بفضل أناس أخلصوا وجههم لخدمة بني إخوانهم، وسموا فوق الأنانية الذاتية والأنانية القومية، ووهبوا قلوبهم في صدق وإخلاص لإنقاذ بني الإنسان، أيًّا كان وطنهم وجنسهم ولونهم وعقيدتهم، مواطنين كانوا أو أعداء، من آلام لا فائدة منها ولا مسوغ لها. والذين يعرفون شيئًا عن الصليب الأحمر يذكرون كيف قام مسيو «دونان» وأصحابه في جنيف خلال القرن الماضي فأنشئوا الصليب الأحمر، وبذلوا غاية الجهد عند الدول المختلفة لتعترف بالحقوق الإنسانية للمحاربين وللمدنيين أثناء الحرب، وبأن كل من لا يشترك في الحرب بالفعل يجب أن يكون بمنجاةٍ من شرورها، وبفضل هؤلاء الرجال ذوي القلوب الكبيرة، وبفضل مروءتهم ومجهوداتهم لدى الدول أمكن توقيع اتفاقات جنيف منذ سنة ١٨٦٤، ثم أمكن تعديل هذه الاتفاقات بعد ذلك تبعًا لتطور وسائل الحرب، وأمكن بذلك تخفيف شرور الحرب إلى حدٍّ كبير.

ولا يتسع المقام في هذه الكلمة للحديث عن اتفاقات جنيف وبيان أثرها في نشاط الصليب الأحمر ومنشآته أثناء الحروب، لكن هذه الاتفاقات قد أتاحت لتلك الهيئة العالمية الإنسانية المستقرة في سويسرا أن تكون لها فروع في بلاد العالم المتحضر جميعها، وأن تتعاون هذه الفروع مع الهيئة الرئيسية في جنيف للقيام بالأعمال الإنسانية الجليلة التي أخذها الصليب الأحمر على عاتقه، وأن تنهض إبان الحرب وإبان السلم بمجهوداتٍ سامية غاية السمو، فتعيد المغتربين إلى أوطانهم، وتضمد جراح المنكوبين، وتبذل المساعدة لكل محتاج إليها بما يخفف عنه ألمه وبلواه.

وفروع الصليب الأحمر المنتشرة في أرجاء العالم المتحضر مظهر من مظاهر التعاون الإنساني في سبيل البر والرحمة، وهذا التعاون مقدمة صالحة لتعاون دولي أوسع نطاقًا. وأحسبني لا أبالغ إذا قلت: إنه من خير المجهودات التي تبذل في عهدنا الحاضر لمنع الحرب. وإذا كانت الأمم المتحدة من جانبها تبذل جهدًا مشكورًا لهذه الغاية، فإن ما يبذله الصليب الأحمر لا يقل قدرًا عن مجهود الأمم المتحدة؛ فالصليب الأحمر يخاطب القلوب والعواطف إذ يضع يد الإنسانية على الجراح الدامية التي تئن منها بسبب الحرب، أما الأمم المتحدة فتعالج المشكلة من ناحيتها السياسية، والناحية السياسية لا تمس قلب الإنسانية كما تمسها الآلام التي تحس بها كل أم أصيب ابنها، وكل زوج أصيب زوجها، وكل أخت أصيب أخوها. وما أكثر هؤلاء! وما أعظمهم أثرًا حتى في نفوس الساسة الذين لا يقيمون للعاطفة كبير وزن!

لست أتوقع أن تؤتي جهود الأمم المتحدة أو جهود الصليب الأحمر لمنع الحرب ثمراتها عما قريب، فلا تزال الحرب ناشبة أو تهدد بالنشوب إلى وقتنا الحاضر، وقد شهد هذا القرن الحاضر منذ بدايته سلسلة لم تنقطع من الحروب كان بعضها محليًّا في جنوب أفريقيا وفي الشرق الأقصى وفي البلقان وفي كوريا وفي الهند الصينية، وكانت اثنتان منها عالميتين عانت الإنسانية ويلاتهما عشر سنوات كاملة. أما وذلك هو الواقع، أما ونحن لا نستطيع أن نتنبأ بالمستقبل وما يتمخض عنه من حرب أو سلام؛ فإن الواجب الإنساني الذي يضطلع به الصليب الأحمر لخدمة الناس جميعًا، ولتخفيف ويلات المنكوبين سيبقى وسيظل له جلاله، وسيكون على هذه المؤسسة العالمية أن تضاعف جهودها في المستقبل لتخفيف آلام الحروب.

ولو أن القدر استجاب للذين يدعون لإنهاء الحروب لما أعفى ذلك جمعية الصليب الأحمر من رسالتها الإنسانية؛ فما تنزله الطبيعة بالناس من كوارث لم يمنعه الدعاء فيما مضى، ولا أحسب الدعاء ينفع في المستقبل لدرء غوائل هذه الطبيعة العاتية التي لا تستجيب لدعاء، ولا تُعنى في قليل ولا كثير بعواطف بني الإنسان. ستبقى البراكين تثور، والأنهار تفيض، والعواصف تشتد، والأوبئة تنتشر إلى أن يستطيع العلم التغلب على ذلك كله أو بعضه، أو يستطيع التخفيف من آثاره المدمرة، وإلى يومئذٍ ستبقى الإنسانية تعاني من الطبيعة وكوارثها؛ ما يحتاج إلى جهود الصليب الأحمر في أرجاء العالم المختلفة؛ لهذا كانت مهمة الصليب الأحمر مهمة دائمة في حدود ما يستطيع الإنسان أن يدركه من معاني الدوام.

وستبقى الإنسانية ما بقيت الحروب وكوارث الطبيعة تتطلع إلى الصليب الأحمر وإلى الهلال الأحمر بعين الرجاء وعرفان الجميل.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.